التدخل التركي في ليبيا واليمن

التدخل التركي في ليبيا

أعلنت تركيا وليبيا، في 27 نوفمبر 2019 عن قيام وزيرا خارجية البلدين بتوقيع مذكرتي تفاهم في اسطنبول، الأولى حول التعاون الأمني والعسكري، والثانية بشأن تحديد مناطق النفوذ البحرية، تهدف إلى حماية حقوق البلدين النابعة من القانون الدولي، في خطوة اعتُبرت مكسباً لسياسات أنقرة في شرقي البحر المتوسط.

ويظهر الانتشار العسكري المتزايد لأنقرة في ليبيا نفوذ تركيا المتزايد في منطقة مضطربة، حيث استعرضت تركيا عضلاتها مؤخراً من شمال سوريا إلى شمال العراق، تلاحق مجموعات حزب العمال الكردستاني/ قوات حماية الشعب الكردية. في العقدين الماضيين، في ظل زعيمها الطموح، الرئيس رجب طيب أردوغان، وسعت تركيا نفوذها في جميع أنحاء الشرق الأوسط، ليس فقط كدولة مستوحاة من القيم الديمقراطية ولكن أيضا كدولة لا تتردد في استخدام قوتها العسكرية إذا لزم الأمر.

أولاً: الاتفاقية الاقتصادية بين تركيا وحكومة الوفاق الوطني برئاسة السراج

تتضمن الاتفاقية الاقتصادية ترسيم جديد للحدود البحرية التركية حيث تحدد احداثيات المنطقة الاقتصادية الخاصة بتركيا كما تضمن لليبيا مساحة 16700 كم2 في الوقت الذي تزيد من حجم المياه الاقتصادية التركية التي تعتبر نفسها مظلومة في هذا الشأن من قبل دول الجوار. لا شك أن الهدف الرئيسي التركي في ذلك هو إجرار كل من اليونان وقبرص وإسرائيل ومصر على العودة لمناقشة مسألة الحدود البحرية وتقسيم الثروات شرق المتوسط مع إدراج تركيا وعدم تجاهلها من جانب، ومن جانب آخر استمرار تركيا في خلق كروت ضغط على أوروبا ولكن هذه المرة بشكل يهدد حركة الغاز المزمع تصديره لها من دول الجوار شرق المتوسط بعد تسييله بمصر.

أما الاتفاقية التركية/ الليبية الأمنية فتشمل نقل الأسلحة والدعم الني وتبادل المعلومات والتدريب الأمني وتبادل أنظمة الأسلحة فضلاً عن إمكانية نشر قوات تركية بليبيا لمدة ثلاث سنوات مقبلة وتنفيذ تدريبات مشتركة وإنشاء مكتب مشترك للتعاون في مجالي الدفاع والأمن بين البلدين.

الاتفاقيتان تتيحا الفرصة لتركيا لاستكشاف الطاقة بشكل أوسع وعدم حصرها في خليج أنطاليا، من منطلق أن تركيا تمتلك أطول ساحل مطل على البحر المتوسط وأنها جزء من شرق المتوسط ولها أن تتمتع بالحقوق أسوة بجيرانها ومن منطلق اعتراف تركيا بما أسمتها “جمهورية شمال قبرص”، رغم أنها الدولة الوحيدة التي تعترف بها في العالم. لا شك أن هذه الاتفاقية كانت القشة التي قسمت ظهر البعير بالنسبة لإيطاليا التي حولت دفة دعمها عن حكومة السراج.

أما السراج، فهو أيضاً مستفيد من تلك الاتفاقيات بالطبع، حيث تمكنه من دعم قوات طرابلس ومصراتة وإمكانية تزويدها بالأسلحة والمعدات والتدريب بل وربما التدخل العسكري التركي إذا لزم الأمر أما هجمات حفتر.

ثانياً: التدخل العسكري التركي في ليبيا

حديثاً، وتحديداً في 2 يناير 2020، أقرت الجمعية الوطنية الكبرى لتركيا تفويضاً لمدة عام من أجل نشر القوات في ليبيا، وفي 5 يناير، بدأت تركيا في نشر قوات في ليبيا بالفعل. الأمر الذي قوبل بالرفض من الاتحاد الأوروبي وقبرص واليونان وفرنسا ومصر وإسرائيل، كما رفضت تونس طلب تركيا استخدام أراضيها للشحنات العسكرية. ورغم ذلك لم تتوقف تركيا عن دعمها العسكري المباشر لحكومة الوفاق الوطني في ليبيا يمكن تلخيصه في الآتي:

رداً على هجوم قوات حفتر خلال الأسبوع الثاني من مارس ضد ميلشيات حكومة الوفاق الوطني وقيامه بحصار طرابلس من الجنوب ومصراتة من الاتجاه الجنوب الشرقي، أطلقت حكومة الوفاق الوطني هجومًا مضاداً في 25 مارس أطلق عليه اسم عملية عاصفة السلام لصد قوات حفتر معتمدة فيه على الدعم العسكري التركي، والذي استخدمت فيه تركيا التكتيكات التي استخدمتها – والتي اعتبرتها ناجحة على ما يبدو – في المواجهة التي استمرت خمسة أيام في إدلب السورية في أواخر فبراير وأوائل مارس الماضيين، والتي تعتمد على زيادة حجم الطائرات المسلحة بدون طيار التي تستهدف مراكز القيادة والسيطرة الهامة وأسلحة قوات حفتر الحرجة إلى جانب أسلحة الدعم من المدفعية والصواريخ.

