هل يوسع بوتين نفوذه في الشرق الأوسط من خلال سوريا ومصر وتركيا وإيران؟

تُعد زيارات بوتين المكوكية لسوريا ومصر وتركيا يوم 11 ديسمبر 2017 ثاني تحرك روسي بعد اجتماع القمة الثلاثية الروسية التركية الإيرانية في سوتشي شهر نوفمبر.

أولاً: زيارة بوتين لسوريا

هبط الرئيس الروسى فلاديمير بوتين فى قاعدة حميميم الجوية فى سوريا، حيث كان أول شخص في إستقباله قائد القوات الروسية بالقاعدة في رسالة إستعراض عالمية (تُعد قانونية دولياً)، ورسالة أخرى للداخل الروسي تستهدف دعمه في إنتخابات الرئاسة القادمة بموسكو مارس 2018. ثم عناقاً قوياً مع الرئيس السوري بشار الأسد إحتفالاً بالنصر الروسي على الإرهاب ظاهرياً وعلى المعسكر الغربي بشكل غير مُعلن (ذلك المعسكر الغربي الذي توقع هزيمة بوتين وعودته خاسراً لبلاده)، وكذا إحتفالاً بالإنتصار السوري ممثلاً في بقاء بشار الأسد في الحكم – كما وعده بوتين – منتصراً على خصومه ووكلائهم.

الهدف الرسمي المُعلن من زيارة بوتين لروسيا هو إعلان إنسحاب القوات الروسية من قاعدتي حميميم وطرطوس، ولكن في المقابل نجد الإبقاء على القاعدتين الروسيتين في البحر المتوسط لأجل غير مسمى تحسباً لأي عمل إرهابي منتظر، مُكفلاً لروسيا حقوقا طويلة الأجل لقواعدها، مُنصباً نفسه زعيماً لقطب عالمي أمام الولايات المتحدة. أظن أن بوتين يعتبر تلك الزيارة بداية لإتساع حقيقي للنفوذ الروسي في الشرق الأوسط، وربما الدور على بؤرة صراع أخرى. فقد إنتصر بوتين على دعوات الديمقراطية والقضاء على الدكتاتورية، منفذاً وعده بحماية وضمان بقاء حكم أهم حلفاءه هو بشار الأسد، وهي رسالة لحلفاء آخرين قد ينتظرهم ما واجهه بشار الأسد.

ثانياً: زيارة بوتين لمصر

غادر بوتين حميميم ووصل إلى القاهرة حيث اجتمع مع الرئيس السيسي لإجراء محادثات حول إستمرار توسيع العلاقات بين البلدين ومناقشة بعض القضايا الاقليمية. حيث صرح بوتين أن روسيا مستعدة من حيث المبدأ لاستئناف رحلات الركاب المباشرة إلى مصر ومن المتوقع أن يتم التوقيع على اتفاق في المستقبل القريب وذلك بعد إنقطاع دام حوالي سنتين بعد إسقاط عناصر إرهابية طائرة روسية في سيناء في أكتوبر 2015 مما تسبب في مقتل 224 شخصا كانوا على متنها.. كما وقعت مصر وروسيا خلال زيارة بوتين إتفاقاً لبدء العمل فى أول محطة للطاقة النووية فى مصر تضم أربعة مفاعلات وتصل تكلفتها إلى 21 مليار دولار ومن المتوقع ان ينتهي البناء في 2028 / 2029 بواسطة شركة روسياتوم النووية الروسية وذلك في منطقة الضبعة على ساحل البحر المتوسط.

وعلى صعيد آخر ناقش الرئيسان الوضع السوري والليبي والقضية الفلسطينية وموقف ترمب الأخير بشأن نقل السفارة الأمريكية للقدس. كما ناقشا إمداد مصر بأسلحة روسية رئيسية متطورة.

ثالثاً: زيارة بوتين لتركيا

في مؤتمر صحفي حضه الزعيمان الروسي والتركي، ذكر الرئيس الروسى فلاديمير بوتين أن روسيا وتركيا اتفقتا على أن قرار الرئيس الامريكى دونالد ترامب بالاعتراف بالقدس عاصمة لاسرائيل يزعزع استقرار الوضع فى الشرق الاوسط.

