العملية الأمنية في سيناء.. بين المفاهيم العلمية والواقع

إرتباطاً بالأحداث الجارية في المنطقة والوضع في سيناء سأتحدث عن الصراعات والحروب متطرقاً للمفاهيم العلمية للصراعات والحروب وأجيال الحروب، وربطها بما يحدث في المنطقة من صراعات باختصار وفي سيناء بصورة أكثر تفصيلاً.

أولاً: مفاهيم الصراعات والحروب

الصــــراع:

ظاهرة اجتماعية تعكس حالة من عدم الارتياح أو الضغط النفسي الناتج عن عدم التوافق أو التعارض بين إرادتين أو أكثر.. وقد يكون صراع غير مسلح أو صراع مسلح والذي في حالة زيادة حدته بين دولتين يطلق عليه “الحرب التقليدية” وهي أحد نوعين معروفين للحرب.

الحــــرب:

أولاً: تعريفات الحرب السائدة بالأكاديميات العسكرية:

هي صراع مسلح بين دولتين أو أكثر من الدول غير المنسجمة، بهدف إعادة تنظيم الحدود الجغرافية السياسية وتحقيق أهداف سياسية محددة. ويرى آخرون أن الحرب حدث عنيف ينشب نتيجة لظروف اجتماعية وثقافية وبيئية معينة. أما الخبير العسكري البروسي “كارل فون كلاوزفيتز” في كتابه عن الحرب قال أن الحرب عمل يتسم بالعنف لهزيمة إرادة الخصم وإجباره على الخضوع لإرادة المُنتصر.

وأنواع الحروب الرئيسية إثنين هما:

النوع الأول من الحروب الرئيسية هو الحرب التقليدية ويطلق عليها مصطلح Conventional Warfare – CW:

وهي مواجهة عسكرية بين جيوش دولتين أو أكثر بأفرعها الرئيسية (برية – بحرية – جوية – دفاع جوي – ..) وعناصر التخصصية لتأمين قتالها.. وقد تُجرى الحرب على مسرح حرب واحد، أو على أكثر من مسارح الحرب المختلفة. وقد تكون الحرب التقليدية في صورة حرب عسكرية شاملة أو محدودة وقد تكون لـ”فرض الإرادة السياسية”، أو تكون “عقابية” والتي تنشب لتنفيذ قرار دولي صادر من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بمعاقبة حكومة دولة معينة عسكرياً (تنفيذ ما يسمى العقوبات العسكرية).

أما النوع الرئيسي الثاني من الحروب فهو الحرب غير التقليدية ويطلق عليها British expression: Unconventional Warfare (UW) – American expression: Irregular Warfare

وقد تنشب لدعم حركة تمرد أو مقاومة مدنية أو عسكرية محلية بدولة ضد حكومتها أو ضد قوة دولة تحتل أراضيها. في حين تستخدم الحرب التقليدية لعدة أهداف، منها تقليص القدرة العسكرية للخصم مباشرة من خلال الضربات والمناورات، فإن الحرب غير التقليدية هي محاولة لتحقيق النصر بقوات وبأشكال وصور وأساليب قتال شكل غير تقليدية. وتتناقض الحرب غير التقليدية مع الحرب التقليدية في نوعية القوات والتي غالباً ما تكون غير معلومة الحجم والتنظيم والتشكيل والتسليح وأساليب القتال وفي أساليب القتال وغيرها. ومن أهم أشكالها أسلوب حرب العصابات والتخريب.

وقد تكون في صورة حرب أهلية Civil War والتي تعد ضمن أحد أهم أنواع الصراعات الداخلية بالدول، ويطلق عليه صراع منخفض الحدة Low Intensity Conflict – LIC. وفي أحياناً كثيرة تنشب الحرب الأهلية بين أطراف يحاربون بعضهم البعض بشكل مباشر نيابة عن عن أطراف خارجية، وفي هذه الحالة تكون حرب بالوكالة Proxy War، ويتم فيها استعانة دولتين بأطراف أخرى كبدائل للأطراف المتضادة الرئيسية. وهناك الحرب السيبرانية (الإليكترونية) ويطلق عليها Cyber Security وتشير إلى استخدام دولة ما لهجمات رقمية، مثل فيروسات الكمبيوتر والقرصنة، لتعطيل أنظمة الكمبيوتر الحيوية في دولة آخرى، بهدف إحداث الضرر والموت والدمار. كما أن هناك الحرب الهجين Hybrid War والتي قد تجمع بين الحرب التقليدية وغير التقليدية والحروب السيبرانية.

