التنافس الاستراتيجي في الشرق الأوسط في ديناميات أمنية جديدة

هناك اختلاف بين (النفوذ ذو التأثير) و (التواجد بدون تأثير)، تصور انسحاب الولايات المتحدة من الشرق الأوسط يُعد مبالغة للواقع، لكن نفوذ الولايات المتحدة في المنطقة بالتأكيد في تراجع. تحتفظ الولايات المتحدة بوجود كبير للقوات في المنطقة لضمان استقرار الأوضاع الأمنية، لكن هذه القوات لم تعد تحقق النفوذ الأمريكي المعتاد. يمكننا أن نلاحظ بوضوح الفرق بين قوة الولايات المتحدة ونفوذها في الشرق الأوسط بين الفترة 1991 – 2011 وما بعد 2011. نعم، اليوم، وبعد ثماني سنوات من مزيج من الاضطرابات والثورات والحروب الأهلية في المنطقة وبين عودة منافسة القوة العظمى، جميع العوامل قد غيرت بشكل كبير الجغرافيا السياسية في الشرق الأوسط.

“الاعتقاد بأن الولايات المتحدة لم تعد تعتمد على إمدادات النفط في المنطقة لا تدعمه حقائق سوق النفط العالمية بل تشكل عملية صنع القرار الأمريكي المعاصر”، فقرة من السياسة الخارجية، بروكينجز، يناير 2019، في موضوع صحفي بعنوان “الجغرافيا السياسية الجديدة للشرق الأوسط: دور أمريكا في منطقة متغيرة”. تراجعت الولايات المتحدة عن القيادة الدبلوماسية في عملية السلام في الشرق الأوسط وإدارة الصراع في جميع أنحاء المنطقة. فقط في القضايا المتعلقة بإيران، كان للولايات المتحدة تركيز مستمر، ولكنه لا يعد ثابتاً ولا مؤثراً بالقدر الكاف.

تحاول قوتان دوليتان (الولايات المتحدة وروسيا)، بالإضافة إلى ثلاث قوى إقليمية (إيران وتركيا وإسرائيل)، المساهمة في صياغة القرار الإقليمي للشرق الأوسط، وتحديداً في منطقتي شبه الجزيرة العربية والمشرق العربي (الشام). أرى أن المملكة العربية السعودية تُعد قوى متوسطة ودولة الإمارات العربية المتحدة تُعد دولة صغيرة، أما قطر فتُعد دولة شديدة الصغر، ولكن الدول الثلاث تتسم بالنشاط الإقليمي والدولي، حيث لهما مصالح كبيرة في الشرق الأوسط وعدة مناطق بأفريقيا ومناطق أخرى في آسيا وأوروبا. ولكنهما لا يُعدوا قوى إقليمية. وتحاول مصر، التي لديها أدواراً محدودة نسبياً في شمال إفريقيا (تحديداً في ليبيا) وفي القرن الإفريقي سابقاً (تحديداً في الصومال وإريتريا)، زيادة دورها في بعض بلدان إفريقيا، كما تحاول أن يكون لها دوراً جديداً في الشرق الأوسط، ورغم أن مصر لا تزال تواجه صعوبات في القيام بذلك بشكل فعال ومؤثر، إلا أنها تمتلك قوى شاملة نوعية ومؤثرة، كما تستند على العديد من ارتكازات القوة التي لم تحظى بإدارة جيدة لعقود طويلة، ولذا أرى أن مصر قوة إقليمية صاعدة بالمنطقة.

الصين لا تلعب حالياً دوراً رئيسياً في الشؤون الإقليمية للشرق الأوسط، لكنها تبني علاقاتها الاقتصادية والدبلوماسية في جميع أنحاء المنطقة وتستعد لتكون أكثر نفوذاً على كافة الأصعدة مستقبلاً.

تسعى روسيا إلى استعادة الدولة وسيادتها، وفرض مكانتها واحترامها دولياً، وكذلك تسعى لكسب النفوذ على حساب أخطاء الولايات المتحدة وأوروبا.

تقلص دور الاتحاد الأوروبي في المنطقة نسبياً، ولكنها تحاول تعظيم دورها مستقبلاً. ويحاول الاتحاد الأوروبي تركيز اهتماماته لدرء خطر نشوب صراع في بعض بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا الناتج عن الهجرة غير الشرعية والإرهاب والجرائم العابرة للحدود. قد تسعى بعض دول الاتحاد الأوروبي إلى فرض دور أكبر في المستقبل القريب، وخاصة المملكة المتحدة وفرنسا.

تسعى كل من إيران والسعودية إلى فرض إراداتهما على بعضهما البعض من خلال تنافسهما على النفوذ والسيطرة في مناطق النزاع، أو على الأقل تسعى كل منهما لفرض حالة من التوازن بينهما.

دعمت إسرائيل الانقسام التنافس الطائفي بين دول المنطقة، كما دعمت فكرة استقلال إقليم “كردستان” عن أربعة بلدان مهمة (إيران والعراق وسوريا وكذلك تركيا)، وهو أمر متوقع من إسرائيل تجاه الدول الثلاثة الأولى التي تمثل أخطر تهديد عليها.

تعمل إسرائيل على مواجهة طموحات إيران النووية في المنطقة، على أمل أن تصبح إسرائيل القوة النووية الوحيدة في الشرق الأوسط وإفريقيا. تسعى إسرائيل أيضاً إلى لعب دور فعال في إدارة الصراع بدلاً من فض النواع مع الفلسطينيين وغيرهم. وتشارك إسرائيل الأهداف الأمنية السعودية المتمثلة في تقويض قدرات إيران باعتبارها عدواً مشتركاً لهما، إلا أن الرأي العام العربي يضع قيودًا على عمق التعاون السعودي الإسرائيلي.

تمتلك تركيا حاليًا إستراتيجية قومية/ إسلامية مزدوجة وتشارك بشكل متزايد في الشؤون الإقليمية حيث تسعى إلى توسيع نفوذها في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا والقرن الإفريقي ومنطقة البلقان. تلك التطلعات التي عادت على تركيا بالعديد من المشكلات والأزمات، خاصةً بعد تزايد تحركها للتنقيب عن الغاز الطبيعي شرق المتوسط ​​دون توافق دولي / أوروبي / إقليمي.

السبب الرئيسي المعلن لانقسام بمجلس التعاون الخليجي هو اتهام قطر بدعم تنظيم الإخوان المسلمين (كمنظمة إرهابية تهدف إلى تقويض القومية العربية والاستيلاء على السلطة التي تحكم جميع الدول العربية)، وكذلك قيامها بتعزيز علاقاتها مع إيران. ومع ذلك، دفع هذا الانقسام الخليجي قطر إلى تعزيز علاقاتها مع إيران ودعم الإخوان المسلمين بصورة أكبر. تعتبر قطر تنظيم الإخوان المسلمين أداة سياسية معتدلة دينياً، يمكنها تحقيق أمن قطر وحماية مصالحها في عدة مناطق بالشرق الأوسط وإفريقيا. أدى الانقسام الخليجي أيضاً إلى انقسام إقليمي ودولي يتماشى مع مصالح الدول بطرفي الانقسام.

كل ما سبق زاد من التنافس بين الدول العظمى من جانب ودول المنطقة في الشرق الأوسط من جانب آخر، وأثر بشكل كبير على إدارة النفوذ والعلاقات الدولية بشكل عام في المنطقة.

لــواء أ.ح. ســــيد غنــــيم
زميل أكاديمية ناصر العسكرية العليا
رئيس مركز دراسات شؤون الأمن العالمي والدفاع
www.igsda.org