تطورات الأزمة الليبية (أبريل 2019 – يونيو 2020)

بقلم: سيد غنيم، رئيس مركز دراسات شؤون الأمن العالمي والدفاع وأستاذ زائر بالناتو

الإثنين 08 يونيو 2020

أولاً: مقدمة (تطورات الصدام الليبي/ الليبي):

في 4 أبريل عام 2019 انطلقت العملية العسكرية للجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر تجاه طرابلس، حيث خاضت قواته معارك على مشارفها بمهمة تطهيرها من الإرهاب (كما أُعلن عنها).[1] وقام الرئيس الأمريكي دونالد ترمپ بالاتصال التليفوني بحفتر لدعم تقدمه لاستكمال مواجهة الإرهاب غرب ليبيا معرباً عن دعمه له،[2] تلاه قيام طائرتين متعددة المهام من خارج ليبيا بقذف أهداف عسكرية في طرابلس. إلا أن حفتر لم يتمكن من تحقيق تقدماً بمعدلات كبيرة تجاه طرابلس خاصة مع قيام الميليشيات المسلحة بـ “مصراتة” التي تلعب دوراً رئيسياً في صد هجوم القوات القادمة من الشرق، وكذا قيام قوات تنظيم داعش الإرهابية بمدينة “سبها” بشن ضربات ضد قوات حفتر لتشتيت جهودها وحرمانها من مواصلة الهجوم داخل طرابلس. الأمر الذي يؤكد موائمات وتعاون بين ميليشيات مصراتة وطرابلس وتنظيم داعش الإرهابي.

قام رئيس حكومة الوفاق فايز السراج بزيارة لأوروبا الفترة خلال الأسبوع الثاني من شهر مايو 2019، شملت روما وباريس وبرلين ولندن، والتي تمثل عواصم الدول الأكثر نفوذاً وتأثيراً في القرار الأوروبي والدولي، ولم تحق زيارات السراج لأوروبا النتائج المرجوة منها. وفي نفس التوقيت قام خليفة حفتر بزيارة القاهرة لمقابلة الرئيس عبد الفتاح السيسي الذي أعلن استكمال مصر لدعم جهود الجيش الوطني الليبي في مكافحة الإرهاب وتحقيق الإستقرار والأمن في ليبيا. ثم قام في منتصف شهر مايو بزيارة إلى روما تلاها بزيارة إلى باريس بعدها بأسبوع بهدف ربما عرض موقفه وتحصيل أكبر دعم أوروبي ممكن له تجاه طرابلس، وبصورة موازية لدعم الولايات المتحدة وروسيا وفرنسا ومصر والإمارات.[3]

وبعد أن فترت حدة القتال خلال الأسابيع الثلاث الأولى، قام حفتر بمحاولة هجوم جديدة في الأسبوع الأخير من شهر مايو، حيث قامت قواته بالتقدم على طريق يمتد من مطار طرابلس القديم، لكنه لم يُرصد شواهد على إحراز تقدم يعتد به.[4]

على صعيد شرق المتوسط، ومنذ أن أشار المسح الجيولوجي إلى وجود احتياطات ضخمة من الغاز الطبيعي شرق المتوسط قُدرت بنحو 122 تريليون قدم مكعب[5]، بدأت الدول المحيطة بتشكيل تحالفات واتفاقيات من أجل ضمان حصتها في الثروة المكتشفة، كان آخرها الاتفاق بين إسرائيل والأردن لتزويد الأخيرة بالغاز والذي تم تفعيله أول يناير 2020 رغم أنه قوبل برفض شعبي[6]. ويعد منتدى غاز شرق المتوسط، والذي تم تأسيسه في القاهرة في يناير 2019،[7] أحد أهم أشكال التحالفات، والذي يضم إسرائيل ومصر والأردن واليونان وقبرص وإيطاليا والمناطق الفلسطينية، فيما تم عزل سوريا ولبنان وتركيا من المعادلة.

الأمر الذي دفع تركيا إلى عقد اتفاق اقتصادي/ أمني مع ليبيا [8] والذي قوبل برفض يوناني وقبرصي ومصري.[9] وهو ما يشير إلى أن أردوغان ينتهج استراتيجية تحول موقف تركيا من رد الفعل إلى الفعل، وذلك بالاستمرار في الضغط على الصعيدين الدبلوماسي والأمني على عدة اتجاهات لضمان حصة في موارد الطاقة شرق المتوسط، وذلك من خلال تهيئة الظروف لمشاركة بلاده في المياه الاقتصادية والثروات شرق المتوسط وعدم انحصارها في خليج أنطاليا، وإمكانية التأثير على حركة مرور غاز شرق المتوسط المنتظر تصديره إلى أوروبا بعد تسييله في مصر.

