ورقة تحليلية “التدخل التركي في ليبيا”

الأهداف والدوافع والانعكاسات.

لماذا تحاول تركيا إبعاد مصر عن التدخل العسكري في ليبيا؟

بقلم: سيد غنيم، 22 يونيو 2020.

أولاً: مقدمة

كنت قد تحدثت بشأن تطور الأزمة الليبية الفترة (أبريل 2018 – يونيو 2020) وذلك في دراسة تم نشرها في 8 يونيو 2020، ثم وضحت رؤيتي بشأن الأهداف التركية في ليبيا والتي نشرت كمقال تحليلي في 15 يونيو، ويمكن الاطلاع عليهما من خلال الروابط الإلكترونية في الأسفل. وسوف أحاول في هذه الورقة التطرق إلى دوافع وانعكاسات التدخل التركي في ليبيا والتي بالتأكيد تختلف عن الأهداف.

وقبل ذلك سوف أتعرض في هذه الورقة إلى أهم ما تستند إليه تركيا في تحركاتها وهي عضويتها في الناتو، ومنها ما تقوم به مستخدمة حق النقض (فيتو)، والتي استخدمته على سبيل المثال في الآتي:

قامت تركيا بالاعتراض على تمويل دورة “التعاون الإقليمي للناتو رقم 17 – – “NRCC 17 بكلية الشرق الأوسط بأكاديمية دفاع الناتو، والتي كنت معين مدرساً زائراً بها في فبراير 2017، حتى وافقت على عقد نفس موضوعات الدورة بمدرسيها وطلابها بالدورة التالية دورة “التعاون الإقليمي للناتو رقم 18” في سبتمبر 2017.

كما استخدمت تركيا قبل ذلك حق النقض في منع إسرائيل من فتح مكتب لها بقيادة الناتو ببروكسل عام 2010 كدولة شريك، كما هددت باستخدام حق النقض حالة محاولة ضم إسرائيل كعضو بالناتو. إلا أنها وافقت على التمثيل الكامل لإسرائيل ومصر والأردن والإمارات ودول أخرى، كشركاء للناتو وليس أعضاء عام 2018.

واستخدمت تركيا حق النقض أيضاً بعدها في عدم تجديد شراكة دولة الإمارات في مبادرة إسطنبول للتعاون مع الناتو. وكذا في عدم تجديد التمثيل العسكري مع مصر. كما ينتظر أن تستخدمه في عدم تجديد شراكة مصر بدول الحوار المتوسطي مع الحلف في شهر يوليو القادم.

ثانياً: دوافع التدخل التركي في ليبيا

بجانب أهداف التدخل التركي في ليبيا والتي أشرت لها سلفا، لا شك أن هناك ظروفاً خلقت دوافع هامة لتركيا في ذلك يمكن تلخيصها في الآتي:

سعت أنقرة إلى تطوير سياسة نفوذ في ليبيا عقب سقوط الحاكم الليبي السابق معمر القذافي”، ولكنها لم تتمكن من ذلك وقتها. ومع هجوم خليفة حفتر على طرابلس في أبريل 2019، وجد أردوغان طرقاً جديدة تدفعه للتواجد السياسي والعسكري التركي على الأرض في ليبيا.

من ضمن سبل تحقيق المصالح التركية تطوير سياسة متوسطية قد تنافس سياسة الأوروبيين، خاصة في المنطقة شرق المتوسط وجنوبه. وبجانب الحسابات الاقتصادية التركية، حيث تقدم ليبيا فرصاً ضخمة من حيث تطوير البنية التحتية وإعادة الإعمار، فإن تركيا لديها دافع لاستعراض قدراتها العسكرية أمام خصومها الإقليميين وتحديداً فرنسا واليونان وقبرص ومصر، وذلك من خلال مبيعات الأسلحة التركية لما يسمى “حكومة الوفاق الوطني” واستعراض العضلات العسكري أمام تلك الدول داخل ليبيا وعلى سواحلها.

كما أن هناك دافع أيديولوجي لتركيا، حيث إن حكومة فايز السراج تخضع لنفوذ تنظيمات الإسلام السياسي وإن كان بصورة أضعف حالياً، الأمر الذي يتسق مع إيديولوجية حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا بقيادة أردوغان ويتطلب دعمه.

كل ما سبق يعد دوافع قوية لتحرك أردوغان تجاه ليبيا جعلته يغامر متغلباً على الجوانب الجيوسياسية.

ثالثاً: أهم انعكاسات تدخل تركيا في الشأن الليبي

لا شك أن هناك فرق بين أهداف تركيا في ليبيا وانعكاسات تدخلها في الشأن الليبي، والتي تعد استكمالاً لانعكاسات تدخلها في سوريا والعراق. وسوف أحاول تلخيصها في الآتي:

1- إضعاف مواقف حلف شمال الأطلسي وإحداث شروخات به حيث أدى التدخل التركي في سوريا إلى تصادم مصالحه مع تحركات الناتو وخساراته المتتالية في مربعات التنافس أمام روسيا، كما يؤدي التدخل التركي في ليبيا وتصادم مصالحه فيها مع مصالح دول أخرى تعد جوار إقليمي لليبيا كاليونان وفرنسا وإيطاليا.

2- كما أدى التحرك العسكري التركي في سوريا إلى تمدد روسي مضاد لتأكيد فرض نفوذها في سوريا بسبب إصرارها على دعم بشار الأسد. على صعيد آخر، ورغم أن تدخل تركيا العسكري (بصفتها عضو بالناتو) دعماً للسراج كان بموافقة أمريكية وبما يتيح موضع قدم للناتو والقيادة الأمريكية في أفريقيا للتصدي للتدخل الروسي المتزايد، إلا أن ذلك زاد من حجم التدخل الروسي المرفوض، سواء في إطار موائمات أو صدامات روسية مع تركيا وربما مع الناتو كما حدث في سوريا.

3- إزعاج الاتحاد الأوروبي بشدة، حيث يسفر التدخل التركي في ليبيا وقبل ذلك دفعها لمرتزقة سوريين لدعم حكومة الوفاق مقابل مرتزقة روس لدعم حفتر واحتمال تدخل دول منافسة لتركيا، سيزيد من حدة عدم الاستقرار في الداخل الليبي كما سيزيد الفرقة بين الليبيين أنفسهم في بنغازي وطرابلس. الأمر الذي سيؤدي بدوره لزيادة عدم الاستقرار جنوب المتوسط ويدفع لعودة الهجرة غير الشرعية شمالا، فضلاً عن زيادة الجرائم العابرة للحدود. الأمر الذي تفتخر به مصر بأنها قد حدت منه بدرجة كبيرة خلال السنوات الخمس الماضية.

4- إتاحة الفرصة لإيران لدور سياسي في دعم حكومة السراج المعترف بها دولياً وغربياً، وذلك طبقاً لتصريحات وزير الخارجية الإيراني “ظريف” خلال لقائه مع نظيره التركي “أوغلو” في أنقرة منذ أيام. الأمر الذي يمكن أن يزيد من فرص التنسيق الروسي/ التركي/ الإيراني، تكراراً لم تم بينهم مسبقاً في سوريا، وبما يزعج الولايات المتحدة وأوروبا، فضلاً عن إثارة دولتي السعودية والإمارات، وما قد يخلق نوعاً من الاحتكاك المصري/ الإيراني والذي تجنبته مصر وإيران خلال الفترات السابقة.

5- دفع مصر، من منطلق منظورها، أنها الجار الأهم لليبيا والأكثر تأثراً من تداعيات مشاكلها الأمنية، إلى التدخل العسكري الصريح بها لضمان عمق استراتيجي آمن يضمن حماية الأمن القومي المصري ويحقق مصالحها في ليبيا.

6- دفع دول منافسة إقليمياً لتركيا، كالإمارات والسعودية واليونان، فضلاً عن فرنسا، إلى التدخل الفوري سواء بشكل مباشر ضد تركيا أو من خلال دعم التدخل المصري، بهدف حماية مصالحهم وضرب الأهداف والمصالح التركية.

7- زيادة حدة المعارضة الداخلية في تركيا، حيث إن “أوتكو كاكيروزر”، وهو مشرع من حزب الشعب الجمهوري المعارض الرئيسي في تركيا وعضو في الجمعية البرلمانية لحلف شمال الأطلسي، قد صرح لرويترز: أنه “يجب على تركيا ألا تدخل في مغامرة جديدة. وعلى حكومة حزب العدالة والتنمية أن تكف فوراً عن كونها طرفاً في الحرب في ليبيا”.

رابعاً: لماذا تحاول تركيا إبعاد مصر عن التدخل العسكري في ليبيا؟

تدرك تركيا تماماً أنه خارج ليبيا ليس هناك تصادم مؤثر في المصالح بينها ومصر سواء على الصعيد الاقتصادي والأمني سوى الخلاف الإيديولوجي الشديد بين البلدين، حيث يؤيد حزب العدالة والتنمية التركي بقيادة أردوغان (بالتعاون مع قطر) تنظيم الإخوان المسلمين، ذلك التنظيم الذي تعتبره القيادة المصرية أنه يمثل حالياً تهديداً خطيراً للأيديولوجية القومية المصرية وللنظام المصري الحاكم ويهدد النظام المجتمعي في الداخل المصري، وفي المقابل يرى تنظيم الإخوان المسلمين ضرورة إسقاط النظام المصري والاستيلاء على الحكم في البلاد. إلا أن تركيا تعمل بكل جهد لصرف نظر مصر عن التدخل العسكري في ليبيا للآتي:

تدرك تركيا أن مصر لديها قوات عسكرية ضخمة عالية التدريب وهي الأقرب لليبيا والتي حالة تدخلها في المسرح الليبي سيكون هدفها تأمين العمق الاستراتيجي المصري غرباً حتى (الجفرة – سرت)، وهو ما لمح به الرئيس المصري خلال زيارته للمنطقة الغربية العسكرية يوم 20 يونيو 2020. الأمر الذي بدوره سيزيد العبء على الاستراتيجية التركية في ليبيا من جانب، وسيعطل من إمكانية تنفيذ ما وعد به وزير الخارجية التركي ببدء التنقيب عن البترول في منطقة الهلال النفطي خلال الأشهر القليلة القادمة من جانب آخر. خاصة وأن مصر ستستند لشرعية البرلمان الليبي المتواجد شرقاً في المنطقة الموالية لمصر والمعترف به دولياً والذي سيطلب من مصر بشكل رسمي (على حد تعبيرهم) التدخل في الأراضي الليبية لحماية الشعب الليبي ومقدراته من المرتزقة المسلحين الموالين لحكومة السراج ومن التنظيمات الإرهابية المسلحة ومن الاحتلال التركي.

كما تدرك تركيا أن التدخل العسكري المصري في ليبيا سيزيد من فرص المواجهة العسكرية التركية/ المصرية في ظل تعرض البلدين لضغوط اقتصادية وسياسية وأمنية شديدة، الأمر الذي سيزيد من استنزاف اقتصاد البلدين، خاصة تركيا، مع تورطها عسكرياً في سوريا والعراق، بجانب العبء المادي واللوجيستي الضخم الذي سيقع عليها نتيجة لبعد المسافة عن الغرب الليبي، فضلاً عن الضغط الداخلي من المعارضة التركية والضغط الإقليمي الأوروبي والدولي على البلدين تحسباً للنتائج التي سيفرزها هذا الصدام، مع خطورة احتمالات تصدي دول أخرى عضو بالناتو ضد تركيا في مسارح موازية في شرق المتوسط وبحر إيجا.

w

الموضوعات السابقة:

تطور الأزمة الليبية الفترة (أبريل 2018 – يونيو 2020):

أهداف تركيا في ليبيا: