بعد أربعة أشهر من تفشي فيروس كورونا المستجد.. الولايات المتحدة أم دونالد ترمب في أزمة؟

أربعة أشهر تقريباً مرت على أزمة تفشي فيروس كورونا المستجد في العالم، الأمر الذي يعاني فيه العالم ليس فقط من تفشي فيروس خطير غير معلوم دوائه للآن، ولكن أيضاً من تنافس الدول وتصفية حسابات وتبادل الاتهامات الذي لا ينتهي.. ويمكن تلخيص رؤيتي للوضع في النقاط الآتية:

أولاً: الرئيس ترمب لا يرى إلا نفسه لدرجة أن عقيدته التي أسماها “أميركا أولاً” كنت قد أسميتها “ترمب أولاً” في حلقة نقاش أوروبية بأبوظبي في نوفمبر 2017، لأنني كنت أرى، وما زلت إن ترمب يبني قراراته على ثلاث أركان رئيسية وهي: (الربح المباشر، وترمب هو الأفضل، وكل من قبل ترمب هم الأسوأ).. الأمر الذي جعله يلغي كافة قرارات الرئيس باراك أوباما الذي قبله، ومنها إستراتيجية مواجهة أخطر تهديدا للأمن العالمي (التغيرات المناخية) والتي طرحها أوباما ورصد الكونجرس لها ميزانية ضخمة، ووقعت عليها دول كبرى.

ثانياً: ربما أصعب فترات تمر بها آلية صنع القرار الأمريكي هي الفترة الحالية، ونلاحظ كل يوم التخبط الواضح والتراشق المتبادل بين ترمب وخصومه من الحزب الديمقراطي وغيرهم في الداخل الأمريكي. هذا التخبط زاد من هجوم الديمقراطيين الأمريكيين ضد ترمب، خاصة مع بوادر حلول انتخابات الفترة الرئاسية التالية للولايات المتحدة، والتي ظهر فيها مؤخراً مقاطع فيديو سابقة لأوباما ووثائق لجهات حكومية ومراكز دراسات أمريكية تشير لاحتمالات انتشار وباء عالمي يهدد العالم كله بما فيه الولايات المتحدة، وأن الوباء المحتمل قد يكون ناتج عن تطور فيروسي أو تسرب غير متعمد من أي من معامل أبحاث الفيروسات في العالم.. وهو ما يعد ضمن التقديرات والتنبؤات الاستراتيجية المبررة بالأبحاث المتواصلة. وقد كان كل هذا في إطار دعم أوباما لإستراتيجيته الكبرى بشأن مواجهة التغيرات المناخية والتحديات البيئية والتي تتضمن أخطر تهديدات وتحديات تواجه الأمن العالمي بصفة عامة والولايات المتحدة بصفتها دولة عظمى تبني استراتيجيتها على نظام عالمي واقع تحت هيمنتها.

ثالثاً: في منتصف شهر مارس الماضي، ومع أزمة تفشي الوباء، نُشر لي تقدير موجز حول “أثر انتشار فيروس كورونا المستجد على الموقف الإقليمي/الدولي والتنافس في الشرق الأوسط”. في الجزء الأخير منه، وتحديداً فقرة الولايات المتحدة، أوضحت أن الأزمة ستمثل ضربة قاسية لدونالد ترمب في ذروة عام انتخابي عاصف بالنظر إلى الانخفاض الحاد في الاقتصاد ومؤشرات البورصة الأمريكية والعالمية، والتي كانت من قبل نقاط قوة يربط بها ترمب نجاح رئاسته. وفي نفس التقدير، وضحت في فقرة الصين، كيف أن التنين العملاق بعد إجراءاته الاستراتيجية الضخمة لمجابهة الفيروس سيحاول التحول من حالة الاتهام بكونه “مصدر الوباء وسبب تفشيه في العالم” إلى حالة “ملاك الرحمة منقذ العالم” وتكاد الصين أن تنجح في ذلك بالفعل، خاصة مع تخوف من التعرض لمطالبات غربية قانونية بتعويضات طائلة ولعقوبات ضخمة تهدد الاقتصاد الصيني بشدة. إلا أن اللوم واتهامات التقصير الموجهة للصين بقوة بشأن تأخيرها في الإبلاغ عن تفشي الفيروس وفشلها في احتوائه وعدم انتشاره عالمياً، وبشأن التستر على أعداد المصابين الحقيقيين، ما زالت تلاحقها من الولايات المتحدة ومعسكرها الغربي، بل ومؤخراً أعلن المتحدث الرسمي لوزارة الصحة الإيرانية وعضو برلماني إيراني لومهما لإيران لنفس الأسباب. أما روسيا، فلم تغير من سياستها، بل زادت منها مستغلة الأزمة حيث تركز جهودها في تصاعد التنافس الصيني/ الأمريكي والأوروبي/ الأمريكي والأوروبي/ الأوروبي، مهما كانت النتائج.

