خريطة جديدة للنفوذ فى الشرق الأوسط خلال 2019

خريطة جديدة للنفوذ فى الشرق الأوسط خلال 2019

قراءة في أهم التوقعات المستقبلية للمنطقة:

خريطة جديدة للنفوذ في الشرق الأوسط خلال 2019

بوتين أكبر الرابحين من معركة سوريا .. والدول العربية السنية تعيد علاقاتها مع دمشق سعيا نحو «مواجهة أخف عنفاً وأكثر تأثيراً» مع طهران

إردوجان يحاول احتواء الحركات الكردية في نطاقها.. وترامب قد يعترف بالسيادة «العبرية» على الجولان

 

لواء أ.ح. سيد غنيم يكتب :

شهدت منطقة الشرق الأوسط خلال العام 2018 أشكالا متعددة من الصراع سواء ضد الإرهاب او الحروب الأهلية والتي أُحيطت بالتنافس الشديد على النفوذ الإقليمي والدولي خاصة في سوريا واليمن، ورغم التفوق الأمريكي في القوة الشاملة، استطاعت روسيا أن تفرض نفوذها في سوريا مستغلة أخطاء الإستراتيجية الأمريكية في المنطقة. فقد تغيرت خريطة الأحلاف لصالح روسيا خلال عامي 2017 و2018.

بالنظر إلى خريطة الفاعلين في الشرق الأوسط سنجد أن خريطة النفوذ يتقاسمها كل من السعودية وإيران وإسرائيل وتركيا وعلى المستوى الدولي الولايات المتحدة وروسيا، وتظهر ملامح دور الصين الاقتصادي القوي، والإقتراب الياباني الحذر.

تتضح دوائر النفوذ من خلال تتبع أهم الأحداث السياسية والأمنية في المنطقة خلال عام 2018، ومنها الضربة الأمريكية على سوريا، وإعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني، ونقل سفارة الولايات المتحدة إلى القدس، علاوة على تزايد حدة التنافس بين القوى الإقليمية الثلاث، إيران والسعودية وإسرائيل، على إيقاع سياسات ترامب، إلى جانب إجراء الانتخابات البرلمانية في لبنان والعراق وما أسفرت عنه من تفوق شيعي واضح، وقبل نهاية العام جاء إغتيال الصحفي السعودي جمال خشقجي، وانسحاب القوات العسكرية الأمريكية من سوريا.

أهم التوقعات المستقبلية

  • تركيا

ستواصل تركيا محاولات احتواء الحركات الكردية في نطاقها، بمواصلة توجيه ضربات عسكرية ضد مواقع الأكراد شمال العراق، مدعمة نفوذها في شمال سوريا لتحقيق هدفها الإستراتيجي وهو إنشاء منطقة عازلة بعمق 30 كياومتر على الحدود التركية السورية.

لمواجهة اقتصادها المتعثر ستعمل تركيا بجهد على دعم الاستثمارات الأجنبية، وإقرار علاقات اقتصادية مستقرة مع أوروبا وروسيا والصين. إلا أن تاريخ تركيا مع الاتحاد الأوروبي سيشكل عائقاً أمام جهودها. فضلاً عن إدارة التضخم، حيث سيتعين على الرئيس التركي مواجهة بعض القوانين الإستثمارية ببلاده، وكذا مواجهة أزمة الانخفاض الشديد في قيمة الليرة التركية.

على صعيد آخرن سيعمل أردوجان على إستعادة شعبيته داخلياً قبل الانتخابات المحلية المنتظرة في خلال عام 2019، متشبثًا بالأتراك المعنيين مالياً من جميع الأطياف الانتخابية.

لا شك أن العلاقات التركية/ الأمريكية قد تعرضت لتوتر شديد خلال عام 2018 وبشكل متزايد، نظراً لدعم الولايات المتحدة للأكراد في سوريا، والذي أدى بدوره بجانب أسباب أخرى لتحول تركيا تجاه روسيا.

  • إيران

لم تتوقف إيران عن الإصرار على ممارسة استفزازها وفرض نفوذها في المنطقة وتحديداً في سوريا ولبنان والعراق واليمن، والذي زاد من تعرضها للضغوط والعقوبات، خاصة أن الإتفاقية النووية لم تحظى رضى الولايات المتحدة والخليج وإسرائيل.

