صفقة القرن

29 يونيو 2018

مقدمة

تداولت مراراً وسائل الإعلام والدوائر السياسية مصطلح “صفقة القرن” الذي ذكره ترمب خلال إستقباله الرئيس السيسي في واشنطن يوم 3 أبريل 2017، والذي تزامن مع زيارة العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني لواشنطن أيضاً لنفس السبب.

صفقة القرن في بدايتها (كما قصد الرئيس السيسي وقتها) كانت تهدف باختصار لإسراء اتفاق سلام اسرائيلي فلسطيني، وتبدأ بعدة مبادرات تشمل إطلاق سراح أسري فلسطينيين من السجون الإسرائيلية، وتجميد تام لبناء المستوطنات في الضفة الغربية، على أمل مصري أردني فلسطيني وضع مشروع “حل الدولتين” أمراً أساسياً ضمن بنودها، إلا أن نتنياهو وترمب لا أظنهما متحمسين لذلك.

صفقة القرن (غير معلومة التفاصيل)

على الرغم من أن المسؤولين في إدارة ترامب لم يعطوا توضيحاً مُعلناً بشأنها، إلا أن بعض المحللين قد انتبهوا إلى أن إسرائيل قد بدأت بالفعل في تنفيذها طبقاً لتصورها بترسيخ حكم ما يمكن وصفه بـ”الفصل العنصري على الفلسطينيين”، مستغلة الوقت الذي أمضته إدارة ترمب في تجميل وتعديل وثيقة صفقة القرن منذ الإعلان عنها، فلقد نجح نتنياهو خلال هذه الفترة في تعميق قبضته على الضفة الغربية والقدس الشرقية، وهو على يقين أن إدارة ترمب لن تقف في طريقه”.

من المفروض أن يقدم ترمب خطته بشأن “صفقة القرن” خلال فترة وجيزة والتي ربما يؤجل نشرها من يوم لآخر نظراً لقيامه بإطلاع نتنياهو على مستحدثاتها بشكل مستمر، فلا شك أن نتنياهو هو المستفيد الأكبر من أي شكل للصفقة في جميع الأحوال، وبالقدر الذي سيستفيد به الإسرائيليون ستكون حجم خسارة للفلسطينيين وذلك حسب تقدير الفلسطينيين على الأقل، ويبقى لكل من مصر والأردن وأي أطراف أخرى حفظ ماء الوجه، وهو ربما ما يتم التجهيز له إعلامياً بشكل مكثف اليوم.

إلا أنني (كمحلل) أتوقع تجاهل إعتراض الجانب الفلسطيني، فالعرب والأمم المتحدة في أضعف أحوالهم، ونتنياهو أثبت ذلك مراراً باستمراره في ما كان يفعله على مدى السنوات العشر الماضية، حيث يوسع المستوطنات ويقمع معارضيه من الإسرائيليين أنفسهم دون أن يعير لتنديد العالم والأمم المتحدة انتباهاً.

تبادل الأراضي بين الإسرائيليين والفلسطينيين

أتذكر يوم أن فكر الرئيس الفلسطيني محمود عباس أبومازن في إمكانية كسب الموقف بمحاولة مبادلة الأراضي بالتخلي عن 6.5 % من الأراضي المحتلة لإسرائيل، والذي يعتبر أكثر من ثلاثة أضعاف ما قبله الفلسطينيون في محادثات السلام السابقة.. ولكن يبدو أن الفلسطينيين قد خسروا المعركة وهم الآن يستعدون للأسوأ، خاصة أن أبومازن قد استهزأ بالصفقة المقترحة من ترمب قائلاً أنه لن يرتكب “الخيانة” بالموافقة على ذلك.. حيث وفقاً لمسؤولين فلسطينيين من المحتمل أن يتم عرض حدود مؤقتة على أجزاء من الأرض تضم حوالي نصف الأراضي المحتلة، أو 11% فقط مما تم الاعتراف به كفلسطين تحت الانتداب البريطاني.. والمناطق الفلسطينية ستكون منزوعة السلاح، وسيكون لإسرائيل سيطرتها على الحدود والمجال الجوي.. وعندئذ يُترك إسرائيل والفلسطينيون “للتفاوض” حول وضع المستوطنات غير القانونية في الضفة الغربية والقدس الشرقية، ويبقى ترامب داعماً لنتنياهو إلى أقصى حد.