الوضع في سيناء:

ونجد في سيناء محاولات لإقناع العالم أن ما يدور في سيناء ما هو إلا “صراع خفيف الحدة”، والذي كما ذكرت ينشب بين أقليات بالدولة وجيشها الحكومي في صورة “الحرب الأهلية”، بهدف الإستيلاء على جزء من أراضي سيناء وإعلان السيطرة عليها وفصلها عن الدولة وبما يثبت عدم سيادة الحكومة المصرية عليها، والذي يؤدي بالتالي إلى ما يسمى بـ”الدولة الفاشلة”، والذي يتيح تدخل المجتمع الدولي للفصل في الموقف. ولكن مع تسرب عناصر أجنبية عبر الحدود لتنضم إلى العناصر المسلحة – وقيامها باستهداف المدنيين كما حدث في مسجد الروضة بالعريش واستهداف القضاة قبلهم في فندق “سويس إن” بالعريش، فضلاً عن استهدافهم لأفراد مدنيين من القبائل المناوئة وضباط جيش متقاعدين لأسباب متعددة – تم إدراج تلك العناصر المسلحة ضمن قائمة المنظمات المصنفة إرهابية، ليعتبر الموقف في سيناء حرب ضد الإرهاب.

ولتوضيح أكثر دقة ارتباطاً بأرض الواقع في المنطقة:

تنشب “الحرب الأهلية” بين فصائل مواطني البلد الواحد، وكما تجلت واضحة مع بداية الصراع في سوريا وليبيا واليمن.. ومع بدء ظهور تدخل خارجي وتعارض مصالح القوى العظمى والقوى الإقليمية، وطبقاً لآراء المحللين الدوليين أخذ المشهد في تلك البلاد صورة الحرب بالوكالة مثل الحوثيون وتنظيم حزب الله لصالح إيران والجيش العربي السوري لصالح روسيا وإيران والجيش السوري الديمقراطي (الأكراد) لصالح الولايات المتحدة وإسرائيل والجيش السوري الحر لصالح تركيا وجبهة النصرة والجيش اليمني الوطني لصالح السعودية ودول الخليج. إلى أن تم إدراج عناصر مسلحة عدة من تلك السابقة ضمن قائمة التنظيمات الإرهابية دولياً.

ذلك في الوقت الذي تقلصت صورة الحرب العسكرية التقليدية ذات المواجهة العسكرية بين دولتين أو أكثر بواسطة القوات والأسلحة والإستراتيجيات العسكرية التقليدية. وهذا ما يقودني للتحدث عما سمي بأجيال الحروب بصورة علمية دقيقة دون مبالغة أو تفريط، وكما تعلمتها مباشرة من منظرها الأصلي وهو الأمريكي “كولونيل/ وليام ليند” أثناء دراستي بجامعة كرانفيلد بإنجلترا عام 2004.

ثانياً: أجيال الحروب Generations of War:

أما عن أجيال الحروب فيجب أن نعلم أولاً أنها ليست كما يتصور البعض أنها نوعية من الحروب إبتدعها الغرب لمحاربة أعدائهم بها، ولكنها ظواهر أكتشفها باحث أمريكي من خلال الأفكار والسلوكيات الإنسانية في ظروف قتالية مختلفة، فقام بطرحها بالأسلوب الذي سأعرضه الآن، وهو طبقا لما ورد بالمصادر الأصلية، والذي يختلف مع ما يتم تداوله في مصر منذ سنوات، رجاء قرائته بتأني.

الخبير “المُنَظِر” العسكري الأمريكي “كولونيل/ وليم إس. ليند” (وهو حاصل على درجة الماجستير في التاريخ، وعمل كمساعد للتشريع لعضو مجلس الشيوخ روبرت تافت الإبن عن ولاية أوهايو).. وهو صاحب أطروحات أجيال الحروب الأربعة الحقيقي، حيث حاضرنا “ليند” بالكلية الملكية للعلوم أثناء دراستي العلوم السياسية بجامعة كرانفيلد بإنجلترا عام 2004. وهو يرى أن أجيال الحروب تتغير مع إحداث ما أسماه “نقلة نوعية مؤكدة – Delicately Qualitative Shift” في طبيعة الحرب بغض النظر عن تكنولوجيا التسليح، وهي كالآتــي:

حرب الجيل الأول 1GW:

هي حروب الحقبة من 1648 حتى 1860 والتي كانت تُدار بين جيوش نظامية بتكتيكات (الخطوط والصفوف)، على أرض قتال محددة بين جيشين يمثلا دولتين في مواجهة مباشرة. زنجد فيا العسكريين مميزين عن المدنيين في كل الأمور سواء في الزي أو أداء التحية أو التدرج في الوظائف والرتب، وبما يعزز ثقافة “النظام”.

تتسم القوات في حروب هذا الجيل بالطابع العسكري الصارم والزي العسكري الكامل، حيث تجد “الطاعة” فيها مقدمة على “المبادأة”. وقد ظهر في الحرب الأهلية الأمريكية وكذا الإنجليزية والحرب الأنجلوميكسيكية وخلال حملات نابليون العسكرية وحرب المكسيك. إلا أنه ومع منتصف القرن التاسع عشر بدأت ساحة تلك المعارك في الانهيار. فطبيعة القتال تغيرت مع تطور الأسلحة، حيث تأثرت المنظومة المنضبطة بساحة القتال، والتي تميز حروب الجيل الأول، فتطور سائل النيران وتعاظم حجم تدميرها حًوًْل ساحة القتال لميدان من الفوضى يصعب فرض النظام في أنحائه، والذي جعل الاستمرار في القتال بالتشكيلات الخطية وتكتيكات الصفوف والخطوط أحد صور الإنتحار.

حرب الجيل الثاني 2GW:

وقد عالجت نقطة ضعف الجيل الأول، ارتباطا بما نفذه الجيش الفرنسي خلال وبعد الحرب العالمية الأولى، وذلك من خلال القوة الشاملة للنيران معظمها من المدفعية غير المباشرة، ومن ضمنها مدفعية الدبابات. ولخصت فرنسا عقيدتها القتالية في هذا الجيل في أن “نيران المدفعية تقهر العدو – والمشاة تحتل الأرض”. وتنفذ من خلال خطط مُفصلة، يتم فيها إستخدام النيران بشكل مركزي متزامن، يُسيطَر عليه بعناية فائقة متزامنة مع قوة النيران التي يتم التحكم فيها مركزياً بعناية، وذلك باستخدام خطط وأوامر مفصلة، للمشاة والدبابات والمدفعية، في معركة القائد فيها هو المايسترو. واعتبر الجنود بشكل عام والضباط بشكل خاص أن حرب الجيل الثاني قد جاءت كنجدة عظيمة لهم، حيث قللت من كثافة وتركيز القوات مما جعلها تتفادى التعرض للنيران بحجم ووقت أكبر. وقد استمرت حرب الجيل الثاني في الحفاظ على ثقافة “النظام” في أرض القتال، والتركيز على القواعد والضوابط والعمليات والإجراءات. ومثل الجيل الأول، “الطاعة” في الجيل الثاني أيضاً مُقدمة على “المبادأة” لتجنب التعرض للخطر خاصة مع منظومة النيران المتزامنة. أما الانضباط فكان جبرياً أي يأتي (فرضاً) من أعلى إلى أسفل وليس (ذاتياً). وفي هذا الجيل احتلت نيران القوات الجوية مكانة أكبر لقوة تدميرها مقارنة بنيران المدفعية غير المباشرة.

حرب الجيل الثالث 3GW:

تفادت الكثير من أخطاء الحرب العالمية الثانية. وكان أول من إنتهجها محدثاً هذا التطويرالجيش الألماني فيما أسموه بـ”حرب المناورة”. وتتسم حروب الجيل الثالث بالسرعة والمفاجأة بهدف التشتيت الذهني لقادة وضباط جنود العدو وتشتيت جهود القوات، بحرمان العدو من السيطرة على قواته أثناء القتال. ومن الناحية التكتيكية، تسعى القوات في الهجوم للوصول الى عمق العدو والعمل على إنهيار أنساقه التالية وإحتياطياته من خلال الإلتفاف حول قواته وتطويقها. أما في الدفاع، فإن القوات المدافعة تسعى دائماً لحصار العدو ثم تجزئته. ولا مجال للمنافسة التقليدية على الخطوط المنتظمة في حروب الجيل الثالث، فهي حرب ليست خطية بالشكل الذي كانت تقاتل به القوات في حروب الجيل الأول. وهي تختلف أيضاً عما قبلها بأن “المبادأة” تُقدم فيها على “الطاعة”، أي أنها عكس ما قبلها. ويمكن فيها التسامح مع الأخطاء طالما أنها نتيجة للمبادأة الإيجابية، في إطار الإعتماد على الانضباط “الذاتي”، وليس “فرض” الانضباط من القيادة الأعلى. وقد وضحت حروب الجيل الثالث في حروب الخليج وحرب أكتوبر عام 1973 وغيرها.

حرب الجيل الرابع 4GW:

والتي أطلق مصطلحها لأول مرة عام 1989، وعُرفت بالصراع في منطقة غير واضحة المعالم بين (دائرتي الحرب والعمل السياسي) ويشغل هذه المنطقة مقاتلون مسلحون أو/و سياسيون.

