لواء دكتور ســــيد غنيم، رئيس IGSDA، أستاذ زائر بالناتو.

بجانب خطورة الوضع الداخلي الحالي في الولايات المتحدة والمستوى غير المسبوق من الاستقطاب السياسي فإن الولايات المتحدة تواجه تحديات مهمة في منطقة الشرق الأوسط كالآتي:

أولاُ: تراجع الثقة العربية في الولايات المتحدة الأمريكية:

عدم ثقة الدول العربية في الولايات المتحدة بشكل عام، وعدم ثقتهم في سياسات الحزب الديمقراطي تجاههم بشكل خاص، فقد ركزت الولايات المتحدة على خطوط حمراء لا ينبغي تجاوزها، أهمها أمن إسرائيل والسيطرة على النفط الخليجي. فالعرب بشكل عام يرون أن الولايات المتحدة خلال فترة ترمب ورغم دعمه الدائم لبعض الزعماء العرب، إلا أنه لم يحقق لحلفائه الخليجيين ومصر شيئاً مقارنة بما حققه لحليفه الأهم إسرائيل، كـ (ضم المستوطنات بالأراضي الفلسطينية إسرائيل – ونقل السفارة الأمريكية للقدس – وتطبيع العلاقات بين بعض الدول العربية وإسرائيل – وضم الجولان لسورية لتكون تحت السيادة الإسرائيلية) وأمور أخرى. كما ينظر العرب لـ “بايدن” والديمقراطيين على أنهم يمثلون دولة تدعي القيم والأخلاقيات ولكنها مزدوجة المعايير وتستغل حقوق الانسان والحريات كورقة ضغط على حساب ثوابت وطنية أخرى مهمة، فقط وبما يحقق المصالح الأمريكية.

ثانياً: موقف الاتفاقية النووية مع إيران:

يتواجه الولايات المتحدة صعوبة كبيرة في الوصول لرؤية متفق عليها حيال الأزمة الإيرانية الخليجية. فما وصل له الحال بشأن الاتفاقية النووية الإيرانية. فبرغم احتمالات عودة الإدارة الأمريكية الجديدة إلى ما قبل مايو 2018 وهو التاريخ الذي أعلن فيه ترمب انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاقية، إلا أن هناك مشكلة تعد خطيرة والتي أدت لها سياسات ترمب الخاطئة تجاه إيران، وهي أن إيران قد صعدت من قدرات مشروعها النووي كرد فعل داخلي تجاه سياسات ترمب. فمن يضمن قدرات المشروع النووي الإيراني النووي اليوم مقارنة بقدرات نفس المشروع قبل عامين ونصف؟ قد يكون من حق إيران أن تكون دولة قوية ومستقرة ولكن إذا امتلكت سلاح نووي أو تعاظمت قدراتها النووي فمن الضامن لمستقبل استقرار المنطقة؟ أعتقد أن الولايات المتحدة في 2021 ستفكر في تلك التساؤلات وأكثر.

من جانب آخر، لم يعد البرنامج النووي وحده ما يهدد إسرائيل ودول الخليج، فهناك اجماع من السعودية وإسرائيل أن ترسانة الصواريخ الإيرانية أصبحت تشكل تهديداً خطيراً، خاصة بعد تنفيذ هجمات صاروخية دقيقة على منشئات النفط السعودية في 14 سبتمبر 2019. فضلاً عن تصريح روحاني أن برنامج الصواريخ الباليستية والقضايا الإقليمية غير قابلة للتفاوض.

ثالثاً: قضية ضم إسرائيل للمستوطنات من الأراضي الفلسطينية:

رغم أن الحزب الديمقراطي وتحديداً بايدن لم يكن مع قيام إسرائيل بضم المستوطنات الفلسطينية لإسرائيل ونقل السفارة الأمريكية للقدس، إلا أنه سيكون من الصعب التراجع عن التطورات التي أنشأتها إدارة ترمب في هذا الصدد. الأمر الذي سيدعو بايدن لإعادة النظر في حل القضية الفلسطينية ربما بعيداً عن صفقة القرن التي أعدها كوشنر صهر ترمب.

رابعاً: موقف الأزمة السورية وتردي الأحوال السياسية والاقتصادية والأمنية في لبنان:

تواجه الولايات المتحدة في 2021 موقفاً صعباً في سوريا، فما زال بشار الأسد مسيطر على الموقف، كما أن المعسكر الغربي وقواته على الأرض سواء من الولايات المتحدة أو دول أوروبا المشاركة، تعد أقل نفوذاً من نظيرها الروسي، حيث بسبب الأخطاء الأمريكية خاصة خلال فترة ترمب، توغلت تركيا في سوريا وعلى حدود العراق، وتمكنت روسيا من ممارسة سياسة الاحتواء للقوى الإقليمية الأهم المتنافسة في سوريا (تركيا وإيران وإسرائيل) وبما يحقق المصالح الروسية وتمكين روسيا من توسيع نفوذها في سوريا، وهو ما عجزت على تنفيذه إدارتي أوباما وترمب. إلا أن الإدارة الأمريكية الجديدة ستوازن الموقف بالاستفادة من القوات المتواجدة حالياً على الأراضي السورية لاستمرار الضغط على النظام السوري.

كما أن المواقف السياسية والاقتصادية والأمنية في لبنان تعتمد إلى حد كبير على طبيعة العلاقات المستقبلية بين الولايات المتحدة وإيران، فما زالت إيران نافذة في لبنان وتسيطر إلى حد كبير على القرار السياسي وعلى الوضع الأمني في لبنان وهو ما يعضده سيطرة بشار السد في سوريا، وبما يؤثر على المصالح الأمريكية واستراتيجيتها بشكل مباشر في منطقة الشرق الأوسط.

خامساً: إمكانية العودة للتوازن بين القيم والمصالح الأمريكية:

اعتاد الديمقراطيين الدفاع عن القيم الأمريكية في مناطق استراتيجياتها خاصة الشرق الأوسط، ورغم أن أوباما كان مع ثورات الربيع العربي إلا أن بايدن وهيلاري كلينتون كانا مختلفين معه حيث كانوا يروا أن نجاح الثورات العربية وخاصة في مصر وسقوط نظام مبارك الذي اعتاد حفظ التوازن السياسي في المنطقة سيؤثر بشدة على المصالح الأمريكية. في المقابل انحاز ترمب للمصلحة الأمريكية بشدة دون أي اعتبار للقيم الأمريكية ومنها الديمقراطية والحريات وغيرها من أمور.

ومن ثم أعتقد أن بايدن سيواجه مشكلة العودة للتوازن بين القيم والمصالح الأمريكية، حيث اعتاد بعض الزعماء العرب وخاصة السعودية ومصر الداعم التام من ترمب من منظور المصلحة الأمريكية الصرف.

سادساً: الأزمات في منطقة الشرق الأوسط (اليمن وليبيا):

تواجه الولايات المتحدة معضلة كبير بسبب الأزمات الحالية في المنطقة وخاصة في اليمن وليبيا، خاصة أن الولايات المتحدة لم تتدخل فيه الأزمتين بقوات عسكرية سوى للتصدي لتنظيم القاعدة في اليمن. وتتلخص المعضلة هنا في عدم التواجد العسكري الأمريكي الكامل وفي نفس الوقت ضرورة عدم اتاحة الفرصة لروسيا والصين لتوسيع نفوذهما في البلدين بأي شكل. فمن المرجح أن الولايات المتحدة ستقلص من تدخلها في قضايا الدول بمناطق الاهتمام من خلال مكافحة الإرهاب ومحاربة الحكومات الديكتاتورية وغيرها من أمور، كخطوة للتحول إلى التركيز على التنافس العالمي في مناطق موارد النمو الاقتصادي. فالإرهاب مستمر طالما جذوره باقية، والولايات المتحدة مهما كانت قوتها الاقتصادية عليها القيام بتحديد الأولويات.

سيجعل ذلك الولايات المتحدة تستمر على العقيدة “الواقعية” من خلال مبدأ “القيادة من الخلف” في مناطق الصراعات والتي ينتشر فيها الإرهاب، على أن تقوم الإدارات المتعاقبة بتشجيع الجهات الفاعلة المحلية والإقليمية على تحمل المسؤوليات الأمنية في داخل بلادها ومحيطها الإقليمي، مع تدخل واشنطن من حين لآخر فقط حيث تعتبر منطقة الشرق الأوسط مهمة استراتيجيًّا للولايات المتحدة.. وفي نفس الوقت، ستعمل الولايات المتحدة بكل قوة سواء من خلال المناورات السياسية والدبلوماسية او من خلال الضغوط الاقتصادية والسياسية أن تمنع الصين وروسيا من ممارسة نفوذها في تلك المناطق.

ومن ثم أرى أنه يمكن استشراف تراجع الولايات المتحدة لضمان الاحتفاظ بقوتها ