الإنسحاب الأمريكي وتنافس القوى في سوريا

رغم أن قرار الانسحاب الأمريكي يبدو أنه قد جاء في صالح دول تحالف سوتشي (أستانا) والذي يضم روسيا وتركيا وإيران، إلا أنه ربما أحدث به خللاً بسبب بدء الخلافات بينها في بعض الأمور الهامة. فقد خلف القرار الأمريكي بالانسحاب من سوريا تنافس شديد بين دوله.

ويبدو أن محاولات دول سوتشي لرسم خريطة جديدة على الأرض بدأت تتعقد مع وجود فقد لوحت تركيا بسعيها للاستحواذ على منطقة شرق الفرات، بحجة منع تكوين منطقة نفوذ للأكراد فيها، غير أنها بدأت تصطدم بالتحالفات الدولية وعلى رأسها أمريكا وفرنسا، وتعهداتهم بالمحافظة على وضع حلفائهم الأكراد في الحرب ضد داعش، وكذلك رغبة الحكومة السورية مدعومة بمساندة روسية في السيطرة على المنطقة.

أهداف دول تحالف سوتشي في سوريا:

– روسيا: تسعى لكي تكون صاحبة النفوذ الأوحد في سوريا، وذلك بالعمل على تقوية الحكومة السورية في دمشق برئاسة بشار الأسد، واستعادة الأراضي لصالحه وتقويض كافة فئات المعارضة.

– إيران: تسعى لإيجاد صفة شرعية لوجودها في سوريا وبما يضمن نفوذها، فضلاً عن حماية مصالحها ضمن تحالف دولي يحقق أهدافها.

– تركيا: تسعى للتخفيف من الآثار السلبية عليها وضمان عدم قيام دولة كردية تهدد حدودها وأمنها القومي وذلك بإدارة عمل عسكري يحقق ذلك، فضلاً عن سعيها لتحقيق مزيد من النفوذ في سوريا. ولذلك ترى تركيا أن التنسيق مع إيران يفيدها كثيراً.

الوضع بعد قرار إنسحاب القوات الأمريكية من سوريا:

ضعف موقف الأكراد:

أدى الانسحاب الأمريكي من سوريا لتزايد احتياج الأكراد للتعاون مع حليف آخر يحمي تواجدها، فكان التقارب الكردي السوري بدعم روسي، حيث طالب الأكراد دمشق بدخول قوات الحكومة السورية لمنطقتهم مع تزايد تهديدات أنقرة. ورغم الاعتراضات الأمريكية على هذا التقارب، إلا أن واشنطن ترى أنه يحجم مساعي تركيا لفرض نفوذها على شرق سوريا، بعد تسليمها منطقة إدلب بشمال غرب سوريا إلى جبهة النصرة.

ضعف الموقف التركي:

رغم الترحيب التركي بقرار الانسحاب الأمريكي، إلا أنه بعد فترة من القرار، صار وضع أنقرة التفاوضي أضعف، خاصة بعد زيادة الضغوط لإخراج تركيا وإيران من سوريا، وهو ما يفسر تزايد احتمال التقارب بين أنقرة ودمشق، وربما طلبها المباشر بإعادة تفعيل اتفاق أضنة وعودة العلاقات مع بشار الأسد، وذلك بمباركة روسية، وفتح قنوات حوار مع الأكراد عبر أربيل العراق.

التدخل العسكري الإسرائيلي ضد إيران وتزايد التنافس الروسي الإيراني في سوريا:

تواجه أيران ضربات عسكرية إسرائيلية في سوريا، حيث تستهدف القوات الإسرائيلية الأهداف العسكرية الإيرانية والميليشيات التابعة لها داخل سوريا، والذي أطنه يتم بتنسيق مع روسيا أو على الأقل بعلمها. فروسيا لم تخفي استراتيجيتها بأنها تفضل التنسيق مع إسرائيل مقارنة بحرصها على تحالفها مع إيران في سوريا، فموسكو تسمح لتل أبيب بفتح الأجواء السورية التي تحميها منظومة الدفاع الروسية أمام إسرائيل، طالما كان أهدافها إيران أو الميلشيات التابعة لها.

عقب الانسحاب الأمريكي تعمل روسيا لإتمام الانفراد بالساحة السورية، ولكي تحقق ذلك لابد أن تحجم دور إيران. فروسيا ترفض أي نفوذ لأي دولة في سوريا، سواء كانت إيران أو غيرها، إلا من خلالها.

منذ عام تقريباً دبت خلافات بين موسكو وطهران، لكن الانشغال بالمعارك سواء في مواجهة الفصائل المسلحة أو وجود القوات الدولية بقيادة الولايات المتحدة، ربما كان يخفي هذا الخلاف.

لا شك أن تغيير الوضع الحالي بعد القرار الأمريكي بالانسحاب من سوريا سوف يدفع الخلافات بين موسكو وطهران للخروج للسطح في الفترة المقبلة، وهو ما ظهر من خلال التعاون الروسي الإسرائيلي، والذي نتج عنه توجيه عدة ضربات لتمركزات القوات الإيرانية وحلفائها في سوريا، وأيضا سعى موسكو لتقوية الجيش السوري، خاصة “الفيلق الخامس”، ليحل بدلا من المليشيات الإيرانية. وطهران تدرك هذا الأمر، وهو ما يفسر قيامها بتوقيع عدة اتفاقيات اقتصادية مع دمشق، حتى تضمن استمرار نفوذها، إذا ما اضطرت إلى الانسحاب من سوريا.