وتُعرف أيضاً بأنها عنصر العنف غير الحكومي Violent Non-State Actor – VNSA والذي يحارب دولة أخرى بأسلحته الخاصة.. وقد صيغت من خلال نفس المفهموم على أنها “الحرب اللا متماثلة – Asymmetric War” أي الصراع الذي يتميز بعدم التكافؤ في التسليح ولامركزية الإجراءات.. وقد طُور الجيل الرابع من الحروب من مستوى 4GW إلى 4.6GW، لتُستخدم فيه وسائل الإعلام ومنظمات المجتمع المدني والمعارضة السياسية والعمليات الاستخباراتية.

يتميز أسلوب الجيل الرابع من الحروب بالآتي:

قد يتميز بالعنف الجسدي كما في حالات الإرهاب مثلاً، وقد يتميز أيضاً بقوة العنف الذهني كما فعل “غاندي” في ثورته ضد الاحتلال البريطاني في الهند و”مارتن لوثر كينج” في ثورته ضد العنصرية في الولايات المتحدة. فكانا يصران على تخفيض كافة مستويات العنف التي يقابلونها دون أدنى مستويات العنف الجسدي. ومن ثم قد يدار أيضاً بواسطة من مثلهم من المعارضين في دولهم سواء ضد استعمار عسكري أو فكري. كما يتميز الجيل الرابع من الحروب بأن يتضمن صراعات معقدة وطويلة الأجل، قد تعمل بتكتيكات الإرهاب، تستند على قاعدة غير وطنية أو عبر الأوطان، فهي تدار بشكل شديد اللامركزية. تشن هجوماً مباشراً على ثقافة وأيدولوجية العدو، كما تقوم أيضاً بأعمال إبادة ضد المدنيين. تتميز أيضاً بعدم وجود التسلسل الهرمي بها ربما لصغر حجمها، ولذا فهي تعتمد على أساليب التمرد وحروب العصابات. ويظهر فيها نوع من العمليات النفسية المتطورة للغاية، وخاصة من خلال التلاعب بوسائل الإعلام، فهي تستخدم جميع الضغوط المتاحة (سياسية واقتصادية واجتماعية وعسكرية). وأفضل بيئة لها هي فترة ما يُعرف بـ”الصراعات خفيفة الحدة” والتي تنشب بين الجماعات المسلحة والجيش الحكومي. والعنصر الأكثر تعقيداً في التعامل معه في تلك الحروب هم السياسيون غير المسلحون والذين ينتهجون أسلوب العنف الذهني.

يتميز من يقومون بحروب الجيل الرابع بالآتي:

عدم وجود سلطة عليهم أو تركيب تنظيمي هرمي مُقنن لهم. والمثابرة والصبر والمرونة والعمل بعيداً عن الأضواء في معظم الظروف. وصغر حجم عناصرهم وقد يلجأوا لتكتيكات مسلحة أو أعمال إرهابية ضد البنية التحتية للدولة المُستهدفة، مستهدفين جميع الجبهات الاقتصادية، والسياسية، والعسكرية، والمدنية، ووسائل الإعلام.

الأهداف الإستراتيجية لمن يشنون الجيل الرابع من الحروب:

هزيمة الإرادة السياسية للدولة المستهدفة وفرض إرادة سياسية مخالفة عليها. والبقـــــاء والاستمرار. وإقناع صانعي القرار السياسي أن أهدافهم إما قابلة للتحقيق، أو أنها ستكون مكلفة للغاية، وليس كما تتوقعه الدولة المُستهدفة حالة محاولتها القضاء عليهم بالعنف. وتحويل هوية وأيدولوجية الدولة من القومية إلى العقائدية، أو العكس.

أفضل أسلوب لمحاربة من ينتهج أسلوب الجيل الرابع من الحروب هو:

العمل على تجزئة عناصره وتفتيتها وإفقادهم الثقة فيما إلتفوا حوله. الأمر الذي يحقق نجاحاً كبيراً حالة أن عناصره سواء مُسلحة أو سلمية تعمل من أجل مصالح خاصة وليس عقيدة راسخة. والحكومات الرشيدة فقط هي القادرة على التصدي لهم بهذا الأسلوب.

ولتوضيح مفهوم الحكم الرشيد:

هو مصطلح سياسي يُستخدم في أدبيات التنمية الدولية لوصف قدرة الكيانات السياسية (الحكومات/ المؤسسات الوطنية) على إدارة شؤون البلاد بحكمة وكفاءة وجودة تضمن للدولة البقاء، وللشعب الرفاهية والقدرة على التنمية في كافة مجالاتها.

أما الخصائص الرئيسية للحكم الرشيد فتتلخص في:

المسؤولية / الرقابة

الحكومة الرشيدة تخضع للمسائلة والرقابة الشعبية بمبادرة منها. والحكومة المحلية مُلزمة بالإبلاغ عن نتائج القرارات التي اتخذتها نيابة عن المجتمع الذي تمثله، وشرحها، والإجابة عن أي أسئلة تخصها وتحمل مسؤولية نتائجها.

