الكوهينور يتلألأ مجدداً: الفرصة الهندية في ظل تحولات النظام الدولي

أنس القصاص، باحث في الشؤون الاستراتيجية والصراع الدولي والمستشار السابق بالأمم المتحدة

IGSDA © 2019

Download 1

Downlaod 2

جدول المحتويات

مقدمة. 3

ملامح القوة الهندية في القرن الجديد. 4

صعود هندي…. برغبة أمريكية. 5

السياسات الأمريكية لمواجهة النفوذ الصيني: دور بارز للهند. 6

الفرصة الأمريكية لنيودلهي (من واقع استراتيجية الهندوباسيفيك الأمريكية) 8

مستقبل المشروع الهندي في ظل تلك الفرص… 10

مقدمة

منذ أيام قليلة، أعيد انتخاب ناريندرا مودي رئيسا لوزراء الهند لفترة ثانية تمتد حتى 2024. ويأتي انتخاب مودي في وقت دقيق تمر به الهند على المستويين المحلي والإقليمي، لكنه أكثر أهمية لحكومة نيودلهي على المستوى الدولي الذي تطمح أن تلعب فيه دورا محوريًا خلال الأعوام القليلة القادمة. ويأتي طموح حكومة نيودلهي الحالي مستندا إلى وقائع ماكرو-استراتيجية في النظام العالمي الحالي تصب في المقام الأول في صالح الهند على الرغم من بعض التحديات القوية وفوق المتوسطة والمتوسطة إقليميا ودوليا.

وكما هو الحال في هذا الظرف الدقيق الذي يمر بالمنظومة الدولية بأكملها، فقد ارتبطت قصة النهوض الهندي بشكل عام بتحولات النظام الدولي[1] على مدار محاولات الهند الثلاث خلال السبعين عاما الماضية منذ استقلالها عن التاج البريطاني في أواخر الأربعينيات من القرن الماضي. نجحت الهند في العصر الحديث من استغلال الفرص التي تخلقها المنظومة الدولية لها من آن لآخر بشكل تلقائي بسبب جوارها للصين. ذلك الجوار المأزوم جعل من الهند على رأس الدول التي استفادت من وجود الاتحاد السوفييتي وكذلك من انهياره. تمتعت الهند بعلاقات عسكرية واستراتيجية قوية مع الاتحاد السوفييتي والكتلة الشرقية بشكل عام خلال فترة الحرب الباردة[2] لاسيما في فترة حكم أنديرا غاندي. ساعد السوفييت الهند على بناء قدراتها النووية حتى إطلاق قنبلتها النووية الأولى في عام 1974 من أجل تكبيل الصين وتوسيع معادلة الردع النووي في آسيا. ساعدت علاقات الهند مع الاتحاد السوفييتي كذلك على وحدة واستقرار الهند لكنها لم تساعد البلاد على الخروج من ضعف التنمية والترهل المؤسسي الذي كانت تعيشه الهند إبان حقبة الحرب الباردة. في المقابل، كان لانهيار الاتحاد السوفييتي أثر كبير على عملية التحول الهندي نحو الازدهار والتقدم.

مع انهيار الاتحاد السوفييتي مطلع التسعينيات من القرن العشرين، انهارت معه معادلة الأمن التي حكمت آسيا لعقود. فقد كان الاتحاد السوفييتي هو قلب هذه المعادلة في مواجهة الصين وكان كلا منهما يسعى لإحكام السيطرة على محيطه الإقليمي في قلب آسيا من أجل ضمان النفوذ الدولي؛ وكان هذا يتم عادة عن طريق التحالفات الكبرى كالتحالف السوفييتي الهندي أو الحروب المؤثرة كالحرب الصينية الهندية في التبت في 1962 ونزاع الحدود الصيني السوفييتي أواخر الستينيات. قبيل انهيار الاتحاد السوفييتي، اختلفت أولويات الصراع في المنطقة. فمع الترهل الذي أصاب الصين بسبب الثورة الثقافية وتبعاتها المدمرة، وكذلك الاتحاد السوفييتي الذي أضره التخطيط المركزي وأثر عن حركة النمو المتكافئ داخل أقطار الاتحاد، سادت أفكار في الحزبين الشيوعيين في موسكو وبكين تستهدف إحداث تحولات اقتصادية ضخمة بدأت مع التحول الهيكلي الصيني نحو اقتصاد السوق على يد دينج شياو بينج في أواخر السبعينيات ثم فيتنام في منتصف الثمانينيات على يد دوي موي وإقرار مجلس السوفييت لسياسات الجلاسنوست والبيروسترويكا لإنقاذ الاتحاد. كل هذه التحولات ساعدت على تحويل مسار السباق الأمني وسباق التسلح لسباق نحو تنمية القدرات الشاملة للدولة يرتكز على بنية الاقتصاد القومي وتماسكه ونموه.

لكن الهند تأخرت عن اللحاق بهذا الركب لأسباب تتعلق بالصراعات الداخلية طوال فترة الثمانينيات ولم تقدم على أي تحول هيكلي حتى الانهيار الفعلي للاتحاد السوفييتي والأزمة الاقتصادية الطاحنة التي واجهتها الهند مطلع التسعينيات. جاءت حكومة ناراسيمها راو وقررت تبني اقتصاد السوق وفتح النوافذ نحو الاستثمارات الأجنبية والخاصة لتفادي الإفلاس الذي كان وشيكا خلال تلك الفترة.[3] شكلت حكومة راو ترويكا اقتصادية ترأسها مانموهان سينج رئيس الوزراء الهندي لاحقا والذي كان وزيرا للمالية آنذاك؛ وإليه يعزى فضل هذه النهضة الهندية العملاقة والتحول المنضبط نحو اقتصاد السوق. نجت البلاد من خطر الإفلاس وسجلت نموا بنسبة 7.5% مع نهاية عام 1996 و9% مع نهاية عام 1999.
ملامح القوة الهندية في القرن الجديد

