طبيعة ومستقبل علاقات الإيندو-باسيفيك والشرق الأوسط

ســـيد غنيم يكتب….

 

 

 

قد لا يتصور البعض وجود علاقة بين الشرق الأوسط ومنطقة الإيندو-باسيفيك. قد يستبعد بعض المحللين أن يكون الشرق الأوسط مسرحاً للتنافس بين الجهات الفاعلة في شرق آسيا، لكن الأحداث الحالية تؤكد ذلك.

لا يتخذ الصراع شكلًا عسكرياً طوال الوقت، فقد يأخذ أشكالًا أخرى مختلفة تظهر فيها محاولات توسيع النفوذ والهيمنة ، الأمر الذي سيتضح من ورقتي الإستراتيجية هذه.

أولاً: الإيندو-باسيفيك والشرق الأوسط

سأتناول بإيجاز شديد علاقات الشرق الأوسط بالإندوباسيفيك من خلال أهم دوله وهي (الولايات المتحدة واليابان والصين والهند وأستراليا) كل بصورة منفردة، مع تحديد الإيندو-باسيفيك والشرق الأوسط.

  • الإيندو-باسيفيك:

هي المنطقة الجغرافية البيولوجية التي تغطي المحيطين الهندي والهادي، وتضم المياه الاستوائية للمحيط الهندي، وغرب ووسط المحيط الهادئ، والبحار التي تربط بين الاثنين في المنطقة العامة لإندونيسيا.. وهي لا تشمل المناطق القطبية في المحيطين الهندي والهادي.

  • الشرق الأوسط:

سأتناول “الشرق الأوسط” على أنه يتضمن دول إقليمي الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بصفته إقليم أكبر يمتد عبر قارتين من موريتانيا في شمال أفريقيا غرباً إلى إيران في غرب آسيا شرقاً، بإجمالي 21 دولة منها تركيا والسودان.. كما أن إقليم الشرق الأوسط يتواصل أمنياً وإقتصادياً مع دول القرن الإفريقي جنوباً والتي لا يجب إغفالها في كافة علاقات الشرق الأوسط.

استراتيجية إندو-باسيفيك منطقة حرة مفتوحة Free & Open Indo-Pacific (FOIP)

أُعلن عنها لأول مرة خلال مؤتمر “تيكاد” المنعقد عام 2016 في نيروبي بواسطة السيد شينزوآبي رئيس وزراء اليابان، وطبقاً لما أعلنته وزارة الخارجية اليابانية بموقعها الإليكترونية،

يمكننا تلخيص إستراتجية FOIP في الآتي:

أ – المجال الرئيسي الأول: تطوير بيئة للسلم والاستقرار والازدهار العالميين وتقاسم القيم العالمية

◎ في إطار “الاستراتيجية الحرة والمفتوحة للهند المحيط الهادئ” ، ستعزز اليابان “الربط” بين آسيا وأفريقيا لتعزيز الاستقرار والازدهار عبر المناطق. ستقوم اليابان بتأمين سلامة المواطنين اليابانيين الذين يقومون بأدوار نشطة في الخارج ، من خلال التعاون مع الدول النامية في تحسين إجراءات مكافحة الإرهاب والوضع الأمني ​​، الخ. واستناداً إلى مفهوم “الحفاظ على السلام”، ستساهم اليابان بشكل استباقي في تحقيق السلام والاستقرار. في المجتمع الدولي من خلال التعاون في مجالات مثل بناء السلام ، ومساعدة اللاجئين ، والتدابير المضادة ضد التطرف العنيف، مع تعزيز العلاقة بين المساعدات الإنسانية والتعاون الإنمائي. إضافة إلى ذلك ، ستدعم اليابان الجهود التي تبذلها البلدان التي تشترك فيها اليابان في القيم العالمية، بما في ذلك سيادة القانون، وتتعاون في مجالات تعزيز قدرة إنفاذ القانون البحري، وإنشاء النظم القانونية، وما إلى ذلك.

ب- المجال الرئيسي الثاني: معالجة القضايا العالمية نحو تحقيق أهداف التنمية المستدامة وتعزيز الأمن البشري

ﺳﺗﻧﻔذ اﻟﯾﺎﺑﺎن ﺗﻌﺎوﻧﺎً اﺳﺗراﺗﯾﺟﯾﺎً ﻣن أﺟل ﺗﺣﻘﯾق “أھداف التنمية المستدامة”، وھو ھدف ﯾﺳﻌﯽ اﻟﻣﺟﺗﻣﻊ اﻟدوﻟﻲ ﺑﺎﻟﮐﺎﻣل ﻟﻟﻌﻣل ﻋﻟﯾﮫ. وستساعد اليابان، لا سيما في صياغة الاستراتيجيات والخطط الوطنية فحسب، بل أيضا في تنمية الموارد البشرية التي ستشارك في صياغة وتنفيذ سياسات التنمية. ستقوم اليابان بتعزيز التعاون في مجالات مثل الصحة ، والمرأة، والتعليم، والحد من مخاطر الكوارث والتسونامي، وتغير المناخ، وقضايا البيئة العالمية.