وأبسط مؤشر لذلك تصريحات ترمب الأخيرة والتي لا تشير لأي نية لحل الدولتين، والتقرير السنوي الأخير الصادر عن وزارة الخارجية الأمريكية أبريل الماضي حول وضع حقوق الإنسان (والذي أسقط لأول مرة مصطلح “الأراضي الفلسطينية المحتلة”)، أي أن فريق ترامب لم يعد ينظر إلى الضفة الغربية أنها تحت الاحتلال، والذي بدوره يحرر يد إسرائيل للتوسع في الاستيلاء على مناطق في الضفة الغربية.

إستنتاجات

مما سبق نلاحظ أنه ليس هناك معلومات متماسكة مؤكدة حول ما سمي بـ”صفقة القرن”، ولكن قد يمكننا الخروج ببعض الإستنتاجات كالآتي:

  • إحتمال قيام إدارة ترامب بالاعتراف بكل القدس كعاصمة إسرائيل، والذي من شأنه أن يحرم الفلسطينيين من القدس الشرقية المفترض انها عاصمة أية دولة فلسطينية مستقبلية.
  • إحتمال قيام إدارة ترامب بالاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على الجولان.
  • قيام نتنياهو فور إعلان صفقة القرن لصالحه (بأي شكل) باقتراح تشريعات لتعريف حدود مدينة القدس وسكانها كأغلبية يهودية لا يمكن تجاوزها.

ومع اعتبار القدس عاصمةً حصرية لإسرائيل، ستبحث إدارة ترمب (حفظاً لماء الوجه) عن مكان بديل كـ”عاصمة” فلسطينية مستقبلية خارج حدود القدس.. ووفقاً لما تردد لمرات فقد اختاروا بلدة “أبوديس” الواقعة على بعد 4 كم شرقي القدس والتي فصلها عن المدينة الجدار الإسرائيلي منذ أكثر من عشر سنوات.

وفكرة أبوديس ليست جديدة، ففي نهاية التسعينيات اقترحت إدارة الرئيس بيل كلينتون إعادة تسمية أبوديس لتكون “القدس” كما تنطق باللغة العربية تحسباً لتعيينها عاصمة مستقبلية لدولة فلسطينية.. علماً بأن أبوديس قرية مكتظة بالسكان تضم 130 ألف فلسطيني وربما لا يمكن أن تكون عاصمة للفلسطينيين بشكل عملي.

الضفة الغربية

بموجب اتفاقيات أوسلو، تم تصنيف حوالي 62٪ من الضفة الغربية المحتلة على أنها المنطقة (ج) والواقعة تحت السيطرة الإسرائيلية المؤقتة.. وهي تضم أفضل الأراضي الزراعية الفلسطينية وستكون قلب أي دولة فلسطينية مستقبلية.. إلا أن إسرائيل لم تنفذ قط عمليات الانسحاب من المنطقة (ج) المحددة في أوسلو، وبدلاً من ذلك، فقد تسارعت عملية توسيع المستوطنات اليهودية غير القانونية هناك، وجعلت الحياة صعبة قدر الإمكان على الفلسطينيين لإجبارهم على التحرك تجاه حدود المناطق الأكثر اكتظاظًا بالسكان “أ” و”ب” ليزيد الموقف خطورة.

ترد شائعات حول قيام ترامب بتقديم اعترافاً بالحدود الفلسطينية المؤقتة على حوالي نصف مساحة الضفة الغربية – مما يمنح فعلياً معظم المنطقة (ج) لإسرائيل. وسيكون جزء كبير من تلك الأرض في وادي الأردن، وهو العمود الفقري الطويل في الضفة الغربية التي ظلت إسرائيل تحتلها منذ عقود.

