“البيئات السياسية والأمنية المتغيرة في الشرق الأوسط بعد الربيع العربي”

أولاً: مقدمة:

خلال العقد (2001 – 2010) واجهت العديد من الدول العربية تحديات كبيرة مثل التدهور الكبير في الظروف الاقتصادية والتعليم والصحة وما إلى ذلك، من ناحية أخرى، ارتفعت معدلات التضخم والبطالة والفساد. أدت الخلافات العرقية والطائفية، والفجوة بين النخبة الحاكمة والشعب، والقيود السياسية والأمنية والتدخل في إجراءات الانتخابات البرلمانية إلى انقسام سياسي واجتماعي. التدخل الخارجي الأجنبي في شؤون بعض الدول العربية لفرض نفوذها ومصالحها أو لتوجيه الوضع إلى مسارات سياسية وأمنية محددة،ى فضلاً عن إضعاف الأنظمة الحاكمة بالإضافة إلى شعوب غير راضية أدت إلى حدوث ما سمي بـ”ثورات الربيع العربي”.

كل ذلك ساهم في انتشار الإرهاب في الشرق الأوسط وكذلك بعض الدول الإفريقية المحيطة، مع التأثير الإيراني المواجه من خلال البعد الطائفي في المنطقة. وكذا زيادة الوضع السياسي والأمني المعقد، خاصة في سوريا وليبيا واليمن.

كان تأثير الربيع العربي على الشرق الأوسط عميقًا، حتى لو لم تكن نتيجته النهائية واضحة في جيل واحد على الأقل في أماكن كثيرة. بدأت الاحتجاجات التي انتشرت في جميع أنحاء المنطقة في أوائل عام 2011 في عملية تحول سياسي واجتماعي طويلة الأجل، تميزت في المراحل الأولية بشكل أساسي بالاضطرابات السياسية والصعوبات الاقتصادية وحتى الصراع.

أعتقد أن الأمن والإزدهار والحريات هم أهم ضحايا سوء استغلال ثورات الربيع العربي.

ثانياً: أهم متغيرات البيئات السياسية والأمنية بالشرق الأوسط

نهاية حكومات غير خاضعة للمساءلة

كان أكبر إنجاز منفرد للربيع العربي في إظهار أنه يمكن إبعاد الطغاة العرب من خلال ثورة شعبية على مستوى القاعدة الشعبية، بدلاً من الانقلاب العسكري أو التدخل الأجنبي كما كان الحال في الماضي (تذكر العراق؟). بحلول نهاية عام 2011، كانت الحكومات في تونس ومصر وليبيا واليمن قد اجتاحتها الثورات الشعبية، في استعراض غير مسبوق لقوة الشعب.

حتى إذا نجح العديد من الحكام الاستبداديين الآخرين في التشبث، فلم يعد بإمكانهم قبول جماهير الجماهير كأمر مسلم به. لقد اضطرت الحكومات في جميع أنحاء المنطقة إلى الإصلاح، مدركة أن الفساد وعدم الكفاءة والوحشية التي تمارسها الشرطة لن يتم التصدي لها بعد الآن.

نشاط سياسي متزايد ومتشعب

شهد الشرق الأوسط انفجارًا للنشاط السياسي، خاصة في البلدان التي نجحت فيها الثورات في الإطاحة بالزعماء الذين ترأسوا بلادهم لفترات طويلة. تم إطلاق المئات من الأحزاب السياسية وجماعات المجتمع المدني والصحف والمحطات التلفزيونية ووسائل الإعلام على الإنترنت، بينما يهرع العرب لاستعادة بلادهم من النخب الحاكمة المتحجرة.

والنتيجة هي مشهد سياسي غني بالألوان ولكنه مجزأ ومتقلب، يتراوح من المنظمات المتطرفة إلى الليبراليين والإسلاميين كالاخوان المسلمين والمتشددين كالسلفيين. غالبًا ما يتم خلط الناخبين في الديمقراطيات الناشئة، مثل مصر وتونس وليبيا، عندما يواجهون عددًا كبيرًا من الخيارات. وما زال “براعم” الربيع العربي يطورون ولاءات سياسية مختلفة، وسوف يستغرق الأمر بعض الوقت قبل أن تتجذر الأحزاب السياسية الأكثر اعتمادية.

جديرٌ بالذكر أن محاولات دعم الحركات الثورية الأخيرة بعد يونيو 2013 التي مورست في مصر والأردن والسودان لم ينجح منها سوى محاولة السودان عام 2019.

تطوير الاستراتيجيات

تمسكت دولة الإمارات بالمعايير الدولية العلمية الدولية سواء البحثية والتعليمية والوظيفية والإدارية والأمنية والصحية فضلاً عن قيامها بمشروعات تطوير مختلفة وسريعة في بنيتها التحتية وفي الصناعات غير النفطية كالطاقة النووية وتصنيع السلاح وتطوير قطاع الطيران والسياحة، فضلاً عن التوعية الثقافية والدينية وغيرها، في محاولة لبناء حصن منيع يتصدي للتداعيات السلبية المحيطة لثورات لربيع العربي .

كما قامت السعودية بتحديث المنهج الديني بالإنقلاب على الوهابية والانخراط نسبياً في برامج علمانية مع الالتزام بالهوية الدينية، الأمر الذي قلل الشعور بالخطر من قبل دول الغرب تجاه الحركة الوهابية التكفيرية بالسعودية. كما قامت السعودية بإجراء إصلاحات اقتصادية كبيرة لم تظهر عائداتها بعد.

كما قامت الأردن وسلطنة عمان والكويت بتنفيذ عدة اصلاحات اقتصادية واجتماعية لصالح مواطنيها.

أما مصر، فقد واجهت تغيرين جذريين، حيث نجح تنظيم الإخوان المسلمين في دفع حزب سياسي (الحرية والعدالة) تمكن من النجاح في الانتخابات والسيطرة على حكم مصر لفترة عام كامل عقب ثور/يناير 2011. تلا ذلك ثورة شعبية مضادة، دعمتها القوات المسلحة المصرية، أطاحت بالرئيس الإخواني، ليأتي رئيس جديد لمصر ذو مرجعية عسكرية، جعل القوات المسلحة أحد ركنين رئيسيين (القوات المسلحة والمرأة المصرية)، كارتكازين، بنى عليهما استراتيجيته ثلاثية الأبعاد (أمني – عسكري – اقتصادي) لضمان بناء قوة اقتصادية/ عسكرية تمكنه من الاستمرار وتحقيق باقي أهدافه استراتيجيته.

تصعيد خطابات الكراهية

تأججت عواطف الكراهية بين معظم فئات الشعب المصري وحماس وأتباعهم في قطاع غزة، وكذا بين طوائف عدة بالشعب المصري خاصة الداعمة للقوات المسلحة مقابل الإخوان المسلمين، فضلاً عن خطابات الكراهية بين الطوائف الدينية وكذا بين العرقيات المختلفة في عدة دول بالمنطقة خاصة سوريا واليمن وليبيا والعراق.

الانقسام المجتمعي

لكن الآمال في الانتقال السلس إلى أنظمة ديمقراطية مستقرة سرعان ما تلاشت مع ظهور انقسامات عميقة حول دساتير جديدة وسرعة الإصلاح. في مصر وتونس على وجه الخصوص، انقسم المجتمع إلى معسكرات إسلامية وعلمانية.

نتيجة لانعدام الثقة العميق، سادت عقلية الفائز كلها بين الفائزين في أول انتخابات حرة، وبدأ تضييق مجال التسوية، ليصبح من الواضح أن ثورات الربيع العربي بشرت بفترة طويلة من عدم الاستقرار السياسي، وأطلقت العنان لجميع الانقسامات السياسية والاجتماعية والدينية التي اكتسحتها الأنظمة السابقة.

تزايدت حدة التوتر بين السنة والشيعة في الشرق الأوسط منذ عام 2005 عندما انفجرت أجزاء كبيرة من العراق في أعمال عنف بين الشيعة والسنة. وفي مصر بين الإخوان المسلمين من جانب ومعظم الطوائف الشعبية والجيش والشرطة من جانب آخر في مصر. وقد عزز الربيع العربي هذا الاتجاه في العديد من البلدان العربية.

الاحتجاجات في البحرين التي يحكمها السنة كانت إلى حد كبير من عمل الأغلبية الشيعية التي طالبت بقدر أكبر من العدالة السياسية والاجتماعية من وجهة نظرهم. كان معظم السنة، حتى أولئك الذين ينتقدون النظام الحاكم، خائفين من الوقوف إلى جانب الحكومة. في سوريا، انحاز معظم أعضاء الأقلية الدينية العلوية إلى النظام الحاكم بقيادة (الرئيس بشار الأسد)، مما أثار استياءً عميقًا من الأغلبية السنية.

تزايد الصراعات والحروب الأهلية

في بعض البلدان، أدى انهيار النظام القديم إلى نزاع مسلح. على عكس معظم أوروبا الشرقية الشيوعية في نهاية الثمانينيات، لم تستسلم الأنظمة العربية بسهولة، في حين فشلت المعارضة في تشكيل جبهة مشتركة.

انتهى الصراع في ليبيا بانتصار المتمردين المناهضين للحكومة بسرعة نسبية فقط بسبب تدخل حلف الناتو ودول الخليج العربية، ولكن كفة الصراع تعود الآن للجيش الليبي بقيادة حفتر ضد الميليشيات السلفية والإخوانية في طرابلس ومصراتة.

الانتفاضة في سوريا، مجتمع متعدد الأديان يحكمه أحد أكثر الأنظمة العربية قمعية وذلك كما يراه معارضيه، مما انحدر بالبلاد إلى حرب أهلية وحشية طال أمدها تدخل خارجي. وقد زاد التدخل التركي في سوريا من حدة الصراع.

انتشار التنظيمات الإرهابية

(67) تنظيم وجماعة إرهابية تم حظرهم دولياً حتى نهاية 2014، فضلاً عن تنظيمات أخرى تم حظرها بواسطة دول مجلس التعاون الخليجي كالإخوان المسلمين والحوثيين وحزب الله. بينها (32) جماعة إرهابية بالشرق الأوسط، منها (18) جماعة تم حظرها اعتباراً من عام 2014، العديد منها أعلنت مباعيتها لداعش.

في عام 2004، شكل الأردني “أبو مصعب الزرقاوي” جماعة “التوحيد والجهاد” في العراق، معلنا تعهده بالولاء للقاعدة كممثل لها في المنطقة ضد القوات الأمريكية في العراق. في عام 2006 خرج الزرقاوي قبل وفاته مباشرة معلنا تشكيل مجلس شورى المجاهدين بقيادة عبد الله راشد البغدادي، الذي عين أبو حمزة المهاجر قائدا للمنظمة في العراق، حتى قُتل خلال غارة جوية أمريكية في أكتوبر 2010. بعد ذلك، تم اختيار أبو بكر البغدادي (الذي أطلق على نفسه لقب أمير الدولة الإسلامية في العراق والشام) خلفًا لأبي عمر البغدادي، لكن اسمه الأصلي كان “إبراهيم البدري”. والبدري من عائلة سلفية تكفيرية، درس حتى درجة الدكتوراه في الجامعة الإسلامية في بغداد. وقد تم اعتقاله لمدة عامين في سجن أمريكي في العراق، ثم أطلق سراحه في عام 2006، وبدء مرة أخرى أنشطته ولكن دون إعلان نفسه.

وقبل أشهر قليلة من الربيع العربي، أعلن البغدادي تنظيم داعش في العراق واستمر في تسليحه وتدريبه لمدة عامين. ثم بدأ في استغلال الحرب الأهلية السورية للاندماج مع “جبهة النصرة” في سوريا في أبريل 2013 والتي سميت فيما بعد “فتح الشام”.

في رأيي، هدف داعش هو “إقامة قاعدة إستراتيجية للخليفة الإسلامي تمتد من العراق وسوريا إلى ليبيا ودول شمال إفريقيا حتى موريتانيا وبلدان الصحراء في الغرب. وهذا سيسمح لداعش بالتوسع في جميع الاتجاهات الجغرافية في الشرق الأوسط وشمال وشرق إفريقيا، وإلى وسط وجنوب شرق آسيا، ستزيد هذه التوسعات من التهديد تجاه أوروبا وأفريقيا والشرق الأوسط وآسيا، ويعتزم داعش تحقيق هذا الهدف من خلال فرض السيادة الكاملة على المدن الحيوية التي تمتلك الموارد، وخاصة الطاقة، وعزلها، مع العمل على تغيير هوية تلك المدن من القومية إلى العقائدية”.

عدم اليقين بالأوضاع الاقتصادية

كان الغضب من بطالة الشباب وسوء الأحوال المعيشية أحد العوامل الرئيسية التي أدت إلى الثورات. احتل النقاش الوطني حول السياسة الاقتصادية المقعد الخلفي في معظم البلدان، حيث تتنازع المجموعات السياسية المتناحرة حول تقسيم السلطة. وفي الوقت نفسه، تمنع الاضطرابات المستمرة المستثمرين الكبار وتخيف السياح الأجانب.

كانت إزالة الديكتاتوريين الفاسدين خطوة إيجابية للمستقبل، لكن الناس العاديين لا يزالون بعيدون عن رؤية تحسينات ملموسة لفرصهم الاقتصادية.

تنافس القوى الإقليمية

تمكنت القوى الإقليمية بالشرق الأوسط من الإستفادة من الثورات، حيث حاولت كل من إسرائيل وتركيا وإيران إستثمار تداعياتها والخروج بمكاسب عن طريق دعمهم لعناصر فاعلة بدول المنطقة كمسرح للتنافس.

فركزت إيران على الاستمرار في مد مذهبها الشيعي في سوريا ولبنان والعراق واليمن عن طريق الموالين لها ووكلائها بالمنطقة، لتصبح رقم في معادلة التسويات السياسية في دول النفوذ، كما دعمت إيران الحركات الشيعة المسلحة في سوريا والعراق واليمن ولبنان واستخدمتها كقوات مسلحة (بالوكالة) كحزب الله في لبنان وسوريا والحوثيين في اليمن والحشد الشعبي في العراق. واستمرت تركيا في دعم الإسلام السياسي المتمثل في (الإخوان المسلمين) في مصر وتونس وليبيا وسوريا واليمن، كما استفادت تركيا من الموقف الليبي سواء أمنياً في الداخل الليبي أو اقتصادياً باتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع حكومة السراج.

أما إسرائيل فقد حاولت استغلال الأكراد، فدعمت فكرة انفصالهم وبما يمكن من تقسيم إيران والعراق وسوريا من خلال الأكراد المتواجدين بتلك الدول الثلاث، إلا أنها خسرت الموقف أمام الدولة الرابعة المتأثرة وهي تركيا نظراً لتهديد الأمن القومي التركي.

استمرت إسرائيل على النظر لمنطقة الشرق الأوسط على أنها تنقسم لأربع محاور وهــي:

المحور الشيعي الإيراني (إيران وحزب الله وحلفائهم).

المحور الإخواني (الإخوان المسلمين)، بدعم حزب إردوجان الحاكم.المحور الجهادي العالمي (التنظيمات الإرهابية كداعش وغيرها).

المحور السني العربي (ويتضمن دول الخليج في الأساس، بالإضافة إلى مصر والأردن).

وقد نجحت إسرائيل في تطبيع علاقاتها مع دول الخليج جميعها، فضلاً عن حشد المحور السني العربي متمثلاً في السعودية والإمارات في مواجهة إيران والتنظيمات الشيعية (عدو إسرائيل الرئيسي) بدعم الولايات المتحدة التي قررت الانسحاب من الاتفاقية النووية.

ومن أهم تداعيات ثورات الربيع العربي التنافس المتزايد بين القوى الإقليمية والدول الفاعلة بالمنطقة، فضلاً عن نجاح إسرائيل في جذب أهم الدول العربية للتطبيع معها، الأمر الذي دعمه أزمة قطر كذلك.

ثالثاً: ملاحظات نهائية ورؤية مستقبلية

استمرار عدم الاستقرار في سوريا وليبيا وربما اليمن مع احتمال زيادة عدم الاستقرار في العراق

وذلك نتيجة لتزايد خطابات الكراهية والإصرار على النزاع على السلطة، فضلاً عن استمرار وتزايد التنافس الإقليمي والدولي والذي يزيد من اشتعال الأزمات في المنطقة.

ظهور بدائل للإسلام السياسي

بعد الهزيمة التي طالت الأحزاب السياسية والتنظيمات المسلحة الدينية، خاصة الأحزاب السياسية التابعة لتنظيم الإخوان المسلمين سياسياً والتنظيمات الإرهابية عسكرياً، من المتوقع ظهور تنظيمات سياسية إسلامية جديدة كبديل للإخوان المسلمين، أو ربما تنظيم الإخوان المسلمين في صور مختلفة، بهدف إستعادة دورها في المنطقة.

احتمال انطلاق ثورات جديدة في المنطقة

مع نجاح الثورة الأخيرة في السودان، أتوقع محاولات إطلاق ثورات أو تحركات قوى معارضة لإسقاط الحكم الحالي في كل من مصر والأردن والمغرب وغيرها، ومع ذلك، أعتقد أنه لن تنجح أي ثورات في مصر على المدى القصير أو المتوسط. والسبب يكمن في تركيز الحكومة على البعد الاقتصادي والبنية التحتية، والذي يتسق مع التضرر الشعبي الشديد من نتائج الثورات ونجاح الحكومة في فقدان ثقة فئات شعبية كبيرة في الإخوان المسلمين من جانب وفي بعض التوجهات السياسية الليبرالية بمصر من جانب آخر، مع الوضع في الاعتبار عدم الثقة المتبادل بين الإخوان المسلمين والقيادات السياسية الليبرالية بشكل عام.

Sayed Ghoneim, MG (ret)
Chairman, IGSDA