تركيا.. والتنقيب عن الغاز شرق المتوسط

تركيا.. وغاز شرق المتوسط

04-May-2019

مقدمة:

استهدف إعادة ترسيم الحدود البحرية شرق المتوسط والتي قامت بها مصر واليونان وقبرص تحديد تبعية مصادر الطاقة خاصة الغاز الطبيعي بتلك المنطقة، وهو الأمر الذي أزعج تركيا حيث تعتبر أن دول الجوار البحري (اليونان وقبرص) قد تجاهلا حقها في هذا الشأن، فضلاً عن أن تركيا لا ترى قبرص دولة كاملة بدون من أسمتهم (القبارصة الأتراك)، في الوقت الذي تعترف كل من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي بقبرص دولة مستقلة لها سيادتها تمثلها الحكومة الحالية في نيقوسيا.. ومن هنا بدأت قبرص في التنقيب عن الموارد الطبيعية في مياهها الاقتصادية.

إتفاقيات غاز شرق المتوسط:

فضلاً عن الاتفاقية المصرية القبرصية لترسيم الحدود البحرية وتقاسم الموارد عام 2013، إتفق كل من إيطاليا واليونان وقبرص وإسرائيل على مشروع “شرق المتوسط” والذي ينص على بناء خطّ أنابيب غاز من الحقول المكتشفة حديثاً لينقل خط الأنابيب الذي سيمتد على أكثر من 2000 كيلومتر في حوض شرق المتوسط إلى اليونان وإيطاليا.. وقد وقعت قبرص واليونان أيضاً اتفاقاً منفصلاً مع إسرائيل لنقل احتياطات الغاز الطبيعي في حوض المتوسط عبر خطّ أنابيب تحت الماء من حوض “لوياثان” الإسرائيلي و “بلوك 12 – إفروديت” القبرصي إلى جزيرة كريت اليونانية، ثم إلى أوروبا.. على أن تقوم مصر بتسييل الغاز قبل تصديره لأوروبا.

منتدى غاز شرق المتوسط:

استضافت القاهرة يوم الإثنين الموافق 14 يناير 2019 اجتماعا دولياً بمشاركة إسرائيلية، أُعلن فيه عن توافق لإنشاء “منتدى غاز شرق المتوسط (East Mediterranean Gas Forum – EMGF)، تكون القاهرة مقرا له.

ويشكل “منتدى غاز شرق المتوسط” فرصة للدول المتوسطية لتحقيق تعاون أكبر يعود بالنفع عليها، خصوصا مع وجود احتياطات كبيرة من الغاز في هذا الإقليم، التي تقدر بنحو 122 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي.

وأعلن وزراء الطاقة في 7 دول، من بينها مصر، إنشاء المنتدى الاقتصادي، على أن يكون مقره العاصمة المصرية، القاهرة. والدول المشاركة في إنشاء المنتدى بالإضافة إلى مصر هي: إيطاليا، واليونان، وقبرص، والأردن، وإسرائيل، وفلسطين، على أن تكون العضوية مفتوحة لمن يرغب بذلك.

وذكرت وزارة البترول المصرية في بيان بعنوان “إعلان القاهرة لإنشاء منتدى غاز شرق المتوسط” أنه في وسع أي من دول شرق البحر المتوسط المنتجة أو المستهلكة للغاز، أو دول العبور ممن يتفقون مع المنتدى في المصالح والأهداف، الانضمام إلى المنتدى لاحقا، وذلك بعد استيفاء إجراءات العضوية اللازمة.

وتحدد هدف المنتدى الرئيسي على أنه “العمل على إنشاء سوق غاز إقليمية تخدم مصالح الأعضاء من خلال تأمين العرض والطلب، وتنمية الموارد على الوجه الأمثل وترشيد تكلفة البنية التحتية، وتقديم أسعار تنافسية، وتحسين العلاقات التجارية”.

ويستهدف المؤسسون لهذا المنتدى إلى “إنشاء منظمة دولية تحترم حقوق الأعضاء بشأن مواردها الطبيعية بما يتفق ومبادئ القانون الدولي، وتدعم جهودهم في الاستفادة من احتياطاتهم واستخدام البنية التحتية وبناء بنية جديدة، وذلك بهدف تأمين احتياجاتهم من الطاقة لصالح رفاهية شعوبهم”.

وطلب الوزراء، بحسب نص الإعلان، من كبار المسؤولين في الدول السبع “بدء محادثات رسمية حول هيكل المنتدى”، وعرض اقتراحاتهم بهذا الصدد على الاجتماع الوزاري المقبل المقرر عقده في أبريل 2019.

أهداف المنتدى:

  1. العمل على إنشاء سوق غاز إقليمي يخدم مصالح الأعضاء، من خلال تأمين العرض والطلب، وتنمية الموارد على الوجه الأمثل وترشيد تكلفة البنية التحتية، وتقديم أسعار تنافسية، وتحسين العلاقات التجارية.
  2. ضمان تأمين العرض والطلب للأعضاء، مع العمل على تنمية الموارد على الوجه الأمثل، والاستخدام الكفء للبنية التحتية القائمة والجديدة مع تقديم أسعار تنافسية، وتحسين العلاقات التجارية.
  3. تعزيز التعاون من خلال خلق حوار منهجي منظم وصياغة سياسات إقليمية مشتركة بشأن الغاز الطبيعي، بما في ذلك سياسات الغاز الإقليمية.
  4. تعميق الوعي بالاعتماد المتبادل والفوائد التي يمكن أن تجنى من التعاون والحوار فيما بين الأعضاء، بما يتفق ومبادئ القانون الدولي.
  5. دعم الأعضاء أصحاب الاحتياطات الغازية والمنتجين الحاليين في المنطقة في جهودهم الرامية إلى الاستفادة من احتياطاتهم الحالية والمستقبلية، من خلال تعزيز التعاون فيما بينهم ومع أطراف الاستهلاك والعبور في المنطقة، والاستفادة من البنية التحتية الحالية، وتطوير المزيد من خيارات البنية التحتية لاستيعاب الاكتشافات الحالية والمستقبلية.
  6. مساعدة الدول المستهلكة في تأمين احتياجاتها وإتاحة مشاركتهم مع دول العبور في وضع سياسات الغاز في المنطقة، مما يتيح إقامة شراكة مستدامة بين الأطراف الفاعلة في كافة مراحل صناعة الغاز.
  7. ضمان الاستدامة ومراعاة الاعتبارات البيئية في اكتشافات الغاز وإنتاجه ونقله، وفي بناء البنية الأساسية، بالإضافة إلى الارتقاء بالتكامل في مجال الغاز، ومع مصادر الطاقة الأخرى خاصة الطاقة المتجددة وشبكات الكهرباء.

تركيا وقبرص واليونان، واحتمالات المواجهة:

في 20 نوفمبر 2017، قام الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي بحضور اجتماع قمة (مصري يوناني قبرصي) في نيقوسيا لمناقشة موارد الطاقة وتحديداً الغاز في المنطقة، والذي اعتبرت أنقرة نتائجه “لاغية وباطلة”.. على صعيد آخر أجرت قبرص وإسرائيل واليونان ثلاثة تدريبات بحرية مشتركة في مارس ويونيو ونوفمبر عام 2017، كما أجرت أيضاً في نوفمبر 2017 اليونان ومصر تدريب بحريّ مشترك.

ورداً على ذلك، تحركت أنقرة وقامت بإصدار “تلكس ملاحيّ” لتخصيص منطقة للتدريبات العسكرية التركية. وتشمل هذه المنطقة البلوكات (6، 7، 8، 9) المتنازع عليها التي أعلنتها قبرص منطقتها الاقتصادية الحصرية.. وقد أبقى الجيش التركي قطع بحرية (فرقاطتين وسفينة مدفعية وفرقة ضفادع بشرية وسفينة نقل وقود) في شرق المتوسط، وذلك بعد إنتهاء تدريبات المجموعة البحرية الدائمة التابعة لحلف الناتو الفترة من 7 إلى 16 نوفمبر 2017، بمهمة تأمين سفينة تركيا الأولى الجديدة “ديبسي مترو 2” والمخصّصة للحفر والمنتظر إبحارها قريباً للتنقيب عن الغاز في البلوك السادس المتنازع عليه.

بترتيبات وتنسيق مُسبق، أبحرت سفينة الحفر القبرصية “سايبم 12000” لتنفيذ عمليات تنقيب وحفر بمنطقة “كاليبسو” بالبلوك السادس داخل المنطقة الاقتصادية القبرصية شرق المتوسط، وقد قامت أنقرة بإرسال قطع بحرية لمراقبة “سايبم 12000” قبالة قبرص بالفعل.. ومن ثم أتوقع حدوث مواجهة بين الحفارين مما قد يوجد نزاع بحري شرق المتوسط ربما يتطور للأسوأ.

أطراف النزاع على الغاز شرق المتوسط:

لتحديد أطراف النزاع المباشر على الغاز شرق المتوسط  وجب أولاً توضيح حدود المياه الإقتصادية لدول شرق المتوسط بشكل أكثر تفصيلاً كالاتي:

الخريطة الأولى والموضوح عليه (عَلَم تركيا) توضح الترسيم التركي للحدود البحرية وهو غير مُعترف به دولياً.. فنجد بلوكات التنقيب على الغاز التركية باللون الأزرق، وبلوكات التنقيب عن الغاز القبرصية باللون الأحمر، أما البلوكات المتنازع عليها (طبقاً لوجهة نظر تركيا) فباللون البنفسجي.. وتشير تلك الخريطة الصادرة حديثاً إلى سبق قيام البحرية التركية يوم 23 فبراير 2018 باعتراض سفينة حفر إيطالية الجنسية والتي تنقب لصالح قبرص في بلوك رقم (3) القبرصي.

ومؤخراً تقوم تركيا بالتنقيب عن الغاز غرب قبرص وأظنه بالبلوك رقم (1)، واللذان تعتبرهما تركيا داخل مياهها الإقتصادية، مع الوضع في الاعتبار أن تركيا تعتبر منطقة قبرص التركية المحتلة أراضي تركية وتسمي أهلها قبارصة تركيا، والمقابل تنعت باقي السكان بقبارصة اليونان.

وكما هو واضح، فإن النزاع على الغاز شرق المتوسط في الأساس نزاع تركي/ قبرصي ونزاع تركي/ يوناني، أما مصر فليست طرف في هذا النزاع ولا يخصها بشيئ، وذلك ارتباطاً بالترسيم التركي نفسه ولو أنه غير معترف به دولياً.

ولتوضيح ذلك بصورة أفضل، عليك تحديد المناطق المتنازع عليها في الخريطة الأولى والتي تعرض الفرضية التركية، وستجدها جميعاً لا تمس حدود المياه الإقتصادية المصرية والمودع ترسيمها بالأمم المتحدة، وكما هو واضح أيضاً بالخريطة الثانية والتي توضح الترسيم المصري القبرصي للحدود البحرية، وطبقاً لما هو متفق عليه دولياً ومودع بالأمم المتحدة.

الــــرأي:

أولاً: الموقف التركي:

  • يسعى أردوجان لتأكيد حق بلاده في ثروات الغاز شرق المتوسط بكل السبل بعيداً عن اللجوء للمحاكم الدولية للآتي (وهو رأي د. محمد سمير علام، الباحث في القانون الدولي):
  • يجب أن نشير بأن القضاء الدولي (المتمثل في : المحكمة الدولية لقانون البحار ، ومحكمة العدل الدولية) المختص بالنزاعات البحرية تكون ذو ولاية اختيارية أي يلزم موافقة الطرفين للجوء للمحكمة ( المادة ١/٢٦ من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية) ، فاذا ذهب الطرفين بإرادتها المنفردة إلى القضاء الدولي المبين أعلاه، أصبحت الولاية جبرية أي ملزمة لطرفي النزاع وأصبح الحكم نهائياً غير قابل للطعن وبالتالي الطرف التركي سوف يرفض التسوية القضائية لانة الطرف الضعيف قانونيا للأسباب الآتية:

أولاً/ إيداع اتفاقية تعيين الحدود البحرية (المصرية/ اليونانية/ القبرصية) في الأمم المتحدة وهو ما يمثل سند دولي وحجة قانونية للقبرصيين.

ثانياً/ أن لجوء تركيا للتسوية القضائية مع قبرص يمثل اعتراف تركي رسمي أمام المجتمع الدولي بالدولة القبرصية (لاتعترف تركيا بان قبرص دولة بل جزيرة متنازع عليها).

  • إجراءات إردوجان المحتملة:

لا شك أن إردوجان يواجه ضغوطاً سياسية واقتصادية في الداخل وضغوطاً دبلوماسية شديدة في الخارج حيث ساءت علاقاته مع كافة دول الجوار الإقليمي ومعظم دول الاتحاد الأوروبي والناتو والولايات المتحدة، حيث يستمر إردوجان في ممارساته السياسية والأمنية في سوريا وغزة والقرن الإفريقي في الصومال وشمالاً في السودان وتشاد وليبيا والبلقان، باذلاً جهوده المستمرة لتوسيع نفوذه ودعم تنظيم الإخوان المسلمين في تلك المناطق، بالتعاون مع قطر أحياناً وإيران أحياناً أخرى وحسب كل منطقة.

من المحتمل استمرار إردوجان في العمل بمبدأ (الأمر الواقع) وذلك باستمرار سفينة “الفاتح” في أعمال التنقيب شرق المتوسط في المناطق التي تعتبرها ضمن مياهها الاقتصادية وتثير النزاع مع قبرص.

قد يقوم إردوجان بتنفيذ مناورات سياسية وقانونية مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وذلك من خلال مفاوضات موسعة، قد تصل للمقايضة بدوره شديد الأهمية في الناتو.

قد يعمل إردوجان على استخدام أوراق ضغط موازية على الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والناتو وذلك ربما زيادة علاقاته السياسية بروسيا ودعم توسعها في البحر المتوسط، وأيضاً استغلال العمالة التركية بألمانيا قاطرة اقتصاد أوروبا والتي تعمل في (الوظائف الدنيا)، والتي تعتبر شديدة الولاء لأردوجان وتمثل ورقة ضغط داخلية ذات تأثير لا يستهان به على القرار الألماني.

ثانياً: الموقف القبرصي المدعوم من اليونان:

  • ارتباطاً بالبعد القانوني الدولي والذي أشار له د. محمد سمير علام الباحث في القانون الدولي، تحتاج الدولة القبرصية لبضع محاور علي الصعيد الدولي والدبلوماسي بديلاً عن القضاء الدولي، أبرزها الإلتجاء إلى المنظمات الدولية باعتبار أن النزاع القائم يهدد السلم والأمن الدوليين (مثل مجلس الامن، الاتحاد الاوروبي)، بغية مطابقة الأوراق الثبوتية للملف القبرصي بالمعايير الدولية لتعيين الحدود المنصوص عليها في اتفاقية قانون البحار لعام ١٩٨٢، وبناء عليه إذا ما انتهى مجلس الأمن إلى تكييف ما عرض علية من انتهاكات تركية تمثل تهديدا للسلم أو الإخلال بهما خاصة أن مصر وقبرص واليونان أطراف في اتفاقية قانون البحار لعام ١٩٨٢، بينما تركيا ليست طرف في الاتفاقية، يتخذ مجلس الأمن العقوبات غير العسكرية (المادة ٤١ من ميثاق الامم المتحدة) ضد الطرف التركي كوقف الصلات الاقتصادية وغيرها من وسائل المواصلات جزئياً أو كلياً، هذا من جانب. أو أن يقوم الاتحاد الأوروبي بفرض عقوبات علي الجانب التركي بعد التأكد من خرق تركيا للقواعد الدولية وفقا للادلة الثبوتية المقدمة من الجانب القبرصي، وذلك عبر التصويت بنظام وزن الأصوات.

ثالثاً: الموقف المصري:

تحذيرات مصر لتركيا ليس لأن تركيا تتعدى على المياه الإقليمية أو حتى المياه الإقتصادية المصرية شرق المتوسط، فتركيا تنقب عن الغاز خارج كافة الحدود والمياه الإقتصادية المصرية. وقد يكون السبب في إطار الآتي:

  • إصرار مصر على القيام بإجراء دبلوماسي تحذيري يسبق إجراءات أخرى قد تليها بصورة أكثر إيجابية على الصعيد الدبلوماسي أيضاً، من منطلق أن مصر ضمن دول منتدى غاز شرق المتوسط، وأن تركيا ليست ضمن دوله وأنها تخالف القانون الدولي وبنود إتفاقيات المنتدى.
  • أن مصر تعظم دورها الإقليمي المتنامي في تحذير تركيا من أن تنتهك القوانين الدولية بشأن ترسيم الحدود المائية لدول شرق المتوسط بشكل عام، وذلك ارتباطاً باتفاقية الغاز وترسيم الحدود البحرية والموارد الإقتصادية شرق المتوسط بين مصر واليونان وقبرص والمصدق عليها ومودعة بالأمم المتحدة.
  • زيادة الضغوط على تركيا والتي جاري ممارستها حالياً ضدها من مصر وبعض الدول الخليجية، فضلاً عن ضغوط الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي عليها.

أظن أن مصر الآن تتحرك من زاوية الفعل وليس رد الفعل للضغط على تركيا من كافة الاتجاهات في إطار الصراع السياسي غير المسلح بين البلدين ومحوره دور الإخوان المسلمين في المنطقة، وأتوقع مردود إقليمي اوروبي ودولي داعم في نفس الإتجاه.

لواء أ.ح. ســــيد غنــــيم
زميل أكاديمية ناصر العسكرية العليا
رئيس مركز دراسات شؤون الأمن العالمي والدفاع – أونلاين
www.igsda.org