مصر.. مفتاح توسيع النفوذ الروسي

03 / 07 / 2018

(الصين – اليابان) ومصر

جمهورية الصين الشعبية، القوة الإقتصادية الهائلة الساعية حالياً لإستعادة طريق الحرير، ترى الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا سيكونا منافسان لها في المجال الإقتصادي في إفريقيا في المستقبل القريب.. الصين تعلم أن مصر أهم مفتاح مستقبلي في شمال وبعض أجزاء من وسط وغرب أفريقيا فضلاً عن القرن الإفريقي الذي تحقق فيه مصر باعاً يعتد به من حجم وتاريخ النفوذ السياسي والأمني والمتنامي حالياً مع الإمارات والسعودية.

من جانب آخر نجد اليابان التي تتفهم جيداً أهمية تعظيم نفوذها السياسي والعسكري في الشرق الأوسط وأفريقيا، وهي أيضاً تعلم أن الإمارات والسعودية يمثلاً لهل مفتاحاً رئيسياً في الخليج العربي والبحر الأحمر، كما أنها تعتبر مصر المفتاح الأهم والذي يمكن أن يصلها بشكل جيد إلى إفريقيا، ولذا فاليابان تسعى لتعظيم علاقاتها العسكرية مع مصر لتكون بشكل أكثر تعاوناً وإثماراً، بدءً من إمكانية تبادل التمثيل العسكري وحتى إمكانية التدريب العسكري المشترك الياباني/ المصري لتأمين مضيق باب المندب والبحر الأحمر مدخل الشريان الرئيسي لحياة اليابان الدولة منعدمة الموارد تقريباً، لتتساوى أو تتقارب مع مستوى علاقتهما السياسية والثقافية وفي مجالات التعليم والبحث العلمي.. وبالطبع مصر تضع للصين إعتباراً خاصاً، إلا أن اليابان الأضعف نسبياً (مقارنة بالصين) في القوى العسكرية والقوى البشرية، بل والأضعف بشكل عام في مجمل الكتلة الحيوية قد تسعى لاختيار مصر كوسيط سياسي جيد بينها وبين عدوها التاريخي (الصين) في معادلة النفوذ بالشرق الأوسط وأفريقيا، كما يفعل الخليج مع الهند تجاه إيران.

(روسيا – الولايات المتحدة) ومصر

نجح بوتين في ترسيخ نفوذه في شمال الشرق الأوسط من خلال سوريا وحالياً يحاول توسيع نفوذه غرباً، وربما جنوباً أيضاً، في الشرق الأوسط وإفريقيا، وذلك من خلال حليف الإتحاد السوفيتي السابق (مصر).

مصر الشريك الإستراتيجي للولايات المتحدة والغرب منذ أربع عقود، إستطاعت روسيا ان تحصل على موافقتها لإنشاء منطقة صناعية في محافظتها الساحلية الشمالي الشرقية (بورسعيد) والمعروفة بكونها الباب الشرق لمصر، كما أبرمت صفقات الطاقة الرئيسية بما في ذلك بناء أول محطة للطاقة النووية في الضبعة. وتمكنت روسيا من زيادة مبيعات الأسلحة لمصر، كما حصلت على دعمها الدبلوماسي في عدد من المبادرات الإقليمية.

إقتصادياً، لا شك أن روسيا تعتزم تنويع اقتصادها عن طريق الدخول إلى الأسواق غير التقليدية التي تخفف من الآثار الاقتصادية السلبية للعقوبات الغربية عليها، حيث توفر مصر سوقاً للسلع الروسية بدءً من القمح إلى الأسلحة، ويمكن أن تكون بمثابة ممراً إلى الأسواق الأخرى في أفريقيا..

عسكرياً، تشير العديد من التحليلات لإمكانية، وربما بشكل غير مُعلن، أن تحاول روسيا تأمين قاعدة بحرية في مصر (عسكرية أو لأغراض لوجيستية) من أجل توسيع نفوذها شرق البحر المتوسط ​​لتصبح منافساً على حرية المناورة مع الولايات المتحدة عبر قناة السويس.. نعم، روسيا لا تستطيع التنافس المطلق على المدى الطويل مع الولايات المتحدة التي توفر مساعدات عسكرية سنوية لمصر، لذا سيركز بوتين على إمكانية دعم مصر في مجالات أساسية مثل الأمن والغذاء والطاقة، وهو الأمر الذي يدفع صناع القرار الأمريكي لإستمرار الولايات المتحدة في علاقتها الإستراتيجية المتينة مع مصر، ليس فقط للحفاظ على شراكتها مع دولة إقليمية رئيسية ولضمان حرية مناورتها في البحر المتوسط ​​وقناة السويس، ولكن أيضاً لضمان نفوذها في المنطقة وتحييد منافس عالمي قوي يصل لمستوى عدو شديد الخطورة وهو روسيا.

أما على الصعيد الأمني، فنجد روسيا تسعى لتحقيق أكبر قدر من التعاون مع مصر في مجال مكافحة الإرهاب، كما فعلت مع سوريا وإن كان بأسلوب أكثر هدوءً، وبذلك تعزز روسيا مصداقيتها كشريك إستراتيجي موثوق به في المنطقة، وهي السمعة التي لا تتمتع به الولايات المتحدة والغرب.

لطالما سعت روسيا لإبعاد مصر عن شراكاتها مع الغرب خاصة الولايات المتحدة.. ففي عهود سابقة استخدم الاتحاد السوفييتي قواعد بحرية في مرسى مطروح والإسكندرية في مصر، وكانت البحرية السوفييتية تعمل أيضًا أمام سواحل بورسعيد، كما ربط بين الاتحاد السوفييتي ومصر علاقات وثيقة حتى انتقلت مصر إلى الغرب في السبعينيات وهو ما مثل صفعة قوية لـ”الدب الشيوعي”.. ليعاود بوتين وتحديداً مع بدايات عام 2014 إحياء علاقات بلاده السابقة مع مصر بنجاح أكثر إعتدالاً وتوازناً، فقد أعرب “بوتين” علناً عن دعمه للمشير “السيسي” كرئيس مستقبلي لمصر وقت أن كان وزيراً للدفاع وقبل أن يعلن عزمه الترشح للرئاسة.

العلاقات الروسية المصرية

  • وقعت روسيا ومصر اتفاقية لإنشاء منطقة صناعية روسية (RIZ) في شرق بورسعيد في مايو 2018.
  • بدأت روسيا ومصر مؤخرا تدريبات عسكرية مشتركة.
  • زادت روسيا مبيعاتها من الأسلحة البرية والجوية وأنظمة الدفاع الجوي لمصر إعتباراً من عام 2014.
  • قامت روسيا بعقد صفقات مع مصر للطاقة الرئيسية.
  • حصلت روسيا على التعاون الدبلوماسي المصري ودعمها لعدد من القضايا العالمية والإقليمية الرئيسية (موقف مصر في الأزمة السورية – الموقف المصري في ليبيا – انضمت مصر إلى مقاطعة روسيا لاجتماع غير رسمي لمجلس الأمن الدولي حول فنزويلا بقيادة الولايات المتحدة في نوفمبر 2017، وقد سلطت كل من مصر وروسيا الضوء على جهودهما المشتركة لدحر الإرهاب وتسوية الصراعات الإقليمية في الشرق الأوسط).
  • في أبريل 2018 استأنفت روسيا رحلاتها الجوية المباشرة مع مصر، ودعمتها في مجال أمن المطارات.

تصوري لمحاولات روسيا تأمين قاعدة استراتيجية في مصر

كما استطاعت روسيا أن تجعل من تركيا (عضو الناتو عدو روسيا اللدود) حليفاً يمكن روسيا من الوصول للبحر المتوسط قادمة من من البحر الأسود عبر مضيقي الدردنيل والبوسفور، تستطيع روسيا أيضاً إيجاد السبل مع مصر “صاحبة الموقع الجيوستراتيجي الأهم عالمياً” من إستكمال ترسيخ وتوسيع النفوذ الروسي شرق المتوسط وفي البحر الأحمر جنوباً عبر قناة السويس”، أظن هكذا روسيا تفكر بجدية.

حيث ستواصل توسيع نفوذها في مصر مستغلة فترات تقليص النفوذ الأمريكي الغربي وعدم قبولهما شعبوياً في الشارع المصري وربما العربي لتحقيق ذلك، وستظل جهود روسيا مركزة على الصعيدين الاقتصادي والعسكري، بالإضافة إلى محاولات بوتين لتعميق علاقته الشخصية مع الرئيس السيسي، فما زالت قدرات روسيا الإقتصادية ضعيفة جداً بالمقارنة مع الولايات المتحدة.

ولذا من المحتمل أن تقوم روسيا باتخاذ خطوات تدريجية للحصول على قاعدة بحرية، وتمكينها من الوصول إلى القواعد الجوية في مصر، وبما يمكنها من توسيع نفوذها في المنطقة، بل وتمكينها من تقييد حرية الحركة الأمريكية في البحر المتوسط ​​إذا تمكنت من تأمين هذا الأساس الاستراتيجي في شمال أفريقيا.

ولتحقيق ذلك سيهدف بوتين إلى الآتي:

  • إشراك مصر في الاتحاد الاقتصادي الأوروبي الآسيوي (EAEU) من أجل تعزيز مصداقية الاتحاد الأوروبي، وبالفعل ذكرت وسائل الإعلام الروسية أن الجولة الأولى من المحادثات بشأن اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي ومصر ستعقد في سبتمبر 2018.

وتضم EAEU دول روسيا وبيلاروسيا وكازاخستان وأرمينيا وقرقيزيا ولديها اتفاقية تجارة حرة مع فيتنام، حيث تحاول روسيا استخدام EAEU كأداة للتأثير الإقليمي.

  • محاولة زيادة مبيعات الأسلحة المتطورة بأنواعها إلى مصر.
  • إقناع مصر بإستغلالها كبوابة (وسيط منتفع) لتوسعات روسيا الاقتصادية والسياسية والعسكرية إلى إفريقيا.
  • تكثيف أعمال العمليات النفسية الروسية لنشر الأفكار الدعائية والتي تجذب فئات الشعب والشارع المصري لشخص بوتين وللثقافة الروسية بما يؤكد أنها الأفضل والأقرب للمصريين مقارنة بالغرب.

في المقابل ومن الواضح أن الرئيس السيسي يسعى لمواصلة محاولة التوازن في العلاقات بين روسيا وحلفائه الأساسيين مثل الولايات المتحدة التي لا تزال أكبر مزود للمساعدات الخارجية.. جديرٌ بالذكر أن الولايات المتحدة قدمت لمصر ما يقرب من 80 مليار دولار من المساعدات الخارجية لمصر خلال 40 عاماً، متضمنة بالطبع المساعدات العسكرية السنوية.

وتبقى إمكانية إنشاء قاعدة إستراتيجية روسية في مصر أمر صعب تحقيقه، فهو يتنافى إلى حد كبير مع الثقافة والأيدولوجية العسكرية المصرية، فضلاً عن أن الفكرة قد يقابلها إعتراض كبير في الشارع المصري رغم شعبية بوتين الكبيرة بين أرجائه.

 

ســــيد غنـيم
زميل أكاديمية ناصر العسكرية العليا
إستشاري الأمن الدولي – أستاذ زائر بالناتو