عودة للموقف الليبي، قامت تركيا بنقل أعداداً متزايدة من المرتزقة السوريين من سوريا للقتال في ليبيا. تشير التقديرات إلى حوالي 100 ضابط تركي على الأقل[10] ينسقون حملات حكومة الوفاق الوطنية إلى جانب آلاف المرتزقة السوريين.

وفي المقابل، وتحديداً في ديسمبر 2019 قام حفتر بإعلان بدء ما أسماها “المعركة الحاسمة” للسيطرة على العاصمة طرابلس.[11] وبدا حفتر أنه يسير بخطى ثابتة، وإن كانت بطيئة، نحو تحقيق هذه الأهداف، بمساعدة ما يقدر بـ 800 – 1000 من مجموعة “فاجنر” الروسية ومئات من الضربات الإماراتية بطائرات بدون طيار وطائرات مقاتلة انطلقت من الأراضي المصرية.[12]

في خطوة دبلوماسية أكثر اتساعاً، واستعداداً للقاء بوتين وأردوغان مع مطلع 2020، عُقد اجتماعاً بالأستانة في ديسمبر 2019، ترأس الوفد الروسي الممثل الخاص للرئيس الروسي في الشرق الأوسط وأفريقيا، نائب وزير الشؤون الخارجية لروسيا ميخائيل بوجدانوف، وترأس الوفد التركي نائب وزير خارجية تركيان حيث توصلا خلاله في اتفاق يتيح لروسيا لمواصلة الاتصالات بشأن القضية الليبية، بما في ذلك تقديم المساعدة الممكنة في التسوية السريعة للأزمة الليبية.[13]

تلاها قيام أردوغان ومعه قيادات دبلوماسية وعسكرية بزيارة تونس كأول رئيس دولة يزور قيس سعيد الرئيس التونسي الجديد، وتلخصت أسباب الزيارة المُعلنة في بحث سبل وقف إطلاق النار في ليبيا. وقد أعلن أردوغان أثناء زيارته لتونس أنه قد طلب من المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل دعوة الرؤساء الثلاثة لحضور المؤتمر. ويتزامن كل ذلك مع موافقة البرلمان التركي على دفع قوات إلى ليبيا عند طلب حكومتها في طرابلس ذلك.[14]

أطلقت القوات الحكومية عملية عاصفة السلام في 25 مارس 2020، وبعدها بشهرين تمكنت من الاستيلاء على قاعدة “الوطية” في الثامن عشر من مايو 2020، ودمرت أنظمة “بانتسر” الروسية للدفاع الجوي بالقاعدة.[15]

بسبب اعتراض تركيا، لم يوافق الناتو على تجديد شراكة الإمارات ضمن “مبادرة إسطنبول للتعاون” مع الناتو في أبريل 2020 أسابيع، كما لم يوافق على التمثيل العسكري مع مصر في مايو 2020، ولن يجدد شراكة مصر ضمن “دول الحوار المتوسطي” مع الناتو.[16] وهو ما تزامن مع قيام تركيا بمطالبة الناتو بدعم المجلس الرئاسي الليبي المعترف به دولياً في ليبيا والمناهض لمصر والإمارات وإيطاليا وفرنسا، والناتو يصرح بدعم المجلس الرئاسي الليبي سياسياً وأمنياً.[17]

في السابع والعشرين من شهر مايو 2020 أعلنت القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا “US AFRICOM” في حسابها على تويتر: أنه “على مدار عدة أيام خلال شهر مايو، غادرت ست طائرات روسيا من طراز ميج 29 وطائرتين طراز سوخوي 24، وجميعها يحمل علامات سلاح الجو الروسي، ثم هبطت في قاعدة حميميم الجوية الروسية بسوريا، وتم إعادة طلاء طائرات ميج 29 وظهورها بدون علامات روسية.[18] وهو ما يتزامن مع سلسلة انتكاسات حفتر.

