التناقضات الأوروبية في الأزمة الليبية

الثلاثاء 09 يونيو 2020

لا شك أن تركيا منافس إقليمي لروسيا في عدة مناطق رغم الاحتياج الشديد كل منهما للآخر.[1] صحيح أن الناتو مشكل من أعضاء أوروبيين فضلاً عن تركيا والولايات المتحدة، ولكن هذا لا يعني أن دول أوروبا داعمة لتركيا ولا حتى الاتحاد الأوروبي داعم لتركيا ولا أمريكا ايضاً داعمة لتركيا،[2] وأظن أني لمست ذلك بنفسي خلال زياراتي ولقاءاتي المتكررة مع العديد من صناع القرار بالولايات المتحدة والناتو والاتحاد الأوروبي والعديد من الدول الأوروبية.. ولكن تركيا تعلم كيف توجه قرارات الناتو وبما يتناسب مع مصالحها، وذلك استناداً إلى “بروتوكول الناتو” الذي يمنح أعضائه صلاحيات داخلية محددة شديدة الأهمية، وتركيا تستفيد من ذلك بشكل جيد.[3]

الناتو ليس منافس لمصر بل كان شريكاً عسكرياً وما زال شريكاً سياسياً حتى اللحظة (وإن كانت الشراكة بين الناتو ومصر على وشك عدم التجديد بسبب تركيا)، والناتو ليس موافقاً على تحركات تركيا بشكل عام، ولكن الناتو مرغم على ذلك من خلال أمور متعلقة بالبروتوكول الخاص بالحلف كما ذكرت.[4] ومن ثم أظن إن إيطاليا (منفردة) ليست منافساً لروسيا في ليبيا، ولكن إيطاليا منافس لتركيا في غاز شرق المتوسط.[5]

بشكل عام، الولايات المتحدة وأوروبا والناتو مختنقين من تركيا بشدة، ولكن نظراً لتخوفهما (أقصد الولايات المتحدة وأوروبا) من توسع نفوذ العدو الرئيسي لهما في ليبيا وهو روسيا بالطبع، فكلاهما يرتاح لتواجد تركيا في ليبيا كمنافس مهم لروسيا في ليبيا وسوريا كما ذكرت.

التناقض الذي يمكن ملاحظته هو نتاج لتعددية الأقطاب، وليس القطب الواحد أو الثنائية القطبية.. فخلال الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي كان العالم واقع تحت تأثيرهما كقطبين رئيسيين ومن ثم كان التنافس أيديولوجي (ليبرالي وشيوعي)، فلم نجد وقتها هذا التناقض بين دول إحدى الأيديولوجيتين. أما الآن، فالتنافس وكذلك الصراع كلاهما في اتجاه واحد وهو (المصلحة) بغض النظر عن الأيديولوجية كتوجه والقيم الوطنية كشعارات والدين بطوائفه كمظلة، ولذا نجد هذا التناقض المحير للبعض. فمثلاً الحلفاء أمنياً كالولايات المتحدة وأوروبا نجدهما متنافسين اقتصادياً.. كما نجد أن مصر لها مصالح أمنية وتكنولوجية وعسكرية مع روسيا ولكنها منافس لها في مجال تصدير الغاز لأوروبا اقتصادياً.. وهكذا.[6]

الموقف المصري في الأزمة الليبية:

مصر لن تتحرك عسكرياً تجاه العمق الغربي الليبي، ليس فقط للظروف الاقتصادية والأمنية والسياسية الداخلية، ولكن لعدم وجود غطاء شرعي قوي يدعم تدخلها غرب ليبيا.[7] كما أنه من المحتمل أن يتحول الموقف إلى حرب إقليمية في الداخل الليبي لها تداعيات شديدة الخطورة، ناهيك عن صعوبة التمويل الخارجي من دول مثل الإمارات والسعودية في ظل الأعباء الاقتصادية الناجمة عن تفشي وباء فيروس كورونا، خاصة أن توقيت وكيفية نهايته غير معلومة للآن.