في المقابل، تشهد طهران العديد من الضغوط والتحديات الداخلية والإقليمية والدولية خلال أكثر من عشر سنوات، هذا بالتأكيد يزيد من توتر وعدم استقرارها في الداخل والذي قد يحرك إيران لاتجاهات غير متوقعة. ورغم شدة حملة العقوبات الأمريكية والتي بالتأكيد ستضر بإيران، إلا أنها لن تؤدي إلى سقوط الحكومة الإيرانية.

في أعقاب قرار واشنطن إعادة فرض العقوبات الاقتصادية الأمريكية في نوفمبر 2018، تراجعت صادرات إيران من النفط إلى حوالي 40% من صادرتها الأصلية، حيث أصبحت مليون برميل يومياً بعد أن وصلت إلى مليونين ونصف برميل يومياً قبل ذلك بحوالي سبعة أشهر فقط. وبناء عليه سيتأثر الإقتصاد الإيراني، حيث يقدر صندوق النقد الدولي الآن أن الاقتصاد الإيراني المدعوم بالنفط سينكمش بحوالي 3.5% عام 2019 بعد أن إنكمش بنسبة 1.5% بنهاية عام 2018، في حين أنه قبل إعلان الولايات المتحدة فرض العقوبات على إيران، كان صندوق النقد الدولي يتوقع نمو حوالي 4% عامي 2018 و2019.

من جانب آخر، هناك تزايد في حالة الإحباط العام لدى الشعب الإيراني بسبب الفساد المستشري في الحكومة، وارتفاع معدلات البطالة (خاصة بين الشباب المتعلمين بالكليات)، كما رصد على نطاق واسع حالات نقص في المياه، حيث عانت إيران عام 2018 من أسوأ موجة جفاف تعرضت لها منذ نصف قرن. ناهيك عن أن إيران قد شهدت سلسلة من الاحتجاجات المناهضة للحكومة في عدة مناطق بسبب تدهور الأوضاع الاقتصادية، والذي من المرجح أن يزداد سوءً عام 2019.

في المقابل، ومع تراجع الدعم السياسي المحتمل من الاتحاد الأوروبي خلال عام 2019، من المنتظر أن تتخذ إيران إجراءات مضادة قد تتسم بالعنف، حيث ستستجيب السياسة الخارجية الإيرانية لتنفيذ اختبارات الصواريخ الباليستكية الجديدة (كما فعلت في أوائل ديسمبر 2018) وقد تستمر في برنامجها النووي، كما ستزيد من نشاط قواتها البحرية في الخليج العربي التي قد تستهدف سفن أمريكية في محيطها، فضلاً عن اتخاذها إجراءات عدائية أخرى تنفذها بأساليب غير نمطية وأسلحة غير متماثلة، كالهجمات الإلكترونية ضد أهداف البنية التحتية الإسرائيلية والسعودية، إلا أنها لن تلجأ إلى هذه الخطوة إلا في حال الضرورة القصوى.

طبيعى أن تتجنب إيران الصراع المسلح التقليدي مع الولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين يالشرق الأوسط، إلا أن تزايد الضغواط على الحكومة والشعب الإيراني قد يؤدي لمواجهات عسكرية مباشرة قابلة للتصعيد، وبما يزيد من حالة عدم الإستقرار، الأمر الذي حالة حدوثه، ستستغله روسيا والصين ضد الولايات المتحدة وإسرائيل والسعودية بصورة ضاغطة على أوروبا قد تجبرها على أن تنحاز نسبياً لرفع الضغوط عن إيران.

ستزيد الدول المستفيدة من الموقف من حدة الضغوط على ترمب لاستمرار، بل وتصعيد، عقوباته ضد إيران. في المقابل ينتظر أن تتدخل الصين مستخدمة أدواتها الاقتصادية والسياسية بدور داعم لإيران وخاصة خطة العمل الشاملة المشتركة (الاتفاقية النووية)، ومحاولة تقليص العقوبات الأمريكية الجديدة عليها، حيث ستواصل الصين، باعتبارها أكبر مستورد للنفط من إيران وأكبر شريك تجاري لها، الحفاظ على علاقات اقتصادية وتجارية مع طهران رغم العقوبات الأمريكية، وبل بما قد يتصدى لها.

