هل تلجأ الولايات المتحدة للسيناريو الأبعد احتمالاً والأكثر خطورة؟

10-May-2019

بإلقاء “نظرة داخل استراتيجية الأمن القومي الإسرائيلي”، سنجد وزير الدفاع ورئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق “موشي يعلون” والشهير بـ(بوجي) قد ألقى محاضرة لمدة 20 دقيقة أمام منتدى سياسي في معهد واشنطن في 15 سبتمبر 2016 تحمل نفس العنوان، علما بأنه قد تقاعد قبل أربع أشهر فقط من إلقاءه المحاضرة، وأن دونالد ترمب قد تم تنصيبه رئيساً للولايات المتحدة بعد أربع أشهر منها.

وخلال محاضرته التي توضح الملامح الرئيسية لإستراتيجية الأمن القومي الإسرائيلي ومستجداتها، نجد “موشي يعلون” قد أشار لعدة نقاط ومن أهمها ما قاله التالي:

“على الرغم من التهديدات الحالية، فإن الزلزال الجغرافي السياسي خلق فرصًا لإسرائيل. فنجد حالياً أن الشرق الأوسط ينقسم إلى أربعة معسكرات كبيرة وهي (- المعسكر الشيعي في إيران، بما في ذلك نظام الأسد وحزب الله والحوثيون في اليمن. – معسكر الإخوان المسلمين، بقيادة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ، ولكن يشمل أيضاً عناصر في مصر وحماس. – المعسكر الجهادي العالمي، بما في ذلك الدولة الإسلامية والقاعدة. – المعسكر السني العربي، الذي يضم المملكة العربية السعودية ومصر والأردن وقطر والإمارات العربية المتحدة وغيرها.”

واستكمل قائلاً “تشترك إسرائيل والمعسكر العربي السني في العديد من الخصوم المشتركين، وعلى الرغم من أن تعاونهما قوي بالفعل (وإن كان هادئًا)، إلا أنه من مصلحتهما المشتركة زيادته أكثر.”

وأضاف “يجب أن تنضم الولايات المتحدة إلى إسرائيل في التحالف علنًا مع معسكر العرب السنة.” انتهى الاقتباس.

وبعد حوالي عامين أو أكثر تبدأ الولايات المتحدة في إجراءات الانسحاب من الاتفاقية النووية الإيرانية وفرض عقوبات شديدة على إيران الدولة المارقة أهمها حرمان إيران من تصدير النفط، وتصنف “الحرس الثوري الإيراني” تنظيماً إرهابياً، واليوم تقوم الولايات المتحدة بدفع وحدات بحرية وجوية إستراتيجية إلى منطقة الخليج العربي، وذلك ربما من أجل الآتي:

  • ردع إيران والقوى المنافسة وإثبات القوة.
  • تحسّباً لعدم الإنصياع للعقوبات الأمريكية.
  • تحسّباً لأي عمل عدائي إيراني.
  • إجبار إيران على موقف تفاوضي أضعف.
  • التدريب على نشر القوات التابعة للقيادة المركزية الأمريكية في مناطق عملها بالمحيط الهندي والخليج العربي.

أما عن ردود فعل إيران فأتوقع أن تكون في إطار احتمالين رئيسيين:

الاحتمال الأول، وربما يكون الإجراء الأكثر احتمالاً:

استمرار إيران في بيع النفط للصين ودول أخرى، مع انسحابها من التزامتها تجاه بنود الاتفاقية النووية المبرمة في يوليو 2015.

الاحتمال الثاني، قيام إيران بعمل عدائي:

حيث مع إصرار الولايات المتحدة على تطبيق عقوباتها على إيران ومنعها من بيع النفط من جانب، واستمرار إسرائيل في ضرب القوات الإيرانية في سوريا، ونظراً لأن الاتفاق في الجنوب السوري لم يعد مجدياً (حيث تقترب القوات التي تدعمها إيران من مرتفعات الجولان المُحتل، وأصبحت على تماس مع القوات الإسرائيلية، مما سيؤدي إلى تصاعد الهجمات الإسرائيلية، واحتمال عودة نشاط حزب الله الى الحدود الشمالية مع إسرائيل) من جانب آخر.. ربما تتحرك إيران لتنفيذ أحد العملين الآتيين أو كلاهما:

– تنفيذ ضربات صاروخية مباشرة ضد أي من السعودية أو الإمارات أو إسرائيل وربما ضد قواعد عسكرية أمريكية.

– غلق مضيق هرمز (الأمر الذي يعد الأصعب احتمالاً).

رغم أن الاحتمال الثاني بهذا السيناريو يعد الأبعد إلا أنه أيضاً الاحتمال الأكثر خطورة، وقد يقابله ما قد خططت له إسرائيل مسبقاً، والتي قسمت المنطقة إلى أربع معسكرات (معسكر الإخوان المسلمين، ومعسكر السلفيين الجهاديين الإرهابيين ومعسكر إيران الشيعي ومعسكر العرب السنة)، وطبقاً للإستراتيجية الإسرائيلية قيام معسكر العرب السنة وإسرائيل بالتعاون مع الولايات المتحدة بضرب العدو المشترك (المعسكر الإيراني الشيعي)، حيث من المحتمل قيام إسرائيل وبعض دول الخليج واحتمال قيام الولايات المتحدة بمعاونتهم في شن هجمات جوية وصاروخية ضد أهداف إستراتيجية إيرانية كمنصات الصواريخ والمحطات النووية غير السلمية وقيادات الحرس الثوري الإيراني، وبما يدعم أيضاً الهجمات الإسرائيلية الحالية ضد العناصر الإيرانية في الداخل السوري. إلا أن هذا الأمر سيتطلب موافقة الأمم المتحدة على استخدام عمل عسكري ضد إيران، وهو ما يصعب تحقيقه.

الأمر الذي سيؤدي بالمقابل إلى قيام عناصر “حزب الله” بالهجوم على إسرائيل، كما ستزيد إيران من دعمها للحوثيين في اليمن لتنشيط أعماله العسكرية في الجنوب، وضمن هذه التطورات سيزداد الموقف الروسي إحراجاً وصعوبة، إلا أن روسيا ستعمل بقوة على محاولة احتواء الموقف وتهدئته وبما يحفظ دورها ومكاسبها التي حققتها. على صعيد آخر قد تتحرك الصين سياسياً في محاولات لتهدئة الموقف، مع احتمال قيامها دعم الموقف الإيراني سياسياً.

وقد يترتب عن ذلك تزايد أسعار النفط بدرجة كبيرة، جديرٌ بالذكر أن الولايات المتحدة قد طالبت دول الخليج العمل على تخفيض أسعار البترول ارتباطاً بعواقب عقوباتها على إيران، من جانب آخر ستتأثر اقتصاديات دول الخليج والذي قد يشمل تداعيات اقتصادية أبعد تشمل المنطقة بالكامل. تحضر حالياً أهمية ميناء الدقم العماني الذي يمكنه استقبال النفط والبضائع الخليجية براً، ثم القيام بشحنها لتصديرها بحراً من خلال المحيط الهندي والبحر الأحمر والعكس بعيداً عن مضيق هرمز.

على أي حال، ليس من مصلحة الولايات المتحدة القيام بضربة عسكرية ضد إيران أو دعم أي تحركات في هذا الاتجاه، فلا الولايات المتحدة ولا المنطقة العربية مستعدة لتحمل تبعات أي حروب، خاصة تلك التي يشارك فيها بشكل مباشر قوى إقليمية ودولية، وأن الجميع أصبح متعب من الحروب الدائرة بالوكالة.. وعلى أي حال كل الاحتمالات واردة.

لواء أ.ح. ســــيد غنــــيم
زميل أكاديمية ناصر العسكرية العليا
رئيس مركز دراسات شؤون الأمن العالمي والدفاع – أونلاين
www.igsda.org