رؤية تحليلية.. “كيف تفكر إسرائيل؟”

 أولاً: إستراتيجية إسرائيل الحالية في منطقة الشرق الأوسط:

عقب الثورات بالمنطقة العربية أرى أن إسرائيل تنتهج سياسات ومواقف تجاه الدول العربية والجوار الإقليمي مختلفاً إلى حد كبير عما هو متداول في إعلامنا، بمعنى أن مواقفها ليس مجرد مؤامرات ومكائد خالصة كما يتصور البعض، ولا أنها لا تهتم بما يحدث بداخل الدول العربية من منطلق أنها دول ضعيفة تنهار من نفسها ومن ثم لا تستحق الاهتمام بشؤونها.
 
بل أرى أن إسرائيل تنتهج إستراتيجيات قوية بعيدة المدى (خالية من القيم)، فهي من وجهة نظري تنظر لدول منطقتنا كالآتي:
 
1- إسرائيل تعتبر الشرق الأوسط جيرة صعبة، تنهار فيها النظم القومية حيث تنشأ بها قوميات (إصطناعية)، وهذه القوميات المزيفة من وجهة نظر إسرائيل في دول سوريا والعراق وليبيا ولبنان ودول أخرى ذات ظروف مشابهة، دول دأبت الضعف والتفكك تاركة فراغات خطرة تملأها الصراعات الطائفية والحروب الأهلية (ومن وجهة نظري، إسرائيل تعتبر الصانع الأول للخلاف الطائفي في منطقتنا).
 
2- إسرائيل ترى إيران “التهديد الأكبر من مكان أبعد”، وهذا لا يعني أن إيران يحكمها ملائكة لا يعبثوا باستقرار المنطقة، بل على العكس تماماً والشواهد كثيرة).. إلا أن إيران واقعياً تعتبر ما يمكن تسميته عسكرياً (أكبر تجميع/ أكبر تهديد) حالي على إسرائيل، وليس أي دولة من الدول العربية أو دول الجوار هي من تمثل تهديد على اسرائيل، كما أن جماعة حزب الله (الوكيل العسكري الإيراني) تعتبر التهديد الأقرب، ومن ثم يمكن تسميتها عسكرياً (أخطر تهديد)، وهو ما قد يخالف إدعاءات بعض المحللين أن هناك تمثيلية إسرائيلية/ إيرانية دائرة حالياً وأن إيران لا تمثل أي تهديد على إسرائيل، فمن أهم أهداف إسرائيل الأمنية أن تكون القوة النووية الأوحد والقوة الإقليمية الأكبر من موريتانيا حتى إيران.
 
3- نظراً لأن سوريا والعراق يمثلا الجانب الأيمن والقلب الأهم للهلال الشيعي (مع تواجد قوات موالية لإيران بهما)، فمن ثم فإن تماسك العراق وسوريا يعد تهديداً مباشراً وخطيراً على أهداف إسرائيل.
 
4- إسرائيل تحاول تجنب التدخل دبلوماسياً أو عسكرياً في النزاعات العربية الداخلية تجنباً للمخاطر وتركيزاً في مشكلتها الداخلية مع الفلسطينيين وكذا تركيزاً في تطورها التكنولوجي الهائل، إلا أنها تتدخل فوراً فيما يهدد مصالحها كما تفعل في سوريا وربما قريباً في العراق.
 
5- مصر والأردن في علاقات سلمية محسوبة مع إسرائيل، وهناك تنسيقات دائمة بشأن تأمين الحدود بينها من جانب وبشأن القضية الفلسطينية من جانب آخر.
 
6- تأزمت علاقات إسرائيل مع تركيا مؤخراً بسبب دعم إسرائيل للأكراد والذي يهدد الأمن القومي التركي، إلا أن البلدين في حاجة إلى بعضهما لاعتبارات جيوسياسية هامة.
 
7- منذ ثمان سنوات ترى إسرائيل منطقتنا العربية في أربع معسكرات طائفية وهي:
 
– المحور الشيعي الإيراني.
– المحور الإخواني.
– المحور الجهادي العالَمي (التنظيمات الإرهابية كداعش وغيره).
– المحور السني العربي (ويتضمن في الأساس دول الخليج، بالإضافة إلى مصر والأردن).
 