في شهر ديسمبر الماضي، ومع تبني خطة ترمب، أعلنت إسرائيل عن برنامج ضخم لتوسيع المستوطنات في وادي الأردن، وهو مصمم لأكثر من ضعف عدد المستوطنين هناك.. في الوقت نفسه، كثفت إسرائيل مؤخراً من مضايقة السكان الفلسطينيين مما قلص عددهم في وادي الأردن وفي أجزاء أخرى من المنطقة (ج).. بالإضافة إلى منع الفلسطينيين من الوصول إلى 85% من الوادي، أعلنت إسرائيل ما يقرب من نصف المنطقة مناطق عسكرية وميادين رماية، وقد برر ذلك الإخلاء المنتظم للأسر بدعوى ضمان سلامتها.. كما تقوم إسرائيل بتطوير إجراءات سريعة لهدم منازل الفلسطينيين في وادي الأردن.. أما عن بقية المنطقة (ج)، فقد قامت إسرائيل بتوسيع المستوطنات في أجزاء أخرى من المنطقة من جانب وتدمير المجتمعات الفلسطينية فيها من جانب آخر.

في أواخر مايو 2018 عارضت فرنسا بعد أن وافقت المحكمة العليا في إسرائيل على خطة لهدم قرية خان الأحمر البدوية، بجانب قرية “معاليه أدوميم”. من المفترض أن يتم نقل العائلات إلى مكب للنفايات في أبوديس.. وحذر البيان الفرنسي من أن الأعمال الإسرائيلية تهدد “منطقة ذات أهمية استراتيجية لحل الدولتين ودعم دولة فلسطينية مستقبلية”.

ضغوط أمريكية على الفلسطينيين من جانب وعلى العرب من جانب آخر

قام ترمب بالفعل بتخفيض التمويل الأمريكي المقدم لوكالة الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين “الأونروا”، التي تهتم بأكثر من مليوني لاجئ في الأراضي المحتلة.. كما أن ترمب إعتزم تخفيض أكثر من 200 مليون دولار فوراً من التمويل المقدم للسلطة الفلسطينية.

من جانب آخر، قدم ترمب لأبومازن عن طريق السعودية وثيقة من (35) صفحة عندما زار المملكة في نوفمبر الماضي، على أن يقبل أبومازن ما بالوثيقة أو يتقدم بإستقالته.

أظن أن ترمب يريد أن يدرك العرب ضرورة تهدئة القضية الفلسطينية طبقاً للخطة الأمريكية قبل شروع الولايات المتحدة في التنسيق مع إسرائيل بشأن التصدي لطهران.

ما الحل إذن الذي قد تقدم عليه الولايات المتحدة الأمريكية؟

من الصعب على إدارة ترامب وإسرائيل تجاهل الكارثة الإنسانية المتراكمة في غزة، فهندسة الحصار الإسرائيلي لغزة قرابة 11 عاماً ربما ادت لما تحذر منه الأمم المتحدة الآن وهو أن غزة ستكون قريباً “غير قابلة للمعيشة”.. وقد استضاف البيت الأبيض 19 بلداً في اجتماع عُقد في مارس الماضي للنظر في الوضع في غزة، إلا أن السلطة الفلسطينية قامت بمقاطعته.. والآن ما الحل مع تكذيب الخارجية المصرية والرئيس المصري بنفسه أي شائعات تشير لاحتمال منح الفلسطينيين جزء من سيناء؟

ربما يتم الاتفاق مع مصر على إعادة غزة لتكون تحت الإدارة المصرية كما كانت عليه سابقاً، مع إعادة تشغيل مطار غزة وتفعيل مطار مناظر برفح المصرية أو مطار العريش وفتح المنافذ بين الدولتين وإقامة مشروعات داعمة بالجانبين والتي قد تتجاوز تكلفتها 1.5 مليار دولار، في مقابل أن يتم منح مصر الُسلطات الإدارية والقانونية والأمنية الكاملة، ومنحها الدعم المالي والمادي الذي يعينها على ذلك، وقد يحدث نفس الأمر مع الأردن في الضفة الغربية.. ولكن هل تقبل كل من مصر والأردن هذا الأمر؟ ولو فرضنا قبولهما سنجد الرفض الفلسطيني.. ورغم احتمال أن يواجه هذا الأمر حالة إقراره رفضاً فلسطينياً شديداً، إلا ان سياسة الأمر الواقع مع الجانب الفلسطيني قد تفلح حالياً.. وهو ما قد يحفظ ماء وجه القيادتين المصرية والأردنية أمام شعوبهم، ولكن إن وقع قيد التنفيذ هل سيقبله الفلسطنيون؟

ســــيد غـنــيم
زميل أكاديمية ناصر العسكرية العليا
رئيس مركز دراسات الأمن العالمي والدفاع – أونلاين