بعد سياسات التحول الاقتصادي الناجحة في التسعينيات، منح الناخبين ثقتهم لمرشح حزب المؤتمر الهندي مانموهان سينج وأصبح رئيسا للوزراء في عام 2004 ومكث فترتين حتى عام 2014 تغير خلالها وجه الهند. فخلال هذا العقد، واظب الاقتصاد الهندي على معدل نمو يتراوح بين 7% و10% وهي أعلى معدلات النمو التي شهدتها البلاد منذ الاستقلال.[4]

بعد رحيل سينج وانتخاب حاكم ولاية كوجارات ناريندرا مودي رئيسا للوزراء عن حزب باهاراتيا جاناتا الهندوسي القومي في 2014، واصل الاقتصاد الهندي النمو مع استمرار حكومة مودي على نفس الخطوط العامة لخطة سينج مع بعض التعديلات؛ ووصل الناتج المحلي الإجمالي في 2018 إلى 2.6 تريليون دولار. يتوقع صندوق النقد الدولي أن يحتل الناتج المحلي الإجمالي للهند المركز الخامس في عام 2019 للمرة الأولى في التاريخ متخطية بذلك المملكة المتحدة وفرنسا.[5] وتحتل الهند المركز الثالث عالميا في القوة الشرائية (9.4 تريليون دولار) بعد الصين (23.1 تريليون دولار) والولايات المتحدة (19.3 تريليون دولار).[6] وتعتبر الهند عضوا فاعلا في أكثر سلاسل التوريد العالمية أهمية والمرتبطة بكافة محاور الاقتصاد الصناعية والزراعية والخدمية لاسيما قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات ICT والصناعات الثقيلة والصناعات الكيماوية والبتروكيماوية والمنسوجات والصناعات الغذائية ومعدات النقل ومواد البناء.

على الصعيد العسكري، تمتلك الهند رابع أكبر قوة عسكرية في العالم. يبلغ قوام الجيش الهندي 1.4 مليون مقاتل مما يجعله ثاني أكبر جيش في العالم من حيث القوات النظامية والأول من حيث القوات غير النظامية والمتطوعين. وتمتلك القوات المسلحة الهندية كافة أدوات السيطرة وبسط السيادة كالقوات البرية والبحرية والجوية والقوات الاستراتيجية التي تدير منظومتها النووية إلى جانب صناعة عسكرية متقدمة يمكن أن تنقل البلاد في العشرين عاما المقبلة نقلة هائلة إلى أعلى هرم النظام العالمي.

ومن الناحية الثقافية والأنثروبولوجية، تتمتع الهند بصورة ذهنية شديدة التميز في شتى أنحاء العالم بطرق شتى لاسيما صناعة السينما التي تربعت في المستوى الأول عالميا من ناحية المبيعات والإقبال (2.2 مليار تذكرة في عام 2016 فقط)[7]. كذلك، فإن التنوع الديني والعرقي داخل الهند لا يوجد مثله في أي دولة في شتى أنحاء العالم (50 لغة إلى جانب 1600 لهجة) بالإضافة إلى 9 ديانات رئيسية معترف بها عالميا ومئات الديانات الأخرى غير المعترف بها. مكنتها هذه المقومات الثقافية والدينية بشكل كبير من التداخل مع شعوب جنوب ووسط وجنوب شرق آسيا والتفاهم معهم / السيطرة عليهم على النحو الذي يخدم مصالحها القومية.

أما من الناحية السياسية، تتمتع الهند منذ استقلالها عن التاج البريطاني بعلاقات جيدة مع مكونات ذلك النظام (لاسيما القوى العظمى) مع استثناءات بسيطة تتعلق بالصين وباكستان ونزوعها نحو حروب إقليمية متعددة خلال فترات متباينة خلال الحرب الباردة.

إلى جانب كل هذه العوامل، فالهند تتمتع بموقع جيو-استراتيجي متميز أهلها بشكل كبير لأن تكون في طليعة المستفيدين (أو ربما المتضررين) من أي تحول في المنظومة الدولية الحالية لسببين: أولا جوارها وقربها من الصين، وثانيا النمو الاقتصادي الرائد والمدفوع بقوة بشرية ضخمة ومدربة.

صعود هندي…. برغبة أمريكية

لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل كل هاتيك المؤشرات يمكن أن تدعم الهند في سباقها نحو قمة النظام العالمي؟

تتطلب الإجابة على هذا السؤال النظر في الفرص المطروحة أمام الهند وممكنات الاستجابة الهندية لها في ضوء قدراتها وملامح قوتها وكذلك التحديات التي تواجهها نيودلهي في هذا الصدد.

وحتى نتحلى بالواقعية، فإن أكبر فرص الهند المتاحة في الترقي داخل المنظومة العالمية أن تكون وصيفة للولايات المتحدة وبرعايتها ورغبتها. فنيودلهي بتركيبتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية تعتبر على وفاق واسع مع واشنطن وهيكل قوتها الحالي ليس معاديا للمشروع الغربي الذي تتزعمه الولايات المتحدة بل مكملة؛ على الرغم من وجود اختلاف في وجهات النظر بين واشنطن ونيودلهي بين الفينة والأخرى لكنه ليس مؤثرا على مسار العلاقات بين البلدين. فقط يكمن تحدي نيودلهي الرئيسي هنا أنها تتنافس مع اليابان على ذات المكانة. لكنه ووفقا لممكنات الصعود والنمو الهندي في المستقبل القريب، فإن الهند هي المرشح بقوة لنيل مقعد اليابان في الوصافة إن أفلحت الولايات المتحدة في كسر عجلة النمو الصيني. وهذا أمر غير ممكن من وجهة نظر جون ميرشايمر في كتابه “تراجيديا سياسات القوى العظمى”[8] ومجرد إشكال نظري لا أساس له. فكسر حالة النمو الصيني أو تلجيمها لن يكون إلا بحرب عالمية طرفيها الصين والقوى الغربية؛ وهذه النقطة تقبع على قمة إشكاليات النظام الحالي ومثار استفهام وتساؤل من الجميع. لكنه فيما يتعلق بالحرب التجارية وإمكانية تلجيمها للتنين الصيني، فإن هذه الحرب سيكون الخاسر الأكبر منها هي الولايات المتحدة ذاتها نظرا للاعتمادية المتبادلة شديدة الرسوخ بين الاقتصاديين الأمريكي والصيني، ومحاولة فك الارتباط تلك قد تؤدي لأزمة عالمية عاصفة.