يتقاسم خريطة التنافس على النفوذ بالشرق الأوسط مجموعتين، المجموعة الأولى: وتتضمن روسيا وتركيا وإيران، أما المجموعة الثانية: فتنقسم لقسمين من ذوي الأهداف المشتركة، ويضم القسم الأول الدول الأكثر عداءً لإيران وهي: إسرائيل من جانب والسعودية والإمارات من جانب آخر، وهي من ستعتمد عليهم الولايات المتحدة للمساعدة في استراتيجيتها لاحتواء إيران. والقسم الثاني ويضم دول الكويت وسلطنة عمان، وهي لديها رغبة أقل في اتخاذ موقف صارم ضد إيران، كما أنها تدعم أي جهود للمصالحة مع قطر.

تعمل الولايات المتحدة على تحقيق أكبر استفادة ممكنة من المجموعة الثانية وبما يدعم موقفها في مناطق نفوذ أخرى لها كوسط آسيا والبلقان والقرن الإفريقي وغيرهم، ولذا أتوقع تمدد الصراع بين النفوذ الإيراني الخليجي إلى منطقة البلقان خاصة ألبانيا والبوسنة والهرسك وصربيا.. روسيا وتركيا بلاشك متواجدين أساساً.

  • إسرائيل

لن تخضع إسرائيل لمطالب حل الدولتين والتنازل عن القدس عاصمة لها، كما ستعمل على استكمال التطبيع لعلاقاتها مع العديد من الدول العربية بالمنطقة، وبما يعزز موقفها في مسار القضية الفلسطينية.

تنظر إسرائيل إلى الدولة العربية كاربع معسكرات رئيسية وهي (إيران الشيعية وحلفائها، والإخوان المسلمين، والسلفيين الجهاديين، والعرب السنة) إلا أن التهديد المباشر هو جماعة حزب الله والعدو البعيد هو إيران. وستزيد إسرائيل من ضغوطها على “ترامب” وإدارته من أجل الاستمرار في تصعيد الموقف ضد إيران، إلا أن الأكثر توقعاً هو قيام إسرائيل بتصعيد الموقف لمواجهة عسكرية ضد حزب الله في سوريا.

من ناحية أخرى، ورغم صعوبة احتمال تحسن جوهري في العلاقات بين إسرائيل وتركيا، ستعمل الولايات المتحدة على إستعادة علاقاتها الجيدة مع تركيا، وبما يمهد لعودة علاقات إسرائيلية/ تركية جيدة عام 2019. على أي حال أردوغان مهتم بالحفاظ على العلاقات الاقتصادية والتجارية أكثر من عودة تطبيع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل.

وستستفيد مصر من هذه الظروف على الصعيد الاقتصادي، حيث ستفضل إسرائيل تصدير غازها لأوروبا عن طريق مصر والتي تمتلك مسيلات الغاز الطبيعي، بدلاً من تركيا.

تبقى إسرائيل على سياساتها المتأرجحة تجاه قطر، حيث إن تل أبيب قلقة من دعم الدوحة لحماس، ولكنها في الوقت نفسه مهتمة بالحفاظ على جسور مفتوحة من العلاقات مع قطر كفاعل إقليمي مهم، خاصة بعد فشل إمكانية المصالحة القطرية الخليجية.

ستستمر إسرائيل في تطوير علاقاتها مع دول الخليج ومصر والأردن والمغرب والجزائر من خلال اعتبارات مختلفة، بعضها إرتباطاً بالتهديدات المشتركة باعتبارها أن إيران وبرنامجها النووي تهديد مشترك لإسرائيل والخليج، واعتبارها الإخوان والسلفيين الجهاديين تهديد مشترك ضد إسرائيل ومصر والأردن.