أفادت المنظمة السورية لحقوق الإنسان أن تركيا نقلت 11000 مقاتل من سوريا إلى ليبيا بينهم 9000 متطرف. أما الجيش الوطني الليبي فأفاد أن تركيا أرسلت 18000 مقاتل سوري إلى ليبيا، بينهم 1500 مقاتل من تنظيم الدولة الإسلامية و2000 مقاتل من قوات تحرير الشام الإرهابيتان.[19]

ثانياً: الموقف الحالي (تحول جذري):

في الأسابيع الأخيرة، تمكنت ميليشيات المسلحة المدعومة من تركيا (غرب ليبيا) المتحالفة مع حكومة الوفاق الوطني في طرابلس من استعادة عدة مدن وقواعد عسكرية رئيسية كان استولى عليها سابقاً خليفة حفتر وجيشه الوطني الليبي. إن التعاقب السريع لانتصارات حكومة الوفاق الوطني، والتي دفعت حفتر في نهاية الأسبوع إلى اقتراح وقف إطلاق النار واستئناف المفاوضات، يمثل انعكاساً كبيراً في مسار الحرب الأهلية الليبية، التي بدأت جولتها الأخيرة قبل عام تقريباً (أبريل 2019) عندما شن حفتر هجوماً يهدف إلى الاستيلاء على العاصمة وبسط سيطرته على البلاد بأكملها.

يوم 6 يونيو 2020 أعلن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي عن مبادرة للحل في ليبيا، محذرا من التمسك بالخيار العسكري للحل في ليبيا، وتشمل المبادرة، التي حملت اسم “إعلان القاهرة”، مقترحا بوقف لإطلاق النار يبدأ يوم الاثنين 8 يونيو. وترتكز المبادرة على نتائج قمة برلين، التي عقدت في يناير 2020، وانتهت بدعوة أطراف الصراع بالالتزام بحظر تصدير السلاح إلى ليبيا، والعمل على الوصول لتسوية سياسية. كما تشمل المبادرة استكمال مسار أعمال اللجنة العسكرية (5+5) التي ترعاها الأمم المتحدة وتضم خمسة مسؤولين عسكريين من كل طرف من طرفي النزاع.[20] وقد أعلنت الإمارات السعودية والبحرين والكويت والأردن وجامعة الدول العربية تأييدها لإعلان القاهرة، كما رحبت به الولايات المتحدة وفرنسا وروسيا، في الوقت الذي رفض فيه إعلان القاهرة كل من تركيا وحكومة الوفاق الوطني. وأكدت الصفحة الرسمية لوزارة الخارجية المصرية على “الفيسبوك” أن شكري أجرى اتصالات بسكرتير عام الأمم المتحدة، أنطونيو جوتيريش، ورئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، موسى فقيه، وعدد من وزراء الخارجية حول العالم، من بينهم، الجزائر والمغرب وتونس والنيجر والسعودية والإمارات والأردن.

يوم 7 يونيو 2020 أعلنت صفحة إعلامية ليبية موالية لحفتر أنه قد تم إرسال تعزيزات عسكرية إلى غرب مدينة سرت، لصد هجوم قوات حكومة الوفاق (بحسب قولها). ونقلاً عن أحد العسكريين إن القوات متجهة إلى المنطقة بين شرق مدينة مصراتة وغرب مدينة سرت.[21]

ثالثاً: الــرأي:

بشكل عــام:

يعد التدخل التركي المتزايد في ليبيا نتيجة لعدم توافق الأطراف الدولية والإقليمية الفاعلة في الأزمة، ولتعثر خليفة حفتر في استكمال عملياته العسكرية غرب ليبيا ضد حكومة الوفاق في طرابلس وباقي المدن الاستراتيجية المحيطة. يبدو للمراقبين أن حفتر لم يضع في تقديره حقيقة قدرات وكفاءة قوات مصراتة المدربة قتالياً بدرجة عالية، وكذا العناصر الإرهابية في سبها، فضلاً عن قوات طرابلس. الأمر الذي عثر استيلاءه على طرابلس منذ بدئه العمليات في أبريل 2019.

ولكن هناك وجهات نظر أخرى، فهناك من يرى أن حفتر قد تراجع عن مواصلة هجومه بسبب تعليمات صدرت إليه من الولايات المتحدة أو من روسيا أو كلاهما. إلا أنه (حالة صحة هذا التقدير)، فالرأي يميل لاحتمال قيام روسيا بذلك. ففي الوقت الذي يعاني حفتر (حليف روسيا) من انتكاسات كبيرة، يبدو أن روسيا تفرض المزيد من الضغط على حفتر لجذبه إلى محورها و”إضفاء الطابع السوري” على الملف الليبي (عملية تشبه سوتشي/ أستانة). تشير التقديرات إلى أن التطورات الأخيرة في ليبيا مرتبطة بالوضع في سوريا وعلى الأقل تم تنسيقها بين روسيا وتركيا للحد من توغل حفتر، رغم الدعم الروسي المباشر لحفتر. وهناك مؤشرات تدعم ذلك مثل: لم تقدم روسيا حفتر بنفس مستوى الدعم الذي تلقاه العام الماضي عندما واجه وضعاً مشابهاً، ولم تقم تركيا أو عناصر تابعة لها بمحاولة استهداف عناصر “فاجنر” الروسية أثناء انسحابها من جبهات طرابلس.