جـ- المجال الرئيسي الثالث: الدبلوماسية الاقتصادية التي تهدف إلى “نمو الجودة” جنبا إلى جنب مع البلدان النامية، والمساهمة في التنشيط الإقليمي

سوف تتعاون اليابان نحو تحقيق “نمو جيد” في البلدان النامية، ومن خلال هذا التعاون، ستنمو جنباً إلى جنب مع البلدان النامية، مما سيسهم في تنشيط اليابان الإقليمي في نفس الوقت. ستقوم اليابان على وجه الخصوص بمساعدة الحكومات المحلية والشركات الصغيرة والمتوسطة في التوسع الخارجي، وتحسين بيئة الاستثمار الأجنبي المباشر، وتعزيز “البنية التحتية ذات الجودة” ، بما في ذلك تعزيز التقنيات والأنظمة اليابانية في الأسواق الخارجية. وبالإضافة إلى ذلك، ستساعد اليابان البلدان النامية في رعاية الموارد البشرية الصناعية، كما ستعمل على دفع الابتكار في الصناعة المحلية اليابانية من خلال اتخاذ تدابير جديدة.

علاقات بعض أهم دول الإندو-باسيفيك بالشرق الأوسط

  • الولايات المتحدة:

علاقاتها بالشرق الاوسط تراكمية معقدة، حيث تدير الولايات المتحدة هذه العلاقة بجوار القوى الدولية الأخرى في تعاون مفتوح مع بريطانيا وآخر حذر مع فرنسا وألمانيا، وتنسيق شديد الحذر ما بين الشد والجذب مع كلِ من الصين وروسيا، وتبقى اليابان (الحليف الأسيوي الأقرب للولايات المتحدة) والتي لها دوراً ثقافياً معرفياً في المنطقة، فضلاً عن دوراً أمنياً يتزايد أمنياً ببطء.

وتستند العلاقة بين الدول العظمى وأقليم الشرق الأوسط على تنافسية شديدة بين أطراف هامة تمثلها أربع قوى إقليمية وهي (إيران) من جانب، و(تركيا) من جانب، وإسرائيل والمملكة العربية السعودية من جانب آخر، وجميعها تركز في منطقة الشام والجزيرة العربية والقرن الإفريقي.

ومن ناحية أخرى ليست منفصلة، تستند على قوة إقليمية صاعدة وهي (مصر)، والتي من وجهة نظري جاري توجيه نفوذها لأجزاء من شمال أفريقيا والقرن الإفريقي ومنطقة الساحل والصحراء، فضلاً عن دورها الرئيسي في القضية الفلسطينية وفي القرن الإفريقي.. مع مراعاة العداء الشديد بين أيران والسعودية، وبين تركيا والبلقان، ومعاهدة السلام بين إسرائيل ومصر، وتبقى القضية الفلسطينية أهم معضلات المعادلة السياسية والأمنية بالمنطقة.

تتحكم عدة معايير في العلاقة بين القوى العظمى الفاعلة بالشرق الأوسط أهمها:

أ – العلاقات الأمريكية ذات المصالح خاصة مع دول الخليج ومصر والتي ذادت مع تولي الرئيس الأمريكي دونالد ترمب منصبه ثم المقاطعة الخليجية المصرية الرباعية ضد قطر.

ب- الأزمة الإيرانية بشأن الإنفاقية النووية، وتصاعد التوتر بين إيران ودول جوارها بالخليج العربي، عدا قطر خاصة بعد أزمتها الأخيرة مع دول المقاطعة.

جـ- العلاقات التاريخية (الوطيدة) الأمريكية / الإسرائيلية والتي تزايدت في الفترة الأخيرة، والتي أثرت سلبياً بشدة على مسير القضية الفلسطينية.

د – تداعيات الربيع العربي والموقف الأمني المتردي بالمنطقة متمثلاً في الأنشطة الإرهابية المتزايدة والعمليات العسكرية والحروب الأهلية في سوريا واليمن وليبيا.

من جانب دول الخليج، أرى أن علاقتها بالولايات المتحدة أصبحت أكثر برجماتية خاصة بعد تولي ترمب الحكم (المال مقابل حماية المصالح والأهداف)، إسرائيل طرف حليف تتشارك الأهداف والمصالح.

تعمل الولايات المتحدة حالياً على تقليص دورها نسبياً في الشرق الأوسط بما قد يعطي مساحة أكبر لنفوذ قوى أخرى.

  • الصين:

أرى أن الرؤية الإستراتيجية للصين تتلخص في الحفاظ على سياسة (صين واحدة)، آمنة قوية مزدهرة كقوة إقتصادية عالمية تمهد لنفوذ سياسي يحميهما القوة العسكريةِ.. وأن هدفها الإستراتيجي قد يتلخص في تعظيم القوة الإقتصادية كداعم رئيسي لتحقيق النفوذ الجغرافي السياسي، والسيطرة على الحدود البحرية ودرء الأخطار التي تهدد الدولة ومؤسساتها، والحفاظ على النظام الداخلي ومقدراته في مواجهة كافة التحديات.

وذلك من خلال أربع محاور رئيسية:

أ – سياسات تجاه المجتمع الدولي سعياً لتأييد دولي لتعاظم قوة ودور الصين وبما يحقق إستقرار آسيا.

ب- سياسات تجاه قواتها المسلحة، تضمن قوة عسكرية حديثة لتأمين مقدراتها الإقتصادية والدبلوماسية والسياسية، وتطوير أسلحتها النووية والتقليدية ببطء وثبات، لضمان الإستمرار في التركيز على التنمية الاقتصادية المدنية.

جـ- سياسات تجاه تسوية النزاعات الإقليمية وتوحيد الصف الصيني، بتجنب استخدام القوة لتسوية النزاعات، وإنتهاج سياسة حسن الجوار، على الأقل، لحين تحقيق التوازن الإقليمي والعالمي وتحول القوة لصالح الصين.

د – أخيراً.. سياسات تجاه الأنظمة الدولية، لتأمين المزايا دون تكبد خسائر. ولذلك، مستوى الصين من المشاركة في الجهود العالمية (في مجالات مثل التنمية الاقتصادية والتجارة ونقل التكنولوجيا، والحد من التسلح، والبيئة) يتحدد على أساس كل حالة على حدة.

وتعمل الصين حالياً على خلق أسواق كبيرة خارج آسيا عبر الشرق الأوسط وإفريقيا بأسرع وقت ممكن.. ولذا تحضر بكل قدراتها لمبادرة “حزام واحد طريق واحد” والتي تعتمد بشكل كبير على الشرق الأوسط والقرن الإفريقي.

تعمق الصين علاقاتها مع دول الخليج خاصة الإمارات والسعودية والكويت وكذا مع مصر كدول (مفتاح) رئيسية للخليج العربي والبحرين الأحمر والمتوسط، حيث تتنوع علاقاتها في المجالات الإقتصادية والتجارية والثقافية.

  • اليابان:

إقتصادياً، تُعد دول الخليج العربي المصدر الرئيسي لما يقرب من 80% من احتياجات اليابان من الغاز والنفط كما تعد دول الخليج وجهة أساسية للصادرات والإستثمارات الخارجية اليابانية، فضلاً عن أهميتها في حركة الملاحة البحرية، لذلك سيظل أمن واستقرار منطقة الشرق الأوسط من أولويات السياسة الخارجية اليابانية، وربما يؤكد ذلك أعلان السيد/ شينزو آبي رئيس وزراء اليابان خلال مؤتمر “تيكاد – TIKAD” في نيروبي عام 2016 عن إستراتيجية تجارة ضخمة والتي أطلق عليها:

“إندو-باسيفيك منطقة حرة ومفتوحة – Free & Open Indo-Pacific (FOIP) “.

تواصل دعم التعاون العلمي والثقافي والتبادل الطلابي من خلال توفير المنح الدراسية للطلاب العرب في الجامعات اليابانية، وتوفير برامج تدريبية لحوالي 20 ألف شخص من دول الشرق الأوسط خلال السنوات الخمس القادمة .

سياسياً، عُقد الحوار السياسي العربي الياباني في سبتمبر 2017 بجامعة الدول العربية بالقاهرة، بمشاركة “تارو كونو” ليكون أول وزير خارجية ياباني يشارك في حوار سياسي مع وزراء الخارجية العرب، ويعتبر توقيت الحوار – الذي حرص ” كونو ” شخصياً على المشاركة فيه عقب توليه منصبه، ليعكس وجود تغيير في سياسة اليابان تجاه منطقة الشرق الأوسط.

تدعم فكرة التوصل لتسوية شاملة للقضية الفلسطينية وإقامة دولة فلسطينية في إطار حل الدولتين ومن خلال المفاوضات، والحرص على المشاركة في الإجتماعات ذات الصلة، مع ترقب ومتابعة دقيقة لمواقف إدارة ترمب تجاه القضية الفلسطينية وخاصة فيما يتعلق بمسألة نقل السفارة إلى القدس، ويتركز دعمها على الجانب التنموي بتقديم المساعدات الاقتصادية والإنسانية للفلسطينيين والتي بلغ إجماليها حوالي 1.7 مليار دولار منذ عام 1992 ، ومواصلة دعم المجمع الزراعي الصناعي بأريحا ضمن مبادرة “ممر السلام والإزدهار” التي أطلقتها اليابان في عام 2006 في إطار جهود بناء السلام .

مواصلة تقديم المساعدات الإنسانية للاجئين السوريين ودعم خطط التنمية طويلة الأجل سواء للمهاجرين أو الدول المستقبلة وتنفيذ التعهدات اليابانية بتقديم مساعدات إضافية من خلال الهيئات التابعة للأمم المتحدة.

أمنياً، فضلاً عن توقيع إتفاقيات عسكرية مع بعض دول الخليج وتبادل التمثيل العسكري، تعددت مجالات التعاون الأم%