  • سوريا:

من الواضح إنحسار الحرب السورية وأن بشار الأسد هو الرابح الأكبر، وهو بالفعل قد ربح بعض من الوقت. فقد كان من المحتمل سقوط النظام السوري الحاكم خلال السنوات الماضية لولا دعم روسيا وإيران، إلا أنه في الحقيقة روسيا هي الرابح الأكبر فيما يحدث من وجهة نظري، حيث مكنت الإستراتيجية الروسية من ثبات القيادة السورية رغم عدم سيطرتها الكاملة على كافة أراضيها. وهناك احتمالين يمكن حدوث أحدهما خلال فترة قريبة وهما: بقاء بشار الأسد في الحكم أو خروج آمن لبشار الأسد ودعم ترشيح أحد من عائلته، وكلا الاحتمالين مرتبط بوقت لا أظنه طويل، خاصة أن القدرات الروسية قد لا تعين على ذلك لفترات طويلة.

يبقى الموقف المتوتر في إدلب، التي تعد موطناً للكثير من المقاتلين الأكثر تطرفاً في تنظيمي القاعدة وداعش الإرهابيين في سوريا، والذي ينذر بمخاطر شديدة خلال عام 2019، حيث أنه بدلاً من قيام القيادة السورية بتسوية الأمور في أدلب وكما استهدف اتفاق سوتشي، من المحتمل أن قيام القوات السورية الحكومية بشن هجوم لاستعادة إدلب خلال الربع الأول من عام 2019، وربما ما قد يعيق تحقيق قيام إسرائيل بشن ضبة عسكرية ضد حزب الله في سوريا، مع الوضع في الاعتبار أن إسرائيل قد ضربت أكثر من 200 من المنشآت العسكرية الإيرانية داخل سوريا خلال عامي 2017 و2018. ناهيك عن التوغل التركي في سوريا.

ورغم أن قرار الإنسحاب الأمريكي من سوريا يفترض أنه بتنسيق مسبق مع روسيا وتركيا، إلا أنه قد يورط البلدين خاصة روسيا بتزايد تكلفة التواجد الروسي في سوريا لاتساع رقعة مسؤوليتها أمام الفراغ الأمني الذي ستتركه الولايات المتحدة.

ورغم أنه سيؤثر نسبياً على النفوذ السعودي بها (الحليف الأمريكي المهم في المنطقة)، إلا أن قرار ترمب هذا، والذي اتخذه دون الرجوع لمستشاريه ومؤسسات بلده ولا لحلفائه بالعملية العسكرية في سوريا، قد يمثل رداً على ضغوط الكونجرس على ترمب بسبب دعمه الدائم للسعودية وإجباره وبن سلمان على تهدئة الوضع في اليمن.

ورغم أن الإنسحاب الأمريكي من سوريا يبدو في صالح روسيا وتركيا، إلا أن الولايات المتحدة قد تعتبره توريطاً عسكرياً أكثر اتساعاً لهما خاصة روسيا وبما لا تستوعبه القدرات الروسية، خاصة لو كان لفترة غير محسوبة، ووفقا لمبدأ المخاطر والفرص المتاحة، والتي تعتمدها واشنطن في بناء إستراتيجيتها. ولذا قد ترى واشنطن في انسحاب قواتها من سوريا مصدراً للضغط على موسكو، وليس العكس.

وعلى صعيد آخر، سيتيح هذا الإنسحاب الفرصة للآليات السياسية الأمريكية لإعادة تسوية العلاقات الأمريكية/ التركية، بهدف إعادة تركيا للصف الأمريكي/ الغربي كما كان، وبما يقوض جهود توسع النفوذ الروسي في الشرق الأوسط وشرق المتوسط ومنطقة البلقان.

أما عن موقف قوات سوريا الديمقراطية، والتي تُعد الحليف الأهم للقوات الأمريكية في سوريا، والمشكل معظمها من الأكراد، فقد أصبح حرجاً، خاصة أن الإنسحاب الأمريكي قد يجعل الأكراد فريسة لتركيا، إلا أن روسيا قد تكون جاهزة لخلق مكان ودور لتلك القوات الكردية وبما يؤمن مسار العمل الروسي وبتوافق مع تركيا وإيران وسوريا. وفي كل الأحوال ستستمر قوات سوريا الديمقراطية (الكردية) في مطاردة داعش في جيوبها الأخيرة في دير الزور والقرى المحيطة في محاولة لاتمام القضاء على عناصرها، والسيطرة على دير الزور.

لا شك أن إردوجان، صاحب المصالح الإستراتيجية المشتركة مع روسيا وإيران، قد يفكر بمعاونة الجيش السوري الحر بالتصدي لبشار الأسد بعد الانتهاء من مهمته أمام الأكراد.

ستعيد الدول العربية السنية علاقاتها مع سوريا ليس اعترافاً بأمر واقع، ولكن استثماراً له بمواجهة مباشرة، أخف عنفاً وأكثر تأثيراً، ضد التوغل الإيراني وأذرعه المخابراتية والعسكرية في سوريا. من ثم أتوقع تهديد، غير مُعلن حالياً، بواسطة “جماعة حزب الله” يستهدف بعض السفارات العائدة حالة تزايد المواجهات العسكرية ضد حزب الله.

 

صفقة غير معلومة التفاصيل

رغم أن المسئولين في إدارة ترامب لم يعطوا توضيحاً مُعلناً بشأن صفقة القرن، فإن بعض المحللين قد انتبهوا إلى أن إسرائيل قد بدأت بالفعل في تنفيذها طبقاً لتصورها بترسيخ حكم ما يمكن وصفه بـ”الفصل العنصري على الفلسطينيين”، مستغلة الوقت الذي أمضته إدارة ترمب في تجميل وتعديل وثيقة صفقة القرن منذ الإعلان عنها، فلقد نجح نتنياهو خلال هذه الفترة في تعميق قبضته على الضفة الغربية والقدس الشرقية، وهو على يقين أن إدارة ترمب لن تقف في طريقه”.

سيستمر نتنياهو فيما يقوم به على مدى السنوات العشر الماضية، حيث يوسع المستوطنات ويقمع معارضيه من الإسرائيليين أنفسهم دون أن يعير لتنديد العالم والأمم المتحدة انتباهاً، وسيبقى ترمب داعماً لنتنياهو إلى أقصى حد.

هناك إحتمال لاعتراف إدارة ترمب بالسيادة الإسرائيلية على الجولان، علاوة على قيام نتنياهو فور إعلان صفقة القرن لصالحه (بأي شكل) باقتراح تشريعات لتعريف حدود مدينة القدس وسكانها كأغلبية يهودية لا يمكن تجاوزها وذلك ارتباطاً باعتراف ترمب بالقدس عاصمة لإسرائيل.

ومع اعتبار القدس عاصمةً حصرية لإسرائيل، ستبحث إدارة ترمب (حفظاً لماء الوجه) عن مكان بديل كـ”عاصمة” فلسطينية مستقبلية خارج حدود القدس، والتي قد تكون بلدة “أبوديس” الواقعة على بعد 4 كم شرقي القدس والتي فصلها عن المدينة الجدار الإسرائيلي منذ أكثر من عشر سنوات.

مع تحذير الأمم المتحدة الآن من أن غزة ستكون قريباً “غير قابلة للمعيشة” قد تسعى الولايات المتحدة للوصول لاتفاق مع مصر على إعادة غزة لتكون تحت الإدارة المصرية كما كانت عليه سابقاً، مع إعادة تشغيل مطار غزة وتفعيل مطار مناظر برفح المصرية أو مطار العريش وفتح المنافذ بين الدولتين وإقامة مشروعات داعمة بالجانبين والتي قد تتجاوز تكلفتها 1.5 مليار دولار، في مقابل أن يتم منح مصر الُسلطات الإدارية والقانونية والأمنية الكاملة، ومنحها الدعم المالي والمادي الذي يعينها على ذلك، وقد يحدث نفس الأمر مع الأردن في الضفة الغربية.. ولكن هل تقبل كل من مصر والأردن هذا الأمر؟

ولو فرضنا قبولهما قد نجد الرفض الفلسطيني.. ورغم احتمال أن يواجه هذا الأمر حالة إقراره رفضاً فلسطينياً شديداً، إلا ان سياسة الأمر الواقع مع الجانب الفلسطيني قد تفلح حالياً.. وهو ما قد يحفظ ماء وجه القيادتين المصرية والأردنية أمام شعوبهم، ولكن إن وقع قيد التنفيذ هل سيقبله الفلسطنيون؟

مستقبل مجلس التعاون الخليجي

ستبدأ محاولات لإعادة هيكلة مجلس التعاون الخليجي ليكون اتحاد يتضمن البعدين السياسي والعسكري/ الأمني بجانب البعد الاقتصادي، والتي ستقابل برفض عماني وكويتي إلى حد كبير.