الشفافية

تمكين الشعب من متابعة وتفهم نتائج القرارات الحكومية المُتخذة من خلال تقارير دورية متخصصة وشاملة، ومدى تطبيق البنود الدستورية، إلخ.

التشاركية والتواصل

يجب أن يكون للشعب صوت في صنع القرارات الهامة، وذلك إما بصورة مباشرة، بل وإعطاء الفرص للشعب لتقديم توصيات طبقاً لرؤياهم، وذلك عن طريق مؤسسات وسيطة شرعية تمثل مصالحهم، كمجلس النواب وأيضاً من خلال التواصل الإعلامي بكافة وسائله، وإستطلاعات الرأي بواسطة مراكز الأبحاث المتخصصة وغيرها.

سيادة القانون

ويعني توافق القرارات الحكومية مع الدستور والقانون العام والتشريعات المُستجدة ذات الصلة، كما يُعني تطبيق القانون في كافة الأمور على الجميع بحياد تام ودون إستثناءات.

الإستجابة / التجاوب

وينبغي أن تحاول الحكومة المحلية دائما تلبية احتياجات المجتمع بأسره مع تحقيق التوازن بين المصالح المتنافسة والعمل على إذابة أي تناقض بينها (مثلاً: كالتنافس بين الأمن وحقوق الإنسان، وبين الإصلاحات وزيادة الضغوط والأعباء على عامة الشعب، وبين تنشيط السياحة وزيادة الإستثمارات وزيادة القيود على الإستثمارات والقيود الأمنية، إلخ)، وذلك في ظروف وبطريقة ملائمة ومتجاوبة.

العدالة الإجتماعية الشاملة

وتتحقق بتنامي رفاهية المجتمع بكافة فئاته، أي بشعور الشعب بكافة فئاته، خاصة أشد الفئات ضعفا، بالإستفادة المتكافئة من الخدمات المُستحقة على الحكومة من تعليم وعلاج وبنية تحتية وغيرها.

الفعالية والكفاءة

يجب على الحكومة المحلية تنفيذ القرارات ومتابعة العمليات التي تستفيد بشكل أفضل من الأشخاص والموارد والوقت والظروف المتاحة، لضمان أفضل النتائج الممكنة لتنمية مجتمعهم.

الوعي الجمعي

فالحكومة الرشيدة تتوسط المصالح المختلفة للتوصل إلى إجماع واسع حول ما هو في صالح المجتمع كلما أمكن بشأن السياسات والإجراءات الصائبة. ولا شك أن أخطر تهديد قد يواجه أي دولة هو اضطراب وتدهور الوعي الجمعي لشعبها بمختلف توجهات، والذي نتيجة للبعد عن سبل العلم والمعرفة الحقيقية والتفكر يؤدي لانهيار القدرات على الإبتكار والإبداع من جانب، وإلى كثرة الجدل والخلاف الأجوف والإنقسام المجتمعي من جانب آخر. ومن أهم سبل اهيار الوعي الجمعي تحرك المنصات الإعلامية للحكومات غير الرشيدة والإعلام الفاسد وأدوات طرح الرأي كمواقع التواصل الاجتماعي لحشد الرأي العام في إتجاه الخلاف والكراهية والتناحر. وفي اتجاه تمييز مؤسسات بعينها والاستهانة بالمؤسسات الأخرى. وفي إتجاه تعظيم أشخاص بعينهم، بل وشخصنة كل الأمور مع تجاهل شديد للمواقف والحقائق والمناهج العلمية، مما يحشد الإرادة الشعبية في إتجاه حب النجاح من أجل الفرحة دون موضوعية، وليس تناول أدوات النجاح وانتهاج آلياته العلمية والقدرة على تحديد وتحقيق الأهداف المرجوة.

الرؤية الاستراتيجية

يجب على الدولة قادة وشعباً أن يكون لديهم منظور واسع الأفق وطويل الأجل بشأن الحكم الرشيد والتنمية البشرية وبما يكون الرؤية الإستراتيجية، كما يجب أن يكون لديهم الوعي اللازم لتحقيق هذه الرؤية، والمقدرة على تفهم الأبعاد التاريخية والثقافية والاجتماعية التي تقوم عليها.

ثالثاً: “الإرهاب في سيناء.. رصد للواقع”

خلفية تاريخية سياسية وأمنية:

طبقاً لمعاهدة السلام بين مصر وإسرائيل التي أبرمت في كامب ديفيد بالولايات المتحدة من حوالي أربع عقود والتي يشرف على تنفيذها قوات دولية متعددة الجنسيات، فقد نصت على تواجد قوات مصرية بالمنطقتين (أ) و(ب) بحجم لا يتجاوز 21 ألف مقاتل أي ما يعادل حوالي فرقتين مشاة مدعمة بالقوات والأسلحة اللازمة من كافة التخصصات. قوات أسلحة مشتركة وعناصر لتأمين القتال من مختلف التخصصات بالمنطقة “أ” – قوات حرس حدود بالمنطقة “ب” – قوات شرطة مدنية أمن مركزي بالمنطقة “ج”. وخلال عقود مضت تعرضت فيها شبه جزيرة سيناء لإهمال شديد من القيادة السياسية المصرية، عانت سيناء من عدة جرائم دولية بدأت بتهريب وتسلل الرقيق الأبيض الناتج عن انهيار الاتحاد السوفييتي منذ حوالي ثلاث عقود ثم زراعة وتهريب المخدرات وصولاً لتهريب السلاح بأنواعه. والإرهاب في سيناء ليس بجديد، حيث يرجع لأكثر من عقدين ماضيين، وقد ظهرت أنشطة تنظيم أنصار بيت المقدس في سيناء عام 2011 وقبلها، حيث كانت تقوم عناصره المسلحة باستهداف خطوط الغاز الواصلة من مصر لإسرائيل. وخلال الأعوام الست الماضية تزايد انتشار الإرهاب في سيناء رداً على قيام ثورة 30 يونيو. وخلال تلك الأعوام تمكنت عناصر ولاية سيناء المسلحة (أنصار بيت المقدس سابقاً) وتنظيم أجناد مصر والتي صنفت إرهابية دولياً، من تنفيذ عملياتها مستهدفة قوات الجيش والشرطة المسؤولة عن إنفاذ القانون في سيناء، فضلاً عن استهدافهم بعض المدنيين من القبائل المناوئة لهم.

أهداف العناصر الإرهابية في سيناء وفكرة أعمال قتالها:

الهدف الإستراتيجي العام:

أثناء قيامي بعرض إستراتيجية لمكافحة التطرف العنيف أمام أعضاء ودارسين بكلية دفاع الناتو بروما في أكتوبر 2016، ومرة أخرى أثناء قيامي بعرض رؤية مُحدثة ضمن محاضرة متكاملة عنوانها (مصر في مواجهة تحدياتها الأمنية) بالقيادة العملياتية لحلف الناتو بنابولي في مايو 2017 في مايو 2018 في مدريد، كنت قد ذكرت تحديداً أن “الإرهاب في مصر يهدف أساساً إلى إرساء قاعدة إستراتيجية للخلافة الإسلامية تمتد من العراق والشام شرقاً إلى ليبيا ودول المغرب العربي حتى موريتانيا ودول الصحراء غرباً، لتمتد في كافة الإتجاهات الجغرافية في الشرق الأدني وشمال وشرق أفريقيا، مما يزيد من حدة التهديد والتأثير في دول أوروبا وأفريقيا وآسيا. وأن تحقق ذلك من خلال فرض السيادة الكاملة على سيناء أو على مدن رئيسية بها والقيام بعزلها، مع العمل على تغيير الهوية المصرية من (القومية) إلى (العقائدية). الأمر الذي يؤدي لإفشال وإسقاط الدولة المصرية ذات الموقع الجيوستراتيجي الأهم إقليمياً وذو الأهمية الإستراتيجية دولياً وإعلان الدولة الإسلامية بها”.

الوضع السياسي المستهدف دولياً:

وإرتباطاً بهذا الهدف وفكرة تحقيقه، تبدأ العناصر المسلحة في سيناء عملياتها من خلال نوع معين من الصراعات يُطلق عليه علمياً “صراع منخفض الحدة”، والذي يدور في العادة بين أقليات بالدولة وجيشها الحكومي في صورة ما يسمى بـ”الحرب الأهلية”، بهدف الاستيلاء وإعلان السيطرة ولو على قرية أو مدينة بمحافظة شمال سيناء، وعزلها عن الدولة المصرية مُعلنين سيادة الجماعات المُسلحة عليها، كما حدث من قبل (على سبيل المثال) في دير الزور والموصل وسرت في سوريا والعراق وليبيا.

حالة حدوث ذلك، يثبت عدم سيادة الحكومة الشرعية للدولة المصرية على تلك المدينة، ويظهر عملياً وبشكل صريح أمام المجتمع الدولي ومنظماته أهم مؤشرين الدولة الفاشلة في مصر، وهما عدم فرض الدولة المصرية سيادتها على كافة أراضيها، وعدم احتكارها لإستخدام القوة بها.