[1] بجانب أن روسيا منافس لتركيا في ليبيا حيث تدعم تركيا حكومة السراج وتدعم روسيا خليفة حفتر، نجد أن روسيا منافس لتركيا في شمال سوريا وتحديداً في إدلب، حيث تقدم روسيا دعم جوي للقوات السورية في عملياتها في إدلب ضد المعارضة الإسلامية السورية، في الوقت الذي تحاول تركيا حمايتها.. الأمر الذي أدى لمقتل 33 ضابط وجندي تركي بنيران القوات الجوية الروسية في 5 مارس 2020. الرابط: https://www.bbc.com/arabic/middleeast-51658671

[2] وهو واضح تماماً من موقف أوروبا والولايات المتحدة الداعمين للأكراد (قوات سوريا الديمقراطية) العدو اللدود لتركيا في سوريا ومحيطها. ولتوضيح أكثر شمولاً لاضطراب علاقات الناتو وتركيا يمكن الاطلاع على الرابط التالي: https://www.theatlantic.com/politics/archive/2019/10/turkey-and-nato-troubled-relationship/599890/

[3] استغلت تركيا بروتوكول الناتو في أكثر من موضع، حيث (على سبيل المثال) استخدمت حق النقض الممنوح لها كعضو بالناتو في الآتي:

– الاعتراض على تمويل دورة “التعاون الإقليمي للناتو رقم 17” بكلية الشرق الأوسط بأكاديمية دفاع الناتو، والتي كنت معين مدرساً زائراً بها في فبراير 2017.

– كما استخدمت تركيا قبل ذلك حق النقض في فتح مكتب لإسرائيل بقيادة الناتو ببروكسل عام 2010 كدولة شريك، كما هددت باستخدام حق النقض حالة محاولة ضم إسرائيل كعضو بالناتو: د. جيهان عبد السلام عوض، كتاب أمريكا والربيع العربي: خفايا السياسة الأمريكية في المنطقة العربية، أكتوبر 2019، ص 89. إلا أنها وافقت على التمثيل الكامل لإسرائيل ومصر كشركاء للناتو وليس أعضاء عام 2018.

[4] اعتراض تركيا على تجديد شراكة التعاون بين الناتو والإمارات في أبريل 2020، والتعاون العسكري مع مصر في مايو 2020، ومنتظر رفض تركيا لتجديد تعاون الناتو مع مصر في شراكتها ضمن الحوار المتوسطي.

[5] نظراً لانضما إيطاليا لمنتدى غاز شرق المتوسط الذي تم تجاهل تركيا فيه.

[6]  محاضرة سيد غنيم بقيادة المركزية الأمريكية بقاعدة ماكديل، تامبا، ولاية فلوريدا، 16 أكتوبر 2019. الرابط: http://igsda.org/2019/10/23/strategic-rivalries-in-the-middle-east-risks-and-opportunities-in-new-security-dynamics/

[7]  الأمم المتحدة: قانون استخدام القوة – قانون الدفاع عن النفس:

تسمح المادة 51 من الميثاق للدولة باستخدام القوة العسكرية للدفاع عن النفس عندما تكون عرضة لهجوم مسلح أو عندما تتصرف دفاعًا عن دولة أخرى بناءً على طلب من الدولة الضحية للحصول على هذه المساعدة. يكرس هذا الحكم حق القانون العرفي المتأصل لدولة ذات سيادة في الدفاع عن تدخل قسري في شؤونها الداخلية من قبل دولة ذات سيادة أخرى والتي أكدتها محكمة العدل الدولية (“محكمة العدل الدولية”). لكي تكون الإجراءات المتخذة للدفاع عن النفس شرعية ، يجب أن يكون استخدام القوة 1) ردًا على هجوم مسلح ، 2) ضروري للرد على هذا الهجوم و 3) رد نسبي.

Intervention: When, Why and How? Section 1 – The Law of the Use of Force – 1.2 – The Law of Self Defence – Paragraph number 10: https://publications.parliament.uk/pa/cm201314/cmselect/cmdfence/writev/intervention/int10.htm