احتمال بدء قطر إجراءات الخروج من مجلس التعاون الخليجي مما يزيد التوتر مع دول المقاطعة. وستستمر المقاطعة مع قطر رغم محاولات الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وبريطانيا واليابان لحل الأزمة، إلا أنني لا أستبعد، وبعد تقدم اليابان بمبادرة للمصالحة لقطر، أن تكون روسيا أو الصين جاهزة بمبادرات أخرى للمصالحة من وجهة نظرها، وبما يقوض المصالح الأمريكية مع دول الخليج.

  • صفقة القرن

أ – صفقة غير معلومة التفاصيل

على الرغم من أن المسؤولين في إدارة ترامب لم يعطوا توضيحاً مُعلناً بشأنها، إلا أن بعض المحللين قد انتبهوا إلى أن إسرائيل قد بدأت بالفعل في تنفيذها طبقاً لتصورها بترسيخ حكم ما يمكن وصفه بـ”الفصل العنصري على الفلسطينيين”، مستغلة الوقت الذي أمضته إدارة ترمب في تجميل وتعديل وثيقة صفقة القرن منذ الإعلان عنها، فلقد نجح نتنياهو خلال هذه الفترة في تعميق قبضته على الضفة الغربية والقدس الشرقية، وهو على يقين أن إدارة ترمب لن تقف في طريقه”.

من المفروض أن يقدم ترمب خطته بشأن “صفقة القرن” خلال فترة وجيزة والتي ربما يؤجل نشرها من يوم لآخر نظراً لقيامه بإطلاع نتنياهو على مستحدثاتها بشكل مستمر، فلا شك أن نتنياهو يحاول الإستفادة منها يحقق خسارة للفلسطينيين، تاركاً لكل من مصر والأردن وأي أطراف أخرى حفظ ماء الوجه.

سيستمر نتنياهو فيما يقوم به على مدى السنوات العشر الماضية، حيث يوسع المستوطنات ويقمع معارضيه من الإسرائيليين أنفسهم دون أن يعير لتنديد العالم والأمم المتحدة انتباهاً.

سيبقى ترمب داعماً لنتنياهو إلى أقصى حد، وأبسط مؤشر لذلك تصريحات ترمب التي لا تشير لأي نية لحل الدولتين، والتقرير السنوي الصادر عن وزارة الخارجية الأمريكية أبريل 2018 حول وضع حقوق الإنسان والذي أسقط لأول مرة مصطلح “الأراضي الفلسطينية المحتلة”، والذي بدوره يحرر يد إسرائيل للتوسع في الاستيلاء على مناطق في الضفة الغربية.

جـ- إستنتاجات

مما سبق، ليس هناك معلومات متماسكة حول ما سمي بـ”صفقة القرن”، ولكن قد يمكننا الخروج بالآتي:

  • إحتمال اعتراف إدارة ترمب بالسيادة الإسرائيلية على الجولان.
  • قيام نتنياهو فور إعلان صفقة القرن لصالحه (بأي شكل) باقتراح تشريعات لتعريف حدود مدينة القدس وسكانها كأغلبية يهودية لا يمكن تجاوزها.
  • ومع اعتبار القدس عاصمةً حصرية لإسرائيل، ستبحث إدارة ترمب (حفظاً لماء الوجه) عن مكان بديل كـ”عاصمة” فلسطينية مستقبلية خارج حدود القدس، والتي قد تكون بلدة “أبوديس” الواقعة على بعد 4 كم شرقي القدس والتي فصلها عن المدينة الجدار الإسرائيلي منذ أكثر من عشر سنوات.

د – ضغوط أمريكية

قام ترمب بالفعل بتخفيض التمويل الأمريكي المقدم لوكالة الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين “الأونروا”، التي تهتم بأكثر من مليوني لاجئ في الأراضي المحتلة، كما قرر تخفيض أكثر من 200 مليون دولار فوراً من التمويل المقدم للسلطة الفلسطينية. وقد قدم ترمب لأبومازن وثيقة من (35) صفحة على أن يقبل أبومازن ما بالوثيقة أو يتقدم بإستقالته.