تسلسل الأعمال:

عقب ثورة 30 يونيو، احتشدت التنظيمات المسلحة في قلب شوارع العريش (أكبر مدن شمال سيناء وعاصمتها)، وأعلنت إنشاء “مجلس حرب” ضد الدولة المصرية، إحتجاجاً على تحرك الجيش لمطالب الشعب والإطاحة بالرئيس السابق د. محمد مرسي.. وقد تبين لاحقاً من المضبوطات التي وجدت مع من تم القبض عليهم من تلك التنظيمات المسلحة حصولهم على أسلحة نوعية مثل “صواريخ سام 7” المضادة للطائرات، وكذلك صواريخ “كورنيت” المضادة للدبابات، وقواذف صاروخية وذخائر وأسلحة متنوعة، فضلاً عن انضمام عناصر من جنسيات أخرى (كشفت عنهم الحملات الأمنية المتلاحقة بعد ذلك).. استغلت انتشار الضربات الإرهابية في الوادي والدلتا (منهم حرق وتدمير 62 كنيسة في يوم واحد، عقب فض اعتصام رابعة في 14 أغسطس 2013، في مد سيطرتها على مناطق في وسط وشمال سيناء، فيما ظلت جنوب سيناء هادئة نسبياً.

تنوعت خريطة النشاط الإرهابي لتتضمن تفجيرات وضربات شلت الحركة في المدن الكبرى بشمال سيناء (العريش- الشيخ زويد – رفح – بئر العبد)، مع نجاحها في شن هجمات على القوات المسلحة عبر الساحل، ومحاولة منع الإجراءات الانتخابية (اغتيال القضاة في فندق سوي إن بالعريش) وغيرها.

حاول تنظيم ولاية سيناء الاستيلاء بقوة السلاح على مدن كبرى في شمال سيناء من خلال عمليات برية عديدة وأيضاً عمليات ساحلية قرب العريش، بهدف إعلان تأسيس “إمارة إسلامية”، لإظهار فشل الدولة المصرية، وذلك بنفس التكتيكات العسكرية التي نفذتها داعش بنجاح كبير في عدة مدن بدول أخرى.

طورت العناصر الإرهابية تكتيكاتها في سيناء لأسلوب حرب العصابات (تنفيذ إغارات، كمائن، محاولة الإستيلاء على نقاط قوية وأسلحة ومعدات – ..)، الأمر الذي يشير لتخطيط أعلى من قدراتهم.

غيرت نسبياً العناصر الإرهابية في سيناء من تكتيكاتها ثانية، حيث تحولت لمفهوم العمليات الصغيرة السريعة، مثل قنص الجنود، أو محاولة استهداف القوات خلال حركتها على الطرق. وحاولت التغطية على خساراتها المتتالية، ولجأت لخطط أخرى مختلفة مثل إقامة نقاط تفتيش صغيرة (لا تتجاوز فترة بقائها بضعة دقائق) وذلك في جنح الليل ببعض القرى قرب رفح والعريش، وتوزيع منشورات تحذر المواطنين من تدخين السجائر أو التعاون مع القوات، وبث مقاطع فيديو قصيرة جداً وحسب فترة المهمة، للترويج لأنفسهم لدى جماهيرهم، وتأكيد تواجدهم على الأرض رغم الضربات.

وقد شهدت العمليات الإرهابية المسلحة تراجعاً حاداً، فبعد فشلها في محاولات الاستيلاء على المدن، حاول التنظيمات الإرهابية خلال عامي 2015 / 2016 الاستيلاء على أي نقاط تفتيش ثابتة تابعة للجيش أو الشرطة، لكنها فشلت أيضاً في الارتكاز في أي نقطة أمنية، وبسقوط أحد أهم بؤر العناصر المسلحة الإرهابية في سيناء والمتواجدة بمنطقة جبل الحلال بنهاية شهر فبراير 2017 ضعفت تلك العناصر المسلحة في سيناء بشكل كبير، مما أدى لأن تلجأ عناصر ولاية سيناء لتنفيذ خطة بديلة دلت على شدة ضعفها، وتبنى على الفتنة الطائفية وتدويل فكرة استضعاف الأقباط واستهدافهم، حيث قامت بشن حملات تخويف للسكان، واغتيال الأقباط في العريش، بدعوى “تفريغ المدينة من الكفار”، وبالفعل شهدت العريش وقتها موجة نزوح خوفاً من الإرهاب.

التصدي والمكافحة العسكرية للإرهاب في سيناء:

في المقابل، تحركت قوة إنفاذ القانون المصرية في سيناء بسرعة وعظمت قوتها في كافة أنحائها في شمال ووسط سيناء حيث من تأمين منطقة الساحل بالكامل، وضمان عدم وجود أي عناصر مسلحة على طول ساحل شمال سيناء (من رفح المصرية وحتى بورسعيد)، فضلاً عن إفشال كل محاولات الهجوم للاستيلاء على مدن أو فرض السيطرة الجغرافية على أي منطقة مأهولة بالسكان (أخطر الهجمات وأكبرها كان محاولة الاستيلاء على الشيخ زويد منتصف عام 2015، وتم سحقها، وتكبد التنظيم الإرهابي خسائر فادحة، واعترف بهزيمته فيها بالفعل).