وبينما كان حفتر يتراجع عسكريا، كانت روسيا ترسل رسائل إلى “عقيلة صالح” مفادها أنه لا توجد طريقة لتجنب هجمات تركيا سوى التفاوض.[22] ومن هذا المنطلق، من المحتمل أن تركيا قد نسقت مع روسيا قبل مهاجمة أنظمة الدفاع الجوي الروسية “بانتسير” في قاعدة “الوطية” الجوية للتأكد من أن هذه الأنظمة لا يتم تشغيلها من قبل الروس. ومع ذلك، إذا صح ما سبق، فقد يشير إلى أن روسيا تضغط فقط على حفتر لإظهار المرونة ولكنها لن تسمح بانهياره بالكامل لعدم ترك المسرح لتركيا.

وبالنسبة للطائرات المقاتلة الروسية التي تم نقلها لليبيا حديثاً، لم تكن هذه الطائرات العسكرية الروسية فقط لكي تُستخدم لدعم حفتر بتوفير تغطية جوية له، ولكن أيضاً لإبقاء حفتر (تحت السيطرة) لمساعدة روسيا على لعب دور أكبر في الفترة القادمة.

بشكل عام، يثبت هذا التحول في الموقف الليبي (ولو بشكل مؤقت) بإعادة توازن القوى. ولكن في غضون ذلك، تشير التطورات الأخيرة إلى أن تركيا تظهر كحكم رئيسي في الصراع الليبي ويمكن أن تمارس في نهاية المطاف نفوذاً إقليمياً إضافياً في شمال أفريقيا. أزعم أن الولايات المتحدة قد ارتاحت للتدخل التركي في ليبيا للحد من النفوذ الروسي، فرغم الموائمات الروسية/ التركية فإن الخلاف على المصالح والنفوذ بين روسيا وتركيا في سوريا بالتأكيد سيمتد إلى ليبيا مع نجاح تركيا في تحركاتها. ومن ثم، فإن نجاحات تركيا في ليبيا سيؤدي إلى ضلوع روسي أكبر في الساحة الليبية، كما يتضح في الأيام الأخيرة من نشر روسيا لطائرات مقاتلة (طرازات ميج وسوخوي) لمساعدة قوات حفتر والتي أشرت لها سلفاً، الأمر الذي قد تؤدي تطوراته على الأرض في نهاية المطاف إلى مشاركة أمريكية أكبر، وظهور أكثر وضوحاً للناتو. وهكذا، في الوقت الذي نجحت فيه تركيا في تغيير مسار الحرب الليبية، من المرجح أن تمتد آثار نجاحات أنقرة الأخيرة إلى أبعد من شواطئ طرابلس في الساحل والصحراء الأفريقية.

مصـــر:

ترتبط الأوضاع الأمنية والسياسية والاقتصادية الليبية ارتباطاً مباشراً بالأمن القومي المصري، حيث تعد ليبيا من الدول الواقعة في دائرة الأمن القومي المصري الأولى والعمق الاستراتيجي الغربي لها، وذلك للآتي:

أ – المخاوف الأمنية: وذلك نظراً للتماس الحدودي بين مصر وليبيا بطول (1150 كم) والذي يعد تهديد مباشر للأمن الداخلي المصري حال تكوين جيوب وقواعد ارتكاز لعناصر إرهابية إسلامية على الحدود بين البلدين، أو عناصر لتهريب الأسلحة والمخدرات وغيرها.

ب- المصالح الاقتصادية: حيث تمثل العمالة المصرية في ليبيا مصدراً مهماً للعملة الصعبة وجزءً من الدخل القومي المصري، حيث تناقصت إلى 50% مع الفوضى وانتشار العنف عقب مقتل القذافي. كما تؤثر الحرب الأهلية على التبادل التجاري بين البلدين، حيث انخفضت الصادرات المصرية لليبيا بنسبة 75% منذ 2011. كما أن مصر في أشد الحاجة للنفط الليبي.