التدخل التركي في اليمن

في مايو 2019 أعلنت هيئة الإغاثة الإنسانية التركية (IHH) أنها قدمت مساعدات إنسانية للمحتاجين في مدن مأرب والجوف وسيئون. ووزعت الهيئة على المحتاجين مواد غذائية للكبار وأخرى الأطفال وحصص من اللحم، وذلك في إطار حملة المساعدات الرمضانية في 120 دولة حول العالم. كما وزعت 950 طرداً غذائيا، من طرود الطحين والأرز والسكر والسمن والمعلبات الغذائية، وحصصاً من اللحم على 400 عائلة. ونظمت الهيئة موائد إفطار لإطعام 2350 يمني، ووزعت 10 صهاريج مياه صالحة للشرب.

وفي أغسطس، أعلنت هيئة الإغاثة التركية عن افتتاحها 11 مركزاً صحياً في اليمن بقدرة استيعابية 250 ألف مريض سنوياً، وإنشاء مركز صحي بقدرة استيعاب سنوية تبلغ 800 ألف مريض ومجهز بتقنيات طبية عالية لمعالجة المرضى وخاصة المصابين منهم بالسرطان والفشل الكلوي. وتأسيس مركز عناية صحية للطفولة والأمومة في عدن، ومركز صحي في حضرموت، والمركز الصحي النموذجي في محافظة الجوف اليمنية، بالإضافة إلى إنشاء مركز صحي اخصائي بأمراض الجلد والتناسلية في تعز، وغيرها العديد من المشاريع الصحية والتنموية، وذلك على حد قول المتحدث الرسمي للهيئة.

أولاً: هل هو دور تركي إنساني في اليمن؟

تلعب تركيا دوراً جنوب اليمن من خلال الفرع المحلي للإخوان المسلمين في البلاد (حزب الإصلاح) في ظل الأزمة الإنسانية التي تمر بها البلاد. حيث تخترق تركيا اليمن من خلال “حزب الإصلاح” المنتمي للإخوان المسلمين، والذي يسهل الدور الإنساني للمؤسسات الخيرية التركية، والذي يراه مراقبون دوراً سياسياً أكثر من كونه دوراً إنسانياً كما تحاول أن تظهر، خاصة أن تركيا لها مصلحة في تحريض الإخوان المسلمين ومنحها المزيد من النفوذ على الساحة اليمنية، الأمر الذي قد يأتي نظرياً متسق مع الدور السعودي ذات العلاقات والتنسيق السياسي والأمني مع حزب الإصلاح، ولكنه مخالف بشدة للتوجه الإماراتي في اليمن الداعمة للمجلس الإنتقالي الجنوبي.

جديرٌ بالذكر أن حزب الإصلاح اليمني قد اكتسب مزيداً من السلطة في السنوات الأخيرة، وملأ فراغًا سياسيًا خلفه سقوط نظام علي عبد الله صالح في فبراير 2012 ثم الانقلاب الذي قامت به ميليشيا الحوثي المدعومة من إيران ضد الرئيس عبد ربه منصور هادي في مارس 2015.

ثانياً: ما مدى احتمالات تدخل عسكري تركي في اليمن؟

لدى تركياً حالياً قواعد عسكرية في قطر والصومال، وأتوقع محاولات للإعداد لتواجد عسكري تركي في اليمن والسودان وتشاد، بجانب تدخلها المحدود (حتى الآن) في ليبيا. الأمر الذي يخلق نطاقات سيطرة أمنية حول شبه الجزيرة العربية في اتجاه القرن الأفريقي جنوباً، وشمال أفريقيا في اتجاه ساحل المتوسط والصحراء شمالاً.

وتركيزاً في اليمن نجد أنه، جيوستراتيجياً، تتحكم اليمن الواقعة شمال الصومال في مدخل البحر الأحمر، والذي يشكل امتداده شمالاً عبر قناة السويس أهم خط ملاحي يصل لشرق المتوسط جنوب تركيا، وهو ما يهدد بشدة الأمن الإقليمي لمنطقة الخليج العربي والقرن الأفريقي وشرق المتوسط، والذي بدوره يهدد الأمن القومي لمصر والسعودية تحديداً كما يهدد مصالح الإمارات الرافضة تماماً لحركات الإسلام السياسي في المنطقة وهو ما يتسق تماماً مع التوجه في هذا الشأن.

ورغم أن التدخل العسكري التركي في اليمن قد يكون أمراً صعباً في الوقت الحالي، إلا أنه ليس مستبعداً بشكل مطلق على المدى المتوسط (خلال أعوام قليلة قادمة)، وحالة حدوثه، فسيكون بالتأكيد من خلال حزب الإصلاح اليمني والمنتمي للإخوان المسلمين، مستغلة التنسيقات السابقة بينهما.

المشكلة الحقيقة التي تواجه التدخل العسكري التركي في اليمن هي الحالة الاقتصادية التركية. في حالة لجوء تركيا إلى تمويل قطري في هذا الشأن فالأمر سيكون ضار بالتأكيد بالمصالح السعودية، ناهيك عن المصالح الإماراتية التي ستتأثر بالتأكيد وكذا التهديد الذي سيكون أشد تأثيراً على الأمن القومي المصري حيث إن التدخل العسكري التركي سيزيد من تهديد تركيا لمدخل البحر الأحمر ومضيق باب المندب.