على الجانب الآخر، وحتى تتمكن الولايات المتحدة من السيطرة على نموذج النمو الهندي، فقد ركزت خلال الأعوام الماضية على العلاقات الأمنية والعسكرية مع نيودلهي أكثر من العلاقات الاقتصادية تجنبا لخلق وحش فالت الزمام إلى جنب بكين. فخلال الأعوام الماضية، ساد جدل في واشنطن، لاسيما مع صعود ترامب، أن الإدارات الأمريكية المتعاقبة لاسيما الإدارات الديموقراطية هي من ساهمت بحسن نية في الدفع بحالة النمو الصيني للأمام وذلك من أجل تحسين مؤشرات التجارة والاندماج الدولي التي يعتبرها الديموقراطيون مؤشرا فعالا لتحسن الاقتصاد الأمريكي. لكن هذا النهج لم يراعي ارتفاع معدلات النمو في الاقتصاد الصيني النامي مقارنة بالاقتصاد الأمريكي الراسخ الذي لا تتعدى نسب نموه حاجز 4% في أفضل الأحوال. لذا، فقد جاوزت الصين العتبة ولم تتمكن الولايات المتحدة من الإيقاع ببكين في مصيدة الدخل المتوسط (Middle Income Trap MIT) بسبب تركز الاقتصاد في يد الدولة وعدم الاندماج الكلي للاقتصاد الصيني في الاقتصاد العالمي مما أتاح فرصة جيدة للصينيين للمناورة. هذا الاتجاه، حسب تقديرات للبنك الدولي[9] [10] وتقديرات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية  OECD[11] وتقديرات أخرى دولية[12]، قد يؤدي إلى أن تصل الصين خلال بضع سنوات إلى الصعود للمركز الأول في الناتج المحلي الإجمالي GDP بعد أن حصدت المركز الأول في القوة الشرائية PPP منذ سنوات. والحل المطروح أمام الولايات المتحدة لمعالجة هذه الأزمة أن تقوم باستغلال موقعها وهيمنتها في فرض تحولات كبرى في المنظومة الدولية تصب في صالحها هي وحلفائها يكون أساس تلك التحولات الجانب الاقتصادي؛ وهنا تأتي الهند على قمة المستفيدين من هذه التحولات. لكنه وحتى حدوث تلك التحولات، تتصدى الولايات المتحدة للصين تكتيكيا عن طريق الحرب التجارية والإرهاق الجمركي أو استراتيجيا عن طريق جر الصين في متاهات التسلح والتسلح المضاد كما فعلت من ذي قبل مع الاتحاد السوفييتي ومناوشات قد تتطور لحروب في مناطق سيطرة الصينية. وهو المسار الذي تحتاج فيه الولايات المتحدة جهود حلفائها لاسيما الهند بسبب موقعها في المنظومة الدولية وكذلك جوارها للصين وموقفها التاريخي منها.

هذا التوجه الأمريكي القائم على التعاون العسكري الأمني بشكل أساسي لم تكن ترضى عنه نيودلهي، لكنه الواقع الذي تحاول حكومة مودي التحسين من شروطه على أقل تقدير. ومع ذلك، تمضي الهند قدما في هذا التعاون حيث أنه هو البوابة الوحيدة للدخول في الخطة الأمريكية للصعود على حساب الصين.

السياسات الأمريكية لمواجهة النفوذ الصيني: دور بارز للهند

منذ سنوات، تدق الولايات المتحدة حصارا عبر قواتها المنتشرة في الباسيفيك على الصين من أجل تلجيم القدرة العسكرية المتزايدة للجيش الصيني وكذلك حالة النمو الصيني المطرد والذي جعل الصين وفقا لمنهجية البنك الدولي وصندوق النقد صاحبة المركز الأول والأكبر عالميا هذه اللحظة، وهي المنهجية التي تعتبر القوة الشرائية هي العامل الأهم في تقدير القوة الاقتصادية[13]. وتقوم قيادة قوات الباسيفيك بهذه المهمة بالتعاون مع قيادة الأسطول السابع عن طريق مراكز القيادة المتقدمة في جوام والفلبين ويوكوسوكا اليابانية وبيونجتايك الكورية وداروين في شمال أستراليا. ولوقوع الهند داخل قيادة عمليات الباسيفيك، ولكونها المستفيد الأكبر من حصار الصين، فقد شاركت القوات المسلحة الهندية في مناورات مشتركة متعددة مع الولايات المتحدة وحلفائها بالقرب من بحر الصين الجنوبي خلال الأعوام الماضية آخرها في مايو الماضي.[14]

ويعتبر الوجود الهندي داخل الاستراتيجية الأمريكية لحصار الصين وتحويل مسار النظام الدولي أساسي ولا يستغنى عنه لعدة أسباب:

أولا: تتمتع الولايات المتحدة بحضور قوي في الباسيفيك الغربي من شماله إلى جنوبه وتستطيع السيطرة عليه بشكل كبير لعدم تكافئ القوة البحرية بين قوات الباسيفيك الأمريكية والبحرية الصينية حتى هذه اللحظة.[15] في المقابل، لا تتمتع القوات الأمريكية بنفس القدر من السيطرة على المحيط الهندي لاسيما شواطي جنوب آسيا المترامية بين بحر أندامان في شرق خليج البنغال وحتى شمال بحر العرب حيث تعتبر هذه المناطق نقاط سيطرة صينية بتحالفات ممتدة من ميانمار وحتى باكستان. لذلك، قامت وزارة الدفاع الأمريكية بتغيير اسم قيادة الباسيفيك الأمريكية USPACOM إلى قيادة الهندو-باسيفيك USINDOPACOM[16] في العام الماضي من أجل مواجهة النفوذ الاقتصادي والعسكري للصين في هذا الفناء الخلفي الذي يرتبط جيوسياسيا مع أكثر مناطق العالم سخونة في وسط آسيا والشرق الأوسط. وقال وزير الدفاع الأمريكي جيمس ماتيس إن هذا التغيير يترجم “اعترافنا بأهمية الدول الكبرى والصغرى في المنطقة وأهميتها في تحقيق السلام العالمي”.[17] واستنباطا من استراتيجية البنتاجون في “التموضع المتقدم Forward Positioning”، فإن الولايات المتحدة ليس لها وجود كافي في بحر أندامان الواقع عند نهاية أرخبيل الملايو الذي تعبره خمس التجارة العالمية سنويا. كذلك، تفتقر القوات الأمريكية إلى وجود فعال في خليج البنغال ذا الأهمية الاستراتيجية في المساعي الأمريكية لحصار الصين. الصين وفقا لخطة الحزام والطريق تعتبر ميانمار مرتكزا أساسيا لها وستقوم بإنشاء ميناء لها هناك مربوطا بسكك حديدة مع البر الصيني. وذلك إلى جانب اتفاقات مشابهة مع بنجلاديش. فبمجرد تفعيل هذا الطريق تستطيع الصين النزول إلى المياه الدافئة في خليج البنغال والإفلات من التصيد الأمريكي في الباسيفيك.[18] من هنا تأتي الأهمية الجيو استراتيجية للجيش الهندي في خطة حصار الصين والذي اعتبرته إدارة أوباما “شريك عسكري كبير”[19]، حيث تقوم القوات المسلحة الهندية مستعينة بالبحرية الهندية من آن لآخر في بعض المناورات في الباسيفيك لاسيما في بحر الصين الجنوبي وبحر الصين الشرقي والبحر الأصفر وبحر اليابان. بالإضافة إلى ذلك، فإن اتساع المحيط الهندي وقلة الجزر فيه جعلت من السيطرة الأمريكية على بحر العرب ودول شرق أفريقيا أمرا مرهقا ويحتاج دعما كبيرا من الحلفاء. وعلى الرغم من وجود قاعدة دييجو جارسيا[20] في موقع متميز بين الهند وسواحل شرق أفريقيا، لكن الجزيرة التي تستأجرها القوات الأمريكية من الحكومة البريطانية أصبحت لا تفي بالمتطلبات الاستراتيجية للولايات المتحدة في هذه المنطقة لاسيما بعد أن تضررت كثيرا جراء كارثة تسونامي في 2004 وغمرت كثير من أراضيها مياه المحيط. كذلك، قرب الهند من منطقة وسط آسيا وتداخلها بشكل مباشر في كثير من صراعاته لاسيما صراع كشمير المزمن مع باكستان يجعلها في القلب من الاستراتيجية الأمريكية في المنطقة. كما تتمتع الهند بنفوذ قوي في جنوب وجنوب شرق آسيا لاسيما مجموعة KLMV (كمبوديا – لاوس – ميانمار – فيتنام). فمنذ حرب عام 1962 بين الصين والهند والصراع مشتعل بين الجارتين على السيطرة على هذه المنطقة لما فيها من تهديد مباشر لكل منهما. ومع إقرار سياسة الاتجاه شرقا على يد حكومة ناراسيمها راو في بداية التسعينيات من القرن الماضي، شهدت الهند قفزة قوية في مستوى العلاقات مع هذه الدول وقد استطاعت الهند بناء جسور قوية مع كثير منها بسبب السياسات العدائية لحكومة بكين تجاه تلك الدول. ومع وجود حكومة مودي الحالية، ازدادت أواصر العلاقات بين الهند ومجموعة دول الجنوب بسبب توجه الحكومة الهندوسي القومي والذي يتفهم ويتقارب مع التوجهات البوذية القومية التي تحكم كثيرا من تلك الدول لاسيما ميانمار وكمبوديا.

ثانيا: تعتبر الهند أكبر ديموقراطية على وجه الأرض بجمهور ناخبين يتجاوز 900 مليون ناخب. وهذه النقطة تحديدا تعتبرها الولايات المتحدة متكئا لها في أي محاولة أمريكية مستقبلية لدعم التحول الديموقراطي في مناطق جنوب وجنوب شرق آسيا. وفي قلب بيئة إقليمية ومحلية ساخنة، جاء نجاح رئيس الوزراء مودي في التمسك بمقعده لمدة جديدة ليعزز من التعاون الاستراتيجي بين الهند والولايات المتحدة. فالولايات المتحدة تتقاسم رؤى مشتركة مع حكومة مودي تقوم على استشعار الخطر الصيني ومحاولة التصرف بإيجابية حيال هذا التهديد سواءا كان ذلك عن طريق منظومات التعاون الإقليمي أو التعاون المشترك بين البلدين.[21] كذلك ما يجعل التجديد لحكومة مودي فرصة أمريكية كبيرة هو أنها أول حكومة هندوسية التوجه تنال هذا التأييد منذ الاستقلال. هذا التوجه القومي الهندوسي للحكومة فتح الباب أمام ممكنات للتحالف وعقد شراكات قوية مع مجموعة دول الجنوب التي تحكمها حكومات قومية بوذية في أغلبها؛ هذا إلى جانب أن توجهات حكومة مودي المختلفة تماما عن توجهات حزب المؤتمر بهويته العلمانية الجامعة تتماشى مع توجهات إدارة ترامب وسياساته في مكافحة الإرهاب وعدم الرغبة في أخذ أي إجراء حيال الممارسات المعادية للمسلمين في ميانمار وبنجلاديش وكمبوديا والهند. استجابة للعقوبات الأمريكية، خفضت الهند من صادراتها من النفط الإيراني والفنزويلي؛ وهي خطوة مطلوبة أمريكيا لكن ذلك لم يشفع لها في البيت الأبيض أو يخفف من الكونجرس بسبب التعاون العسكري مع روسيا وعدم قدرة نخبة نيودلهي على الذهاب بعيدا عن تحالفاتهم القديمة مع موسكو والتي كللت بصفقة منظومة الدفاع الجوي إس-400[22] تم توقيعها خلال العام المنصرم.