حيث واجه تنظيم ولاية سيناء جهوداً مكثفة للقضاء عليه عبر عمليات قوات إنفاذ القانون (الجيش والشرطة)، في شمال سيناء تحديداً في قرى (المقاطعة – البرث – المهدية – جنوب رفح). وتصاعدت الصدامات بين التنظيم وأبناء القبائل في سيناء مثل قبائل السواركة والترابين والتيهة وغيرهم، والتي أعلنت عزمها مواجهة الإرهاب، فيما أطلقت عليه اسم “صحوات سيناء”، تشبيها بالأفواج القبلية التي شكلتها الولايات المتحدة في العراق لمواجهة القاعدة.. وكان رد تنظيم ولاية سيناء بتنفيذ عملية جديدة من نوعها في الفترة الأخيرة وهي قتل مئات المُصلين بمسجد العريش في نوفمبر 2017، والذي كان يجمع وقتها العديد من أبناء تلك القبائل، فضلاً عن تنفيذ أحكام إعدام موسعة لآخرين من تلك القبائل في العريش.

خلال ما سبق ومع انتشار الإرهاب في سيناء تم تجاوز بند حجم القوات وأنشطتها المحددة بمعاهدة السلام، وذلك بموافقة الطرفين المصري والإسرائيلي وبعلم قوات الطوارئ الدولية، حيث وصل حجم القوات في سيناء (مع التركيز على منطقتي شمال ووسط سيناء) لحوالي 60 ألف مقاتل ضمن وحدات أسلحة مشتركة وقوات خاصة ودعم تخصصي لتأمين عملها. على أن يتم دفع القوات الجوية لتنفيذ هجمات مركزة ضد التجمعات الإرهابية بموافقة منفصلة مع كل ضربة من قبل الجانب الإسرائيلي. كما أن هناك تعاون معلوماتي بين مصر وإسرائيل ضد الإرهاب في سيناء، وهو ما وضحه سامح شكري وزير الخارجية في مؤتمر ميونيخ للأمن عام 2018. ولم يرصد مشاركة أي قوات إسرائيلية أو غيرها للتصدي للعناصر المسلحة في سيناء، حيث تصمم القوات المسلحة والشرطة المدنية المصرية على احتكار عمليات المواجهة والتصدي لتلك العناصر في سيناء.

تجسد ذلك بشكل واضح في إطلاق العملية الشاملة “سيناء 2018” إعتباراً من يوم 9 فبراير 2018 بناءً على تكليف صادر من القيادة السياسية المصرية، والتي بدأت في صورة حملة عسكرية شاملة بمهمة التصدي للإرهاب وإستعادة الأمن في شمال ووسط سيناء ومناطق أخرى بدلتا مصر والظهير الصحراوى غرب وادى النيل، بهدف إحكام السيطرة على المنافذ الخارجية. حيث قامت القوات المسلحة المصرية بإعداد خطة متكاملة تُنفذ من خلال عدة مراحل في كافة نطاقات التكليف، ثم قامت بإعداد المسرح وبما يمكن من نشر قوات ضخمة في من مختلف الأفرع الرئيسية لضمان تحقيق هدفها بسرعة وحسم، كما قامت بتأمين السواحل البحرية والطرق الرئيسية، تؤمنها إجراءات جمع وتحليل معلومات على أعلى مستوى، حيث أجرت استطلاع بكافة الوسائل المتاحة لشمال سيناء، إلى ان بدأت القوات المصرية بالفعل المكلفة بالتصدي للإرهاب بتنفيذ مهامها بتركيز.

من أهم إجراءات التصدي للعناصر الإرهابية في سيناء حالياً الاستمرار في تأمين الحدود البرية والساحلية والتصدي بكل قوة لأي محاولات لاختراق الحدود الدولية، واحترام سيادة كافة الدول المتصلة بحدود جغرافية مع مصر والتنسيق معها لضبط وتأمين الحدود وتبادل المعلومات الخاصة بتواجد وتحرك العناصر الإرهابية، واستكمال إقامة المنطقة العازلة على الشريط الحدودي مع قطاع غزة و تعويض المتضررين من خلال الجهات المعنية بالدولة.

لواء أ.ح. ســــيد غنــــيم
زميل أكاديمية ناصر العسكرية العليا
رئيس مركز دراسات شؤون الأمن العالمي والدفاع – أونلاين