كما قال بوتين الذي كان يتحدث مع الرئيس التركي رجب طيب أردوجان بعد محادثات ثنائية في انقرة خلال زيارته القصيرة لها أن روسيا تأمل في توقيع اتفاقات ائتمان لصناعة الدفاع مع تركيا قريبا.

وقال أردوجان أن أنقرة وموسكو كانتا على نفس الخط فيما يتعلق بالتحرك الامريكى حول القدس وأن الزعيمين سيبقان على اتصال بشأن هذه القضية. وقال أن المسؤولين الأتراك والروس سيجتمعوا لوضع اللمسات الاخيرة بشأن إستلام تركيا لنظم صواريخ أرض / جو روسية من طراز S- 400 والمنتظر استلامها في 2019.

كما بحث أيضاً بوتين وأردوجان التطورات فى سوريا والشرق الاوسط، فضلا عن العلاقات الثنائية والتي كانت متوترة بين البلدين بعد أن أسقطت تركيا طائرة مقاتلة روسية لانتهاكها مجالها الجوى فى عام 2015.

رابعاً: الرأي:

  • رغم الوضع الإقتصادي الروسي السيئ، وتداعيات العقوبات التي وقعت عليها بسبب أزمة أوكرانيا، وإنهيار أهم دول عربية كانت مرتعاً للنفوذ السوفييتي في الشرق الأوسط، لا شك أن روسيا قد عادت لتستخدم أدواتها في المنطقة بحرفية عالية وإستراتيجية جديرة بالدراسة. فقد تمكن بوتين في تنفيذ المرحلة الأولى من إستراتيجيته الصادرة بنهاية شهر ديسمبر 2015 والتي كان قد بدأها بالفعل منذ اليوم الأول لتوليه الرئاسة عام 2012، حيث أنجز مرحلة “إستعادة الهيبة” ويتجه بنجاح ملحوظ، فلا تستطيع الولايات المتحدة إتخاذ قراراً منفرداً بسهولة في منطقة الشرق الأوسط دون مراجعة بوتين، الجاهز دائماً باستخدام حق الـ”فيتو” ضد أي قرار أمريكي يخالف مصالح بلاده خاصة في سوريا. ويتجه بوتين حالياً بخطوات حذرة نحو مرحلة “إستعادة وتوسيع النفوذ”.
  • يبدو أن بوتين قد نظم خط دفاع سياسي جديد يمر بتركيا وسوريا وإيران، مشكلاً مع إيران وتركيا تحالف إستراتيجي مؤقت (غير مُسمى) لصالح الأزمة السورية بشكل يحقق مصالحهم المشتركة بحساسية شديدة، ودون مشاركة دولة عربية أو إسرائيل في قرارت سوريا المصيرية.
  • أظن أن بشار الأسد وخصومه يعلموا أن بوتين لن يعيد إعمار سوريا، فهو لا يملك الإرادة ولا الإمكانيات لذلك، مقارنة بما فعلته الولايات المتحدة الأمريكية مع التي خصصت مئات المليارات من الدولارات من المساعدات المدنية إلى العراق وأفغانستان، ومن ثم أتوقع أن تحتاج سوريا عقوداً طويلة وأموالاً طائلة لإعادة إعمارها.. أو ثمة أمل في حكم رشيد في سوريا ينشئها دولة مؤسسية ويعوضها عما تكبدته من خسائر.
  • أتوقع إستعداد بوتين للاستماع إلى مخاوف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من ترسيخ نفوذ إيران في سوريا. وحتى الآن، على الرغم من ذلك، فإنه لم يضع بعد أي ضغط ملموس على الإيرانيين. وهنا قد نلاحظ أمراً هاماً، أن روسيا – التي تسيطر على أجزاء كبيرة من المجال الجوي السوري – لم تحاول على الأقل، منع أو حتى إعلان إدانتها للغارات الجوية الإسرائيلية على حزب الله والأهداف الإيرانية في سوريا، والتي نسبتها وسائل الإعلام الأجنبية إلى إسرائيل. وكأن بوتين يتجنب التورط فيما تخططه إسرائيل لإيران وحزب الله بالتعاون مع السعودية.