ثالثا: ترى الولايات المتحدة في الهند شريكا تجاريا واقتصاديا شديد الأهمية. فالولايات المتحدة تستفيد من حالة النمو الاستثنائي الذي تشهده الهند خلال الأعوام الماضية وهو ما أنعش الاقتصاد الأمريكي والاقتصاد العالمي ككله بسبب وفرة الإنتاج ورخص التكلفة بسبب وفرة الأيدي العاملة المدربة وضعف العملة؛ وهو ما مكن الهند من الدخول شريكا أساسيا في معظم سلاسل التوريد وسلاسل القيمة ذات الأهمية الكبرى في الاقتصاد العالمي لاسيما قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات وأدوات الإنتاج والنقل والمنتجات الزراعية وغير ذلك من القطاعات سالفة الذكر. في المقابل، استفادت الهند من البرنامج الأمريكي لنظام الأفضليات المعمم GPS والتي كانت أكبر مستفيد منه على مستوى العالم ولفترة طويلة، وتم شطب الهند من هذا البرنامج[23] أوائل يونيو 2019 وهي خطوة أثارت جدل كبير لاسيما في توقيتها بعد نجاح مودي في الانتخابات. لكن هذا الشطب لا يضر بالعلاقات الاقتصادية بين الولايات والهند نتيجة لضعف أثر هذا البرنامج على اقتصاد ضخم كالاقتصاد الهندي والذي يمنح بموجبه أفضلية في الإعفاءات الجمركية الأمريكية لا تتعدى 6 مليارات دولار.

وقد يكون هناك رابط بين هذا القرار وصفقة إس 400 التي وقعتها حكومة نيودلهي مع موسكو؛ حيث أن ديباجة القرار نصت على أسباب واهية وغير مقنعة لاتخاذه.[24]

بناءا على هذه الحقائق، فإن الولايات المتحدة ومنذ تولي إدارة ترامب تقوم باستغلال الهند كأداة أمنية بشكل أساسي لكبح جماح التنين الصيني عن طريق المناورات الحربية والتعاون الأمني والعسكري في بحر الصين الجنوبي والباسيفيك عموما وسواحل جنوب وجنوب شرق آسيا. وعلى الرغم من عدم استجابة حكومة مودي للطلبات والرغبات الأمريكية بالحد مشتريات الهند العسكرية من روسيا وتحجيم العلاقات التاريخية التي تجمع نيودلهي بموسكو، إلا أن ذلك يعتبر من قبل الأمريكيين أمر هامشي سيتمكنون من التغلب عليه بمزيد من الإندماج العسكري والاقتصادي مع الهند.

الفرصة الأمريكية لنيودلهي (من واقع استراتيجية الهندوباسيفيك الأمريكية)

ترى الولايات المتحدة في حكومة مودي شريكا استراتيجيا يتعين توسيع الشراكة معه من أجل إدماج دفاعي واقتصادي كامل للهند مع التوجهات الأمريكية بعيدا عن روسيا وإيران اللتين تلوح بهما حكومة مودي من فرصة لأخرى. على الجانب الآخر، استجابت حكومة مودي وقامت بعمل إصلاحات في قطاعات الدفاع والمالية والاتصالات والخدمات والتعدين والبنية التحتية عبر أكثر من 50 قانون وقرار يأتي في طليعتها قوانين توحيد الضرائب القومية على السلع والخدمات والسماح بالاستثمارات الأجنبية فوق 50% في قطاعات الصناعات الدفاعية والسكك الحديدية والتأمين والتجارة الإلكترونية.[25]

بناءا على التشريعات الأخيرة لحكومة مودي ووفقا لحالة الصراع الدولي الحالي لاسيما الموقف من الصين، تتيح الولايات المتحدة وحلفائها للهند فرصا كبيرة في مجالات الاقتصاد والدفاع واستثمارات البنية التحتية وغيرها:

فيما يتعلق بالجانب الاقتصادي، فإن أزمة قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات التي نشبت بين الولايات المتحدة والصين في إطار الحرب التجارية الحالية بين البلدين ستؤدي إلى حلحلة وإعادة تنظيم لسلاسل إمداد[26] هذا القطاع برمته في الخمس سنوات القادمة. فعلى سبيل المثال، ستصب أزمة شركة هاواوي التي اندلعت منذ أشهر مع الإدارة الأمريكية وبشكل صريح ومباشر في صالح الولايات المتحدة وحلفائها لاسيما كوريا الجنوبية والهند التي يتوقع أن يشهد قطاع تكنولوجيا المعلومات لديها زخما ونموا كبيرا. ففي الأسابيع الماضية، صعدت الإدارة الأمريكية ضد شركة هاواوي بوضعها على القائمة السوداء للتجارة الأمريكية بسبب ما يتردد عن “أضرار واختراقات للأمن القومي”[27] تنجم عن البنية التحتية لتكنولوجيا الجيل الخامس والذي امتلكت بها شركة هاواوي الريادة وهددت بسحب البساط من شركات غريبة عملاقة في هذا المضمار. استجابة لذلك، قامت شركات تكنولوجيا المعلومات الأمريكية العملاقة مثل جوجل[28] وانتل وبرودكوم وكوالكوم[29] بقطع تعاملاتها الآنية والمستقبلية مع شركة هاواوي بالإضافة إلى بضعة شركات من كوريا الجنوبية وتايوان باستثناء شركة TSMC التايوانية عملاق صناعة أشباه الموصلات في العالم لأسباب تجارية.[30]

كل ذلك سيؤدي إلى ازدهار ونمو واسع لقطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الرائد في الهند لاسيما صناعة أجهزة وبرمجيات الاتصالات الذكية وكل ما يتعلق بتكنولوجيات إنترنت الأشياء IOT والذكاء الاصطناعي AI والواقع المعزز AR من بنية تحتية وأجهزة، وهو سوق يقدر الآن بتريليون ونصف التريليون دولار[31]  [32]ويتوقع لهذا القطاع أن ينمو لأكثر من 50% حتى عام 2030. هذا إلى جانب قطاع خدمات تكنولوجيا المعلومات لاسيما قطاع البرمجة الذي تبرع فيه الهند بشكل استثنائي بسبب كفاية وكفاءة الموارد البشرية في هذا المجال. أضف إلى ذلك أن قرارا محتملا بإغلاق الولايات المتحدة لمصانعها في الصين سيؤدي غالبا لفتح معظمها في الهند لعامل الجغرافيا (من أجل عدم التأثير على سلاسل التوريد) وتوفر التكنولوجيا ورخص الأسعار والأيدي العاملة اللازمة لذلك.

إلى جانب ذلك، تحتاج الهند ضح استثمارات في بنيتها التحتية لاسيما السكك الحديدية التي أرهقت كاهل الدولة خلال الأعوام الماضية؛ وأعدت حكومة مودي تشريعات مخصصة لقبول الاستثمارات الأجنبية المباشرة في هذه البنى التحتية. وهناك عروض دولية للحكومة الهندية في هذا المضمار.

خلال الأعوام الماضية، تعتبر الولايات المتحدة  الهند “شريك عسكري كبير”، وقامت بتوطيد علاقاتها بنيودلهي في ملف التصنيع العسكري حيث دشنت إدارة أوباما في 2012 برنامج أمريكي هندي مشترك للأبحاث والتكنولوجيا والعسكرية تحت اسم “مبادرة التجارة والتكنولوجيا الدفاعية DTTI” ويقع البرنامج تحت إشراف مباشر من وزيري الدفاع في البلدين وينعقد اجتماعين وزاريين كل عام بين البلدين لمناقشة المستجدات في مسارات نقل ومشاركة التكنولوجيا الدفاعية وفرص التصنيع والإنتاج العسكري المشترك.[33] هذا البرنامج أتاح للهند في برامج تصنيع عسكري مشترك لكن نيودلهي لا زالت متشككة في النوايا الأمريكية بسبب المكون الروسي الكبير في سلاح الجيش الهندي والذي تخاف نيودلهي من إحلاله أو أن يفسد تقارب كبير مع الولايات المتحدة علاقاتها القوية مع موسكو.

مستقبل المشروع الهندي في ظل تلك الفرص

مع بداية يونيو 2019، صدر تقرير وزارة الدفاع الأمريكية لاستراتيجية الهندوباسيفيك[34] مؤكدا على أمرين: الأول أن مسار المواجهة مع الصين ليس مسارا سياسيا عابرا بل هو مسار استراتيجي للحكومة الأمريكية، أما الأمر الثاني فإن طريقنا لمواجهة الصين هو عن طريق الشراكات المحلية والإقليمية لاسيما مع مثلث القوى في المنطقة: اليابان والهند وأستراليا.

شكلت الولايات المتحدة مع هذه القوى ما يسمى بالمجموعة الرباعية للحوار الأمني QSD في عام 2007، ولم تكن هذه أول محاولة من قبل هذه الرباعية فقد سبقتها مناورات مالابار البحرية التي بدأت في عام 1992 ووضعت أساس للتعاون بين هذه القوى في إطار الاستراتيجية الأمريكية للباسيفيك الأسيوي والمحيط الهندي. وغطت تلك المناورات السنوية كافة مناطق الباسيفيك الأسيوي وشرق المحيط الهندي من بحر اليابان شمالا حتى خليج البنغال شرقا.

وسط حلفاء الولايات المتحدة الكبار في منطقة الهندوباسيفيك، تعتبر الهند البلد الأكثر تميزا وملائمة للاستراتيجية الأمريكية. فإذا ما قورنت الهند باليابان، فإن الهند تربح الرهان بسبب قواتها المسلحة الضخمة وكذلك مدرستها في التنمية المختلفة كثيرا عن اليابان والتي تؤهلها لأن تكون قاطرة جديدة للنمو في الاقتصاد الدولي. وبطبيعة الحال المقارنة بين أستراليا والهند ظالمة لأستراليا التي يمكن أن نزعم أنه لولا موقعها الجيواستراتيجي على مقربة من مضيق ملقا لكانت لها موقع آخر في الاستراتيجية الأمريكية قد يكون أقل سطوعا.

الإشكالية الأساسية للولايات المتحدة مع الهند أنها ليست بالحليف المطيع. يمكن الجزم بأن هناك توافق على مواجهة الصين بين واشنطن ونيودلهي، لكن هذا التوافق لا يمكن الادعاء بأنه تحول لاتفاق متكامل بمحاور واضحة، والسبب في ذلك الهند. فالهند لا زالت تؤمن بدور لروسيا في تلك المواجهات وهو ما ترفضه أمريكا تماما. من الواقع البراجماتي البحت، فنخبة نيودلهي الحالية ترى أنه في حال شاركت الهند في شد الحزام على أقصاه على الصين فإنها لن تسكت وقد يقوم نزاع صيني هندي كبير سيستمر لسنوات ولن يكون بمقدور الولايات المتحدة إنهائه أو خوض حرب نيابة عن الهند. فالتجربة العسكرية الوحيدة في المواجهة بين بكين ونيودلهي خرجت منها نيودلهي خاسرة. كما أن الصين تستطيع وبشكل حاسم فصل ولايات البنغال الشرقي السبعة مرة واحدة عن الأراضي الهندية في مقتبل أي نزاع عسكري عن طريق السيطرة على حزام سيكيم الاستراتيجي الذي يربط ولايات البنغال الشرقي بالأراضي الهندية وستكون الخسائر الهندية كبيرة جدا ويصعب تعويضها بسهولة.