وترى إسرائيل نفسها مع المحور السني العربي في قارب واحد في مواجهة عدو رئيسي وهو إيران والتنظيمات الشيعية، وترى ضرورة انضمام الولايات المتحدة لهما ضد إيران.
ليس هناك شك في أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يُعد من المؤيدين الرئيسيين لسياسات إسرائيل التي تعارضت مراراً مع سياسات الولايات المتحدة وأهدافها الاستراتيجية في الشرق الأوسط. فسوف يؤدي خروج ترامب من السلطة لأي سبب في هذا الوقت إلى إلحاق أضرار جسيمة بأهداف إسرائيل وبعض القوى الأخرى في المنطقة. وفي تقديري، رغم أن الشرق الأوسط لا يسير حاليًا على المسار الصحيح ، فإن استبدال الرئيس الأمريكي ترامب بالرئيس السادس والأربعين سيزيد من عدم الاستقرار في المنطقة.

ثانيا: تخطيط إسرائيل المستقبلي، استثماراً لما حققته خلال ثمانية أعوام سابقة:

1- وضع إستراتيجية دقيقة تتضمن منظومة أكثر تطوراً للضغط على إيران وحلفائها لاستبدال الإتفاقية النووية الإيرانية المبرمة في يونيو 2015 باتفاق يعالج عيوبها من وجهة نظر إسرائيل، ويمكن من إحكام تقويض القدرات النووية الإيرانية من جانب ويحقق مزايا أفضل لإسرائيل من جانب آخر، وربما يتأتى ذلك بإعادة بناء الإتفاقية النووية الإيرانية بالكامل من جديد.
 
2- لبناء عمق إستراتيجي شرقي في سوريا يضمن حماية الأمن القومي الإسرائيلي، قد تعمل إسرائيل على تعميق العلاقات مع روسيا في مختلف المجالات (التنويع والانفتاح).
3- التخطيط لزيادة التحالفات الإسرائيلية على الصعيدين الإقليمي والدولي (سواء المعلنة أو غير المعلنة) في كافة أرجاء المنطقة وحتى وسط آسيا والبلقان.
 
4- تطوير الإنتاج والصادرات الدفاعية الإسرائيلية، مع التركيز على التكنولوجيا السيبرانية المتطورة.
 
5- التخطيط لتوفير البيئة اللازمة لتحويل كافة الأهداف والمساعي والجهود الأمريكية وجهود الدول العربية الحليفة لإجهاض تام لفكرة حل الدولتين وإقامة دولة فلسطينية معترف بها دولياً.
 
6- التخطيط لخلق بيئة مناسبة لتحفيز أكبر عدد ممكن من دول العالم للاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل بعد اعتراف الولايات المتحدة وباراجواي وجواتيمالا بذلك.
 
7- التخطيط بالتنسيق مع اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة، لتحسين العلاقات بين إسرائيل والحزب الديمقراطي الأمريكي، وبما يدعم الإستراتيجية الإسرائيلية في الشرق الأوسط وأفريقيا.. فاستمرار ترمب حتى إنهاء فترة رئاسية ثانية أمر غير مضمون.
 
8- عمل التدابير والإجراءات اللازمة بشكل فوري لضمان استقرار الأوضاع لأطول فترة ممكنة في قطاع غزة، وبما يمنع حدوث أزمة إنسانية شديدة بالقطاع تكون إسرائيل المتضرر الأكبر منها. الأمر الذي قد يتطلب زيادة تعزيز العلاقات مع مصر والأردن، مع تقليص متزايد لأدوار تركيا وربما قطر، مقابل دور أكبر لدول المقاطعة الخليجية في غزة.
 
9- تعزيز التعاون الأمني ​​ومكافحة الإرهاب (طبقاً لوجهة نظر إسرائيل) سواء ضد تنظيم حماس أو التنطيمات التكفيرية المناوءة، كأساس للتعاون الاستراتيجي في المنطقة وأوروبا.
 
ســــيد غنيــــم
زميل أكاديمية ناصر العسكرية العليا
رئيس مركز دراسات شؤون الأمن العالمي والدفاع (IGSDA-Online)