  • على صعيد آخر، لم تغفل روسيا إعادة ترسيخ علاقاتها مع أهم محور في الشرق الأوسط وهو مصر، حيث يجدد ويطور علاقاته مع الرئيس المصري الذي يحتاج لتنوع السلاح والطاقة النووية، كما يحتاج للدعم السياسي الروسي في بعض القضايا (الحرجة) التي قد تورطه فيها علاقاته الشخصية مع ترمب وعلاقات بلاده ذات المصالح المتبادلة مع إسرائيل، مثل القضية الفلسطينية.
  • تمثل مصر أهمية إستراتيجية لبوتين، حيث يعتبرها محور إرتكاز سياسي (مفصلي) متقدم يؤمن مصالح بلاده، فكما أن سوريا وليبيا شرقاً وغرباً يمثلا العمقين الإستراتيجيين الأهم لمصر، فهما يمثلا أهمية شديدة لروسيا لتأمين مصالحها في منطقتي الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
  • ليس هناك يوماً أفضل لروسيا منذ تولي بوتين منصباً فيها مثل يومنا هذا، فروسيا في علاقات مصالح متميزة حالياً مع إيران وتركيا.. فتشهد روسيا علاقات متميزة مع تركيا التي تمتلك مضيقي “الدردنيل والبوسفور” واللذان يعتبرا “عنق الزجاجة” الذي يمكن قوات وتجارة بوتين للشرق الأوسط أيضاً. فضلاً عن مشروع تمرير الغاز من روسيا إلى تركيا وإلى أوروبا من خلال تركيا والذي يؤكد إحتياج أوروبا الدائم لروسيا.. على صعيد آخر نجد إيران تحقق لبوتين فرص التواجد في المنطقة مع تزايد المصالح المشتركة بينهما، كما تيسر له طريق مرور آمن مواز أو بديل لتركيا لنشر قواته في سوريا.
  • تسعى أوروبا لتوفير الغاز الطبيعي الأقل تكلفة مستقبلاً من رباعي المتوسط (اليونان ومصر وقبرص وإسرائيل)، والذي سيهدد مشروع الغازالتركي الروسي (ترك أستريم)، وأظنه قد يجعل روسيا ترى مصر – بوضعها الجديد الذي هيئته لها أوروبا كمنتج ومصنع ومصدر للغاز – منافساً في هذا الاتجاه وجب تحييده.
  • قيام روسيا بإمداد تركيا بأسلحة نوعية متطورة قد يزيد من تهديد وضع تركيا ضمن حلف الناتو، حيث يعتبر الحلف هذه الخطوة بمثابة (إنقلاب)، لأنها أسلحة لا يمكن دمجها فى منظومة دفاعه.
  • ربما تهدف روسيا لإتساع دوائر نفوذها بالمنطقة في محاولة لحل محل الولايات المتحدة الأمريكية التي يُتوقع أن تخفف حجم وطبيعة تدخلاتها تدريجياً، حيث لا تميل روسيا لوضع نفسها منافساً لأمريكا في المنطقة، ومن ثم أتوقع تزايد التدخل الروسي (الحذر) تدريجياً أيضاً ببؤر الصراع الأخرى بالمنطقة، مع تركيزها على البعد الإقتصادي لدعمها داخلياً وخارجياً.
  • يدرك بوتين مدى ضعف بلاده الحقيقي وأنه لا يمتلك القدرات العسكرية التي تمكنه من ملئ فراغ النفوذ الأمريكي في المنطقة، ومن ثم أتوقع أن يركز بوتين على القدرات الإقتصادية كأهم محرك للقدرات العسكرية وبما يمكنها من تأمين المصالح والنفوذ السياسي بشكل حقيقي.

 

سيدغنيم
زميل أكاديمية ناصر العسكرية العليا
رئيس مركز دراسات الأمن العالمي والدفاع – أونلاين