أظن أن ترمب يحاول بشكل أو بآخر تهدئة القضية الفلسطينية طبقاً للخطة الأمريكية قبل شروع الولايات المتحدة في التنسيق مع إسرائيل بشأن التصدي لطهران.

هـ- أتوقع أن تعمل الولايات المتحدة على تنفيذ الآتي:

مع تحذير الأمم المتحدة الآن من أن غزة ستكون قريباً “غير قابلة للمعيشة” قد تسعى الولايات المتحدة للوصول لاتفاق مع مصر على إعادة غزة لتكون تحت الإدارة المصرية كما كانت عليه سابقاً، مع إعادة تشغيل مطار غزة وتفعيل مطار مناظر برفح المصرية أو مطار العريش وفتح المنافذ بين الدولتين وإقامة مشروعات داعمة بالجانبين والتي قد تتجاوز تكلفتها 1.5 مليار دولار، في مقابل أن يتم منح مصر الُسلطات الإدارية والقانونية والأمنية الكاملة، ومنحها الدعم المالي والمادي الذي يعينها على ذلك، وقد يحدث نفس الأمر مع الأردن في الضفة الغربية.. ولكن هل تقبل كل من مصر والأردن هذا الأمر؟ ولو فرضنا قبولهما سنجد الرفض الفلسطيني.. ورغم احتمال أن يواجه هذا الأمر حالة إقراره رفضاً فلسطينياً شديداً، إلا ان سياسة الأمر الواقع مع الجانب الفلسطيني قد تفلح حالياً.. وهو ما قد يحفظ ماء وجه القيادتين المصرية والأردنية أمام شعوبهم، ولكن إن وقع قيد التنفيذ هل سيقبله الفلسطنيون؟

  • اليمن

تعرض البيت الأبيض والسعودية لضغوط شديدة بعد مقتل خاشقجي، حيث سحبت القوى الغربية دعمها من التحالف في محاولة لإثارة عدم رضاهم. وعلقت كل من ألمانيا والنرويج صادراتهما من الأسلحة إلى الرياض كما قرر مجلس الشيوخ الأمريكي إنهاء دعمه للصراع.

بناءً على قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2451 الصادر في ديسمبر 2018 ودعماً لاتفاق استوكهولم الذي تمخّض عن حوار الدولة اليمنية مع ميليشيا الحوثي في السويد، بدأ فريق المراقبين الدوليين التابع للأمم المتحدة ممارسة مهامه في اليمن، وذلك بعد 3 أيام من نيله ثقة مجلس الأمن الدولي من أجل تنفيذ اتفاق السويد بين الأطراف اليمنية.

ورغم دعم المجتمع الدولي لتنفيذ مخرجات اتفاق استوكهولم إلا أن هناك عدة نقاط قد تحدث خلاف قد يمنع أو على الأقل يعطل من تنفيذ أحكامه كالآتي:

  • هناك عدة نقاط في الاتفاقية مكتوبة بطريقة مفتوحة للتفسيرات من قبل الأطراف المتحاربة. منها: “إعادة الانتشار المتبادل للقوات من مدينة الحديدة وموانئ الحديدة وصليف ورأس عيسى”. وقد يتلاعب الحوثيون بتفسير هذا على أنه إزالة التواجد العسكري فقط وليس الانسحاب الكامل، في حين يعتقد الطرف الآخر أنه يجب على الحوثيين الانسحاب بالكامل.
  • ضيق الجدول الزمني للتنفيذ بشكل كبير، حيث تم الاتفاق على تسليم الموانئ إلى الشرطة خلال أسبوعين من الاتفاق (اي بنهاية عام 2018)، وإلى السلطات المحلية في غضون ثلاثة أسابيع وهو ما قد يصعب تنفيذه.
  • لم يتم حسم إمكانية إعادة فتح مطار صنعاء الدولي، وكذا إعادة توحيد البنك المركزي اليمني.

 

 

لواء أ.ح. سيد غنيم
زميل أكاديمية ناصر العسكرية العليا