لذا، فإنه يمكن القول بأن الهند تطمئن الصين بعدم اندماجها الكامل في الاستراتيجية الأمريكية وتترك الباب مفتوحا نحو مواقف تقارب مستقبلي مع التنين الصيني الذي يصعب شراء عداوته. وهناك ملفات كثيرة تقع في محل توافق حالي بين الصين والهند على رأسها الموقف من مكافحة الإرهاب في وسط آسيا لاسيما تنظيم خراسان كذلك دعم الهند للصين في وحدة أراضيها وكذلك الموقف من إيران والرغبة في إدماجها وعدم المواجهة معها.

لكن هل تقف الولايات المتحدة مكتوفة الأيدي أمام هذه الرؤية الهندية شبه المستقلة لصراعات جنوب وجنوب شرقي آسيا؟

في ظل الأوضاع الحالية مع الصين لاسيما الحرب التجارية، فإن الولايات المتحدة سوف تجرب الإدماج الاقتصادي الكامل عن طريق الفرصة الاقتصادية السانحة كمسار للتغيير الهيكلي في سياسات نيودلهي. إن أقوى أداة للسيطرة في النظام الدولي الحالي هي أداة الاقتصاد لاسيما الاقتصاديات كاملة الاندماج. فوفقا للأوضاع السياسية الحالية، يمكن لدولة أن تحقق نموا اقتصاديا هائلا عبر الاستجابة لمطالب أمريكية في إصلاحات سياسية أو ما شابه في وقت قصير جدا مقارنة بالسابق؛ لكن هذا النمو قد يتحول لكابوس مرعب في أي وقت أرادت فيه هذه الدولة الخروج عن العباءة الأمريكية حيث أن عصى العقوبات الأمريكية غليظة جدا ولا يتحملها أحد حتى الأوروبيين حلفاء الولايات المتحدة التاريخيين.

لكن الهند لن ترفض الفرصة الأمريكية الحالية وستمضي قدما باتجاه تمكين أكبر لاقتصاد السوق وفتح للأسواق الهندية أمام الاستثمارات الأجنبية المباشرة FDI. وللهند أسبابها المتعددة في قبول هذه الفرصة لاسيما تطلع إدارة مودي في تحقيق قفزة تاريخية للهند خلال فترة ولايته الثانية. لكن هذه الفرصة قد تسلخ الهند بعيدا عن خياراتها شبه المستقلة في تحديد مسار الصراع مع الصين والعلاقة مع روسيا. وكلما كانت الهند أكثر تماشيا مع المطالب الأمريكية في الهندوباسيفيك كلما أتيحت لها فرصة أكبر للترقي داخل المنظومة الدولية وقد تحتل الهند محل اليابان في هيكل الاقتصاد الدولي في غضون سنوات قليلة. وإذا ما استمرت الحرب التجارية بين الصين والولايات المتحدة لفترة أطول فإن الاقتصاد الصيني سينكمش مقابل نمو كبير في الاقتصاد الهندي وهذه هي اللعبة التي يلعبها الأمريكيون بالدفع بحلفائهم للأمام ومساعدتهم على النمو من أجل ضمان عدم تباطؤ الاقتصاد الدولي.

استراتيجيا، لا يمكن للهند ضمان مقعد على قمة النظام الدولي بدون ثلاثية الردع النووي Nuclear Triad (الصواريخ البالستية – الغواصات النووية – القاذفات الاستراتيجية). واقعيا، تمتلك الهند الضلعين الأولين في هذا الثالوث: صواريخ بالستية يتعدى عددها الألف صاروخ وغواصات نووية من طراز أريهانت ستبلغ أربعة غواصات مع نهاية عام 2022. يتبقى لها الضلع الأخير وهي القاذفات الاستراتيجية وهذه يصعب الحصول من الأمريكان الذين لا يبيعون هذا السلاح لأي حليف مهما كان؛ وهو ما دعي الهند للدخول مع الروس في مفاوضات لشراء قاذفات Tu-22M3.[35] لكنه يمكن للهند الاعتماد على الصواريخ البالستية والغواصات النووية في الردع والاستغناء عن القاذفات بسبب عدم وجود أي عدو لها خارج مرمى الصواريخ أو الغواصات.

هذه الرؤية تقول أنه كلما زادت الفرص الاقتصادية للهنود يقل معها فرص التغريد خارج الاستراتيجية الأمريكية الإقليمية والدولية. وفي الأرجح ستختار الهند خيار الاندماج الكامل داخل الاستراتيجية الأمريكية والتعلم من قصة نهوض اليابان حيث أن الفرصة الاقتصادية الحالية يصعب رفضها وعدم استغلالها. إن حزب بهاراتيا جاناتا وقائده مودي يبحثان عن دور دولي كبير كما أن نخبة نيودلهي بكافة أقطابها تعلم بشكل جيد أن كوهينور الهند المتلالئ لن تتاح له العودة إلا عن طريق البوابة الأمريكية.