وكانت اشتباكات قد اندلعت نهاية يناير الماضي بين “الفرقة الرابعة” التي يقودها ماهر الأسد وتدعمها إيران، وبين “الفيلق الخامس” وقوات “النمر” التي يقودها العقيد سهيل الحسين وتدعمها روسيا، وذلك بسبب صراع نفوذ بينها على عدد من المناطق في وسط سوريا.

إن الخلاف بين موسكو وطهران، في محاولة إيران لتقاسم النفوذ مع موسكو في سوريا، أكثر من خلافها مع تركيا، خاصة أن موسكو ستعتمد على خلافات حكومة دمشق مع حكومة أنقرة للقيام بهذه المهمة، وهو على خلاف الوضع بين دمشق وطهران الذي يعتبر تحالف استراتيجي قوي مشترك المصالح والأهداف.

مصير اللاجئين السوريين وخلايا داعش:

أظن أن قضية اللاجئين هي الأهم بالنسبة للحكومة السورية، وأرى أن الفرصة قد حانت لبشار الأسد لدعم موقفه مع أوروبا.. ففي حالة تحركه وعمله على تهيئة الظروف داخلياً لإعادة اللاجئين لبلاده سوف يزيد من مصداقيته دوليا وأوروبياً وعربياً. أما بالنسبة لتنظيم داعش في سوريا، فهزيمته ميدانيا بمثابة وضع نهاية له في سوريا عملياتياً، وعلى أي حال سيعمل التنظيم على تعويض خسارته بالقيام بعمليات إرهابية ولو منفردة، فضلاً عن قيامه بتنشيط الخلايا النائمة له من آن لآخر.

مستقبل سوريا:

أظن أن عودة الاستقرار كسابق عهده في سوريا، بعد 8 سنوات من الصراع الذي خلف أكثر من نصف مليون قتيل، أمر صعب توقعه. وعلى الرغم أن البحث عن حل في سوريا أمراً ما يزال قائماً، إلا أن الاختلاف يكمن في كيفية هذا الحل.

السيناريو الأول: وقف التعاون التركي الروسي، وتدفق مزيد اللاجئين السوريين إلى تركيا وأوروبا، وإحداث أزمة في العلاقة الأوروبية الروسية:

وذلك نتيجة لقيام قوات الجيش العربي السوري بالهجوم على “إدلب” بمساعدة القوات الجوية الروسية والميليشيات الإيرانية، حيث أن موسكو ودمشق يسعيان للتنسيق في هذا الملف، ولكن لن تتحمل موسكو ضغط دمشق لتنفيذ الهجوم. وذريعة موسكو لتبرير الهجوم هي “عجز تركيا عن تنفيذ اتفاق سوتشي، وسيطرة المتطرفين على القسم الأكبر من إدلب”. ولا يستبعد في هذا السيناريو إمكانية استخدام الأسلحة الكيميائية، وما قد ينجم عنها من إجراءات عسكرية للولايات المتحدة وحلفائها ضد الجيش السوري كما حدث من قبل.

السيناريو الثاني: إصرار سوريا على دعم الأكراد ضد تركيا:

مع الانسحاب الأمريكي واستمرار تركيا في عمليتها العسكرية ضد قوات وحدات “حماية الشعب” الكردية في الشمال السوري، قد ينجح الأكراد في مساعيهم لعقد اتفاق مع دمشق والذي قد يضمن دفاع سوريا عن الأكراد، مما سيؤدي إلى الاصطدام التركي السوري، وهذا سيولد أزمة خطيرة بين روسيا وتركيا، والذي قد يمتد ليفرض توترات جديدة بين روسيا والغرب.

قد يؤدي التطور الحاد في المواجهة التركية/ السورية/ الكردية إلى موجة جديدة من الأعمال الإرهابية في كل من سورية وتركيا.

السيناريو الثالث: انهيار تحالف سوتشي (أستانا) وتصاعد العنف في سوريا:

ارتباطاً ببدأ التنافس غير المعلن بين روسيا وإيران في سوريا في التأثير على دمشق، وقد ظهر ذلك من خلال الاشتباكات بين الفئات الموالية للبلدين، ستشعر ايران بالعزلة وهذا سيؤدي الى تشدد مواقفها حيال سوريا ومنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بشكل عام، وبالتالي إلى انهيار تحالف أستانا وعودة وتصاعد العنف إلى سوريا.

السيناريو الرابع (الأشد خطورة): قيام الولايات المتحدة بشن ضربة عسكرية ضد إيران:

مع إصرار الولايات المتحدة على تطبيق عقوباتها على إيران ومنعها من بيع النفط، وربما ترد إيران بعمل عدائي صعب احتماله كغلق مضيق هرمز من جانب.

ومع استمرار إسرائيل في ضرب القوات الإيرانية، ونظراً لأن الاتفاق في الجنوب السوري لم يعد مجدياً (حيث تقترب القوات التي تدعمها إيران من مرتفعات الجولان المُحتل، وأصبحت على تماس مع القوات الإسرائيلية، مما سيؤدي الى تصاعد الهجمات الإسرائيلية، واحتمال عودة نشاط حزب الله الى الحدود الشمالية مع إسرائيل) من جانب آخر.

قد تقوم الولايات المتحدة بشن هجوم جوي على إيران في استهداف مباشر لأهداف إستراتيجية إيرانية وبما يدعم أيضاً الهجمات الإسرائيلية ضد العناصر الإيرانية في الداخل السوري، الأمر الذي سيؤدي بالمقابل إلى قيام عناصر “حزب الله” بالهجوم على إسرائيل، وضمن هذه التطورات سيزداد الموقف الروسي إحراجاً وصعوبة.

لواء أ.ح. ســــيد غنــــيم
زميل أكاديمية ناصر العسكرية العليا
رئيس مركز دراسات شؤون الأمن العالمي والدفاع – أونلاين

www.igsda.org