رابعاً: منذ حوالي ثلاث أسابيع قامت الولايات المتحدة، والذي أظنه تنفيذاً لتخطيط مسبق من عام تقريباً، بنشر ثاني مجموعة قتال حاملة طائرات أمريكية لتنضم على حاملة الطائرات الأولى التابعة للأسطول الخامس الأمريكي في منطقة الخليج العربي، ولكن هذه المرة في بحر عُمان جنوب شرق مضيق هرمز، ربما تحسباً لأعمال عسكرية استفزازية محتملة من جانب إيران تجاه القوات الأمريكية في المنطقة، أو تحسباً لانفجار محتمل في الداخل الإيراني نتيجة عدم سيطرتها على الفيروس والانقسام السياسي بين حكومة روحاني والحرس الثوري الإيراني، أو احتمال قيام الحرس الثوري الإيراني بتصعيد أعماله العدائية من المستوى التكتيكي ضد ناقلات النفط إلى المستوى الاستراتيجي من خلال تنفيذ عمل عسكري مباشر ضد القطع البحرية التابعة للأسطول الخامس الأمريكي.

في غضون ذلك، قامت السعودية بتخفيض شديد في سعر النفط أضرت به روسيا بشكل مباشر من جانب، كما ضربت سوق النفط الصخري الأمريكي في مقتل من جانب آخر، والسبب أن الانخفاض الحاد في سعر النفط الشرق أوسطي أثر بشدة على سوق النفط الصخري الأمريكي، وربما شركات نفط أمريكية كبرى ستعلن إفلاسها قريباً، وأظن أن السعودية كان هدفها الأساسي تأكيد استقلال قرارها التام دون الرجوع للراعي الرسمي لسعر النفط في العالم وهو الولايات المتحدة، وانتقاماً من روسيا التي خفضت سعر النفط في خطوة سابقة قبل السعودية. الأمر الذي بدوره يؤثر بشدة على موقف ترمب في الانتخابات الرئاسية القادمة.

خامساً: كل ما سبق لا شك سيتسبب في أن ترمب سيجن جنونه أكثر وسيعمل المستحيل للحفاظ على مركزه السابق في الانتخابات الرئاسية بعد النكبات التي نجا منها قبل أزمة كورونا، وكادت أن تطيح به وهو على رأس أقوى دولة في العالم.. وكرد فعل، من أحدث ما قام به ترمب مؤخراً، التلويح باتهامات إهمال (غير مبررة) تجاه الصين، أن إهمالها من المحتمل أن يكون قد أدى لتسرب فيروس كورونا المستجد من مركز ووهان لأبحاث الفيروسات أثناء إجراء دراسات على الخفافيش، وهو الأمر الذي وجهته الصين نفسها لباحثة متخصصة بالمركز تدعى بروفيسور “شي زينج لي” في بداية الأزمة، ولكن الصين أعلنت أن التحقيقات أثبتت عكس ذلك كما نُشر في الـ “فورين أفيرز” وقتها، الأمر الذي بات مقنع علمياً للولايات المتحدة وأوروبا ومنظمة الصحة العالمية.

سادساً: الخلاصة، أن العالم اليوم يرى نفسه واقعاً بين الولايات المتحدة، التي لا يرى رئيسها أحداً إلا نفسه، وكأن شعاره “ترمب أولاً” ولو على حساب الكون.. والذي يرى الصين لا تعترف بمسؤوليتها في الكارثة التي أضرت بالعالم أجمع، وأنها تركز على أن تخرج منها نقية السمعة بأقل خسائر، بل بأي مكاسب ممكنة.. وروسيا، التي لن يرتاح لها بال إلا والعالم في شتات. ورغم أن الدول الثلاث ومعها أوروبا ودول آسيوية أخرى تعمل بجد حالياً على اكتشاف مصل وعلاج للفيروس، إلا أنه قد أثبت أن الأمر لن يبت فيه نهائياً بنجاح أي من الجهود الدولية قبل عام أو عام ونصف. الأمر الذي يستدعي شدة الحذر والتكاتف الدولي وحشد الجهود لطرح حلول، بدلاً من السعي نحو المصالح المنفردة والتملص من المسؤولية، لأن العالم واقع تحت تهديد غير معلوم الملامح، وقد يؤدي لعواقب وخيمة، أقوم مع فريق من زملائي بدراسة أبعادها بدقة حالياً.