[1]  Stewart Patrick and Preeti Bhattacharji: Rising India: Implications for World Order and International Institutions, (Workshop in New Delhi, India), Council on Foreign Relations, 2010

[2] Vojtech Mastny: The Soviet Union’s Partnership with India, Journal of Cold War Studies

Volume 12, Issue 3, Summer 2010, p.50-90

[3] Shashi Bhushan Kumar: P.V. Narasimha Rao: The Precursor of the Era of Economic Reforms in India, Volume: 63 issue: 4, page(s): 616-630, Indian Journal of Public Administration, 2017

[4] India Country Profile, System of National Accounts, United Nations Statistical Department

https://unstats.un.org/unsd/snaama/CountryProfile?ccode=356

[5] World Economic Outlook Update, International Monetary Fund, January 2019

https://www.imf.org/~/media/Files/Publications/WEO/2019/Update/January/WEOupdateJan2019.ashx?la=en

[6] GDP, PPP (current international $), International Comparison Program database, The World Bank Group

https://data.worldbank.org/indicator/ny.gdp.mktp.pp.cd

[7] Film Industry in India – Statistics & Facts

https://www.statista.com/topics/2140/film-industry-in-india/

[8] John J. Mearsheimer: The Tragedy of Great Power Politics, Norton & Company Ltd, 2001

[9] Global Economic Prospects: Heightened Tensions, subdued Investment, World Bank Group 2019

[10] Philip Schellekens: A Changing China: Implications for Developing Countries, Economic Premise (Issue 118), World Bank Group, May 2013

[11] OECD: GDP long-term forecast, Long-term baseline projections, No. 95 (Edition 2014)

https://data.oecd.org/gdp/gdp-long-term-forecast.htm

[12] World Economic League Table 2016 (WELT), Centre for Economics and Business Research

[13] GDP Ranking, PPP Based, Data Catalogue, World Bank Data

https://datacatalog.worldbank.org/dataset/gdp-ranking-ppp-based

[14] US, India, Japan, Philippine Navies Demonstrate Joint Presence in South China Sea, the Diplomat (May 2019)

https://thediplomat.com/2019/05/us-india-japan-philippine-navies-demonstrate-joint-presence-in-south-china-sea/

[15]  أنس القصاص: استراتيجية “الخروف الأسود” … هل تكسر الصين الحصار الأمريكى فى الباسيفيك؟، مجلة السياسة الدولية، شتاء 2019

http://www.siyassa.org.eg/News/17821.aspx

[16] Military Times: INDOPACOM, it is: US Pacific Command gets renamed

https://www.militarytimes.com/news/your-military/2018/05/30/indo-pacom-it-is-pacific-command-gets-renamed/

[17] Times of India: US Pacific Command renamed as US Indo-Pacific Command
https://economictimes.indiatimes.com/news/defence/us-pacific-command-renamed-as-us-indo-pacific-command/articleshow/64398189.cms

[18] Jacob Mardell: Traveling 60,000 KM Across China’s Belt and Road, Reconnecting Asia Project, CSIS, 2018

https://reconnectingasia.csis.org/analysis/entries/traveling-60000km-across-chinas-belt-and-road/

[19] U.S., India sign military logistics agreement, Reuters, 26 August 2016

https://www.reuters.com/article/us-india-usa-military-idUSKCN114241

[20] Camp Justice Naval Base in Diego Garcia

[21] Richard Fontaine: Modi’s Victory Is America’s Opportunity, The National Interest, May 2019

https://nationalinterest.org/feature/modis-victory-america%E2%80%99s-opportunity-60057

[22] S-400: India missile defence purchase in US-Russia crosshairs, BBC, October 2018

https://www.bbc.com/news/world-asia-india-45757556

[23] Trump ejects India from $5.6bn tariff deal over ‘negative’ trade barriers, The Guardian, March 2019

https://www.theguardian.com/world/2019/mar/05/trump-ejects-india-from-56bn-tariff-deal-over-negative-trade-barriers

[24] Proclamation 9902 of May 31, 2019 To Modify the List of Beneficiary Developing Countries Under the Trade Act of 1974, The Office of the U.S. Trade Representative (USTR), June 2019

https://ustr.gov/sites/default/files/Proclamation_9902.pdf

[25] THE MODI GOVERNMENT’S REFORM PROGRAM: A SCORECARD, India Reforms Program, Center for Strategic and Internsational studies,

http://indiareforms.csis.org/

[26] Huawei has reportedly stopped its smartphone production after US blacklist amid trade war, Business Insider

https://www.businessinsider.com/huawei-smartphone-production-us-blacklist-2019-5

[27] US bans Huawei from selling telecom gear and threatens its supply chain, 16 May 2019, CNN

https://edition.cnn.com/2019/05/15/tech/trump-executive-order-telecom-security/index.html

[28] Exclusive: Google suspends some business with Huawei after Trump blacklist – source, Reuters, 19 May 2019

https://www.reuters.com/article/us-huawei-tech-alphabet-exclusive/exclusive-google-suspends-some-business-with-huawei-after-trump-blacklist-source-idUSKCN1SP0NB

[29] US chipmakers hit after Trump blacklists Huawei, Financial Times, 16 May 2019

https://www.ft.com/content/ea36fade-7784-11e9-be7d-6d846537acab

[30] Taiwan’s TSMC says chip shipments to Huawei not affected by U.S. ban, Reuters (22 May 2019)

https://www.reuters.com/article/us-huawei-tech-usa-tsmc/taiwans-tsmc-says-chip-shipments-to-huawei-not-affected-by-u-s-ban-idUSKCN1ST08O

[31] Global revenue from smartphone sales from 2013 to 2018 (in billion U.S. dollars), Statista 2019

https://www.statista.com/statistics/237505/global-revenue-from-smartphones-since-2008/

[32] Consumer Electronics, Statista 2019

https://www.statista.com/outlook/251/100/consumer-electronics/worldwide#market-revenue

[33] India, US to strengthen Defence Technology and Trade Initiative, Jane’s Defence Weekly July 2018

https://www.janes.com/article/81885/india-us-to-strengthen-defence-technology-and-trade-initiative

[34] US Indo-Pacific Strategy Report, US Department of Defense, 2019

https://media.defense.gov/2019/May/31/2002139210/-1/-1/1/DOD_INDO_PACIFIC_STRATEGY_REPORT_JUNE_2019.PDF

[35] India seeks four strategic bombers from Russia

https://www.rbth.com/economics/defence/2016/07/14/india-seeks-four-strategic-bombers-from-russia_611501