جـ- مشروع مصر الإيديولوجي لتقويض الإسلام السياسي: فهدف مصر الرئيسي هو القضاء على تنظيم الإخوان المسلمين أو على الأقل شل نشاطه تماماً خاصة داخل مصر وفي الدول المحيطة بالمنطقة وخاصة ليبيا، وبالتالي فإن الموقف التركي برمته في وجود أردوغان يأتي مغايراً للمصالح المصرية ويُمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي المصري.

د – نجاح أردوغان في السيطرة على الموقف الليبي ولو جزئياً يهدد المحور الإقليمي شرق المتوسط والمتمثل في التعاون المتزايد بين (مصر واليونان وقبرص وإسرائيل).

وستعمل مصر بكل طاقتها على دعم خليفة حفتر والبرلمان المعترف به دولياً في الشرق، وفي نفس الوقت عدم السماح لجماعات الإسلام السياسي من السيطرة على ذمام الأمور في ليبيا، مع العمل قدر المستطاع على عدم اتاحة الفرصة لأي تدخل أجنبي. إلا أن التواجد التركي في ليبيا قد يصعد الموقف المصري في الداخل الليبي أيضاً.

ولتحقيق ذلك، ستعمل مصر من خلال إجراءات دبلوماسية على شحن الرأي العالمي للمجتمع الدولي ضد الموقف التركي، في محاولة لدفع المجتمع الدولي لاتخاذ مواقف ضد تركيا في ليبيا.

وعلى الصعيد الداخلي، سيستمر شحذ الرأي العام للتصدي للتدخل التركي في ليبيا بكل السبل ومنها الخيار العسكري (رغم استبعاده كخيار رئيسي)، وبما يجعل مجلس النواب جاهزاً لكافة الخيارات في مصر تجاه ليبيا، ومنها إعطاء التفويض لإمكانية استخدام الأداة العسكرية لحماية الأمن القومي المصري على حدودها في الخارج كما في الداخل، خاصة أن ليبيا دول حدودية شديدة الأهمية لمصر. كما ستعمل مصر على زيادة التعاون مع دول الإمارات في كافة الأصعدة، خاصة مع وحدة أهدافهما في ليبيا واحتياج مصر الشديد للدعم المادي المتواصل في الأزمة الليبية.

إلا أن مصر ستبقى لآخر وقت ممكن متمسكة بالحل السلمي تجنباً لتصعيد عسكري يرهق قدراتها وربما يورطها في مستنقع غير معلوم نتائجه في ظل مراوغة روسية/ تركية وعدم تجديد الشراكات مع الناتو وعدم ضمان الموقف الأمريكي، خاصة أن مصر ستضطر للعمل تحت مظلة أحد المعسكرين الرئيسيين (الغربي ويتضمن الولايات والناتو، والشرقي ويتضمن روسيا)، كما أن الخيار العسكري الدولي والإقليمي لن تقبله الولايات المتحدة وأوروبا في الوقت الحالي في الداخل الليبي. فالتوازن في القوى في ليبيا هو الضمان الأوحد حالياً للاستقرار بترتيبات غربية وبما يحقق مصالح المعسكر الغربي.

الإمارات:

قدمت الإمارات وما زالت دعماً ضخماً للجانب الشرقي الليبي داعمة لخليفة حفتر، والذي تمثل في دعم مادي وعسكري، بل (وكما هو متداول) قدمت الإمارات تنفيذ ضربات عسكرية داخل ليبيا لدعم حفتر، وكما ذكرت سلفاً.

تعتبر دولة الإمارات منافساً مهماً لتركيا على الصعيد الاقتصادي والسياسي والأمني، حيث تهتم الإمارات بمد مشروعاتها واستثماراتها في مجال الموانئ وإعادة الإعمار والنفط، حيث تعد ليبياً هدفاً مهماً للإمارات في هذا الشأن. كما أن الإمارات تتفق مع مصر في العداء الأيديولوجي الشديد للإسلام السياسي والذي تتزعمه تركيا في عدة بؤر بالمنطقة بالتعاون مع قطر ومنها ليبيا.

ولتحقيق ذلك ستستمر الإمارات في التعاون مع مصر وحلفائها شرق المتوسط والذي يُعد مؤشراً له الإعلان المشترك في 11 مايو 2020 بواسطة وزراء خارجية قبرص ومصر وفرنسا واليونان والإمارات، والذي استنكرت فيه الإمارات وباقي دول الإعلان تدخل تركيا في ليبيا.[23]

بديهي أن تطورات الموقف الليبي والتدخل التركي قد أدى إلى تقارب إماراتي روسي، الأمر الذي قد تستثمره روسيا في سوريا واليمن، وربما في مناطق أخرى، وبما يزيد من الثغرة المستحدثة بين الولايات المتحدة وحلفائها الخليجيين ومنهم الإمارات، ويزيد من التقارب الإماراتي/ الروسي/ الصيني على حساب الولايات المتحدة.

رابعاً: السيناريوهات المتوقعة في الأزمة الليبية على المدى القريب:

اطلعت على عدة سيناريوهات، وارتباطاً بأهداف وأوضاع الأطراف على الأرض يمكن احتمال السيناريوهات الآتية:

السيناريو الأول (إحراز نجاحات حاسمة لقوات حفتر):

تمكن قوات حفتر من حماية سرت وتأمينها من جانب، وفي التقدم تجاه مصراتة غرباً والاستيلاء عليها من جانب آخر، حيث تعتبر مصراتة شريان الإمداد التركي بالسلاح والمسلحين لميليشيات طرابلس. الأمر الذي بتحقيقه سيحسم الصراع بدرجة كبيرة لصالح حفتر، حيث سيثبت للعالم أن قواته ما زالت على الأرض ولا عودة عن الهدف السياسي العسكري للجيش الوطني الليبي. وهو ما لا يمكن أن تقبل به تركيا، وسيزيد من تدخلها العسكري في ليبيا. كما أنه سيسبب قلق شديد للولايات المتحدة والناتو حيث يوسع مساحة للتواجد الروسي مستكملاً خطة تمدد النفوذ الروسي على ساحل البحر المتوسط. الأمر الذي قد يضطر الولايات المتحدة والناتو للتواجد.

السيناريو الثاني (إحراز نجاحات حاسمة جديدة لميليشيات حكومة الوفاق):

نجاح قوات “حكومة الوفاق” معركتها بمهاجمة سرت والاستيلاء عليها، واستمرار التقدم شرقاً تجاه رأس لانوف والسيطرة على الهلال النفطي في محيطها. وهو ما يمثل نقطة فارقة لتركيا في الثروة النفطية الليبية، ومما له دلالة بالتوقيت ما أشرت له سلفاً بشأن إلان وزير الطاقة التركي أن تركية بصدد التنقيب عن الثروات النفطية قبالة السواحل الليبية في غضون شهور وفق الاتفاقية الموقعة مع حكومة طرابلس.[24] الأمر الذي بتحقيقه سيزيد من تورط أطرافا أخرى نافذة في المسرح الليبي. ولن تسمح أبداً بمثل هذا السيناريو مصر والإمارات خاصة حالة قيام تركيا بزيادة الدعم العسكري للمليشيات الليبية وعندما يصبح الأمر بالقرب من الحدود المصرية، أو أن تتمركز مجدداً جماعات إرهابية وداعشية على مرمى البصر المصري على الحدود الغربي، وهو ما عانت منه مصر من قبل مع وصول العناصر الإرهابية للمشرق الليبي وتسللها لمصر من خلال حدودها الغربية. مما قد يدفع مصر للاستباق بإعادة نشر قواتها المتمركزة غرباً تجاه حدودها الغربية مع ليبيا وربما أبعد من ذلك، وإن كان أمراً شديد الصعوبة لتداعياته المحتملة.

السيناريو الثالث (تقسيم ليبيا):[25]

في كل الأحوال، تؤدي السيناريوهات المطروحة إلى النظر لخريطة ليبيا بشكل أكثر تدقيقاً، فقد يؤدي الأمر لرسم الحدود الداخلية بشكل واضخ بين الأقاليم الليبية الثلاث (برقة شرقاً وطرابلس غرباً وفزان جنوباً) في إطار حكم فيدرالي يتضمن الأقاليم الثلاث. أو تقسيم ليبيا لثلاث دوليات (نفس الأقاليم الثلاث) لتكون كالآتي:[26]

أ – إقليم برقة (الشرق والوسط) ويقع تحت سيطرة البرلمان والجيش الليبي ويتضمن: البردية وطبرق والجغبوب شرقاً أم الرزم وسوسة والبيضاء والجبل الأخضر والأبيار وبني غازي وأجدابيا ودرنة ورأس لانوف وسرت والشويرف ومزدة وسبها وأم الأرانب وتراغن ومرزوق جنوباً ونالوت وغدامس والعوينات وغات غرباً.

ب- إقليم طرابلس (الشمال الغربي) ويقع تحت سيطرة المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق ويتضمن: مصراتة شرقاً وزليتن والخمس والمرقب وطرابلس وغريان والزاوية والزنتان وصبراتة وزوارة وزلطن والعسة ورأس جدير غرباً.

جـ- إقليم فزان (الجنوب) ويقع تحت سيطرة القبائل الجنوبية ويتضمن: القطرون شرقاً والسبيطات وتساوة وعرق ومرزوق.

خامساً: موقف الصين:


للصين مصالح حيوية مع كل من روسيا في تنافسها أمام الولايات المتحدة ومصالح متشابكة في وسط آسيا، وكذلك للصين مصالح حيوية مع مصر وتركيا بشأن مبادرتها العالمية (الحزام والطريق). والصين ترى جيداً كيف أن الولايات المتحدة وأوروبا وروسيا أطرافاً متنافسة في الأزمتين السورية والليبية. من ثم، لن تحاول الصين التدخل المباشر بأي شكل في الأزمة الليبية كقوى عظمى داعمة لأي طرف، ولن تحاول التدخل كطرف داعم مثلاً لروسيا أمام الولايات المتحدة خاصة بعد نجاح الصين في استقطاب بعض الدول الأوروبية وجذب قبول واحترام شعوبها أثناء تفشي فيروس كورونا في أوروبا. بل ربما ستحاول الصين إيجاد موضع وساطة بين تركيا ومصر كحليفين شرق أوسطيين مهمين في مبادرتها خاصة في منطقة شرق المتوسط، إلا أن الصين لا تمتلك بعد الخبرة الكافية في التعامل مع الأزمات المعقدة في المنطقة، ولذلك سيكون تدخل الصين (إن حدث) شديد الحذر والحساسية، وسيتجنب أي ظروف تجعلها طرف ضمن أطراف الأزمة الليبية، ومن ثم قد يكون اقتراب الصين للأزمة من خلال شرق المتوسط بين مصر وتركيا، وليس تدخلاً مباشراً في ليبيا.

سادساً: المصادر:


[1] بي بي سي نيوز، حفتر يبحث مع السيسي “تطورات الأوضاع في ليبيا”، 14 أبريل 2019، https://www.bbc.com/arabic/middleeast-47927514

[2] دويتش فيلا، ترامب يؤكد على دور حفتر “الجوهري” في مكافحة الإرهاب وتأمين النفط، 19 أبريل 2019،
https://www.dw.com/ar/%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D9%85%D8%A8-%D9%8A%D8%A4%D9%83%D8%AF-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%AF%D9%88%D8%B1-%D8%AD%D9%81%D8%AA%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%88%D9%87%D8%B1%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D9%85%D9%83%D8%A7%D9%81%D8%AD%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8-%D9%88%D8%AA%D8%A3%D9%85%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%81%D8%B7/a-48404655

[4] دويتش فيلا، حفتر: الهجوم على طرابلس مستمر حتى يتم حل الجماعات المسلحة، 26 مايو 2020،
https://www.dw.com/ar/%D8%AD%D9%81%D8%AA%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%87%D8%AC%D9%88%D9%85-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%B7%D8%B1%D8%A7%D8%A8%D9%84%D8%B3-%D9%85%D8%B3%D8%AA%D9%85%D8%B1-%D8%AD%D8%AA%D9%89-%D9%8A%D8%AA%D9%85-%D8%AD%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%84%D8%AD%D8%A9/a-48879191

[5] دويتش فيلا، تكتلات غاز المتوسط.. وسيط للسلام أم بؤرة للصراعات؟، 02 يناير 2020.

[6] يورونيوز بالعربية، 58 برلماني أردني ورئيسه يطالبون بإلغاء اتفاقية الغاز مع إسرائيل، 22 ديسمبر 2019

[7] Bloomberg, Israel Energy Minister in Egypt for EastMed Gas Forum, 13 January 2019, https://www.bloomberg.com/news/articles/2019-01-13/israeli-energy-minister-to-attend-regional-gas-forum-in-egypt

[8] رويترز، تركيا وليبيا توقعان اتفاقا بشأن الحدود البحرية وسط خلاف حول التنقيب، 28 نوفمبر 2019، https://ara.reuters.com/article/worldNews/idARAKBN1Y21BQ

[9] Reuters, Turkey-Libya maritime deal rattles East Mediterranean, 25 December 2019

[10] قمت بالتطرق لهذا الأمر خلال نقاشات عبر الإنترنت يومي 6، 7 يونيو مع زملاء ليبيين سابقين متواجدين في مدينتي “بنغازي” و”سرت”.

[11] بي بي سي نيوز عربي، خليفة حفتر يعلن “المعركة الحاسمة” على طرابلس، 12 ديسمبر 2019،
 https://www.bbc.com/arabic/middleeast-50761992

[12] Tel Aviv University, Institute for National Security Studies (INSS), Turkey Turns the Tide in Libya – For Now, 7 June 2020, Para 05 https://www.inss.org.il/publication/libya-and-turkey/?utm_source=activetrail&utm_medium=email&utm_campaign=INSS%20Insight%20No.%201331

[13] روسيا اليوم بالعربي، موسكو وأنقرة تتفقان على التعاون من أجل تسوية الأزمة في ليبيا، 24 ديسمبر 2019،
https://arabic.rt.com/middle_east/1070979-%D9%85%D9%88%D8%B3%D9%83%D9%88-%D9%88%D8%A3%D9%86%D9%82%D8%B1%D8%A9-%D8%AA%D8%AA%D9%81%D9%82%D8%A7%D9%86-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B9%D8%A7%D9%88%D9%86-%D9%85%D9%86-%D8%A3%D8%AC%D9%84-%D8%AA%D8%B3%D9%88%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B2%D9%85%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A%D8%A7/

[14] دويتش فيلا الألمانية، الملف الليبي الساخن يستحوذ على زيارة أردوغان المفاجئة لتونس، 25 ديسمبر 2019،
https://www.dw.com/ar/%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%84%D9%81-%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%8A%D8%A8%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%A7%D8%AE%D9%86-%D9%8A%D8%B3%D8%AA%D8%AD%D9%88%D8%B0-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%B2%D9%8A%D8%A7%D8%B1%D8%A9-%D8%A3%D8%B1%D8%AF%D9%88%D8%BA%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%81%D8%A7%D8%AC%D8%A6%D8%A9-%D9%84%D8%AA%D9%88%D9%86%D8%B3/a-51793759

[15] بي بي سي عربي، موقع تركي ينشر مشاهد دقيقة لتدمير منظومات روسية في ليبيا، 18 مايو 2020، https://www.turkpress.co/node/71569

[16] حوار شخصي مع ملحق الدفاع البلجيكي بدول مجلس التعاون الخليجي يوم 23 مايو 2020.

[17] Turkey, Duvar.English, NATO ready to support Libya’s Sarraj, Stoltenberg says, 14 May 20120, https://www.duvarenglish.com/diplomacy/2020/05/14/nato-ready-to-support-libyas-sarraj-stoltenberg-says/

[18] Twitter, US AFRICOM, 17 May 2020, https://twitter.com/USAfricaCommand/status/1265630878295785477

[19]  نتائج حوار تليفوني بتاريخ 30 مايو 2020 مع د. أمير ندا، محلل سياسي بأحد المنظمات الدولية.

[20] بي بي سي نيوز، الحرب في ليبيا: مصر تطرح مبادرة لحل الأزمة بعد هزائم حفتر المتوالية، 6 يونيو 2020، https://www.bbc.com/arabic/middleeast-52948447

[21] تويتر، شعبة الإعلام الحربي الليبي، 7 يونيو 2020، https://twitter.com/warinformationd/status/1269355462773936130

[22] نتائج حوار تليفوني بتاريخ 7 يونيو 2020 مع د. أمير ندا، محلل سياسي بأحد المنظمات الدولية.

[23] وكالة أنباء الإمارات (وام)، بيان مشترك في ختام اجتماع وزراء خارجية الإمارات ومصر وقبرص واليونان وفرنسا، 11 مايو 2020، https://wam.ae/ar/details/1395302842129

[24] الشروق، مستجدات النيران في الأزمة الليبية، عبد الله السناوي، 31 مايو 2020، https://www.shorouknews.com/columns/view.aspx?cdate=31052020&id=c6726a16-2c87-4c1d-9f05-b1ecac0fa1c5

[25] قمت بالتطرق لهذا الأمر خلال نقاشات عبر الإنترنت يومي 6، 7 يونيو مع زملاء سابقين ليبييين متواجدين في مدينتي بنغازي وسرت.

الصورة بواسطة بي بي سي نيوز، 04 يونيو 2020، جنود تابعين لجكومة الوفاق يحتفلون باستعادة مطار الوطية بمحيط طرابلس.
https://www.bbc.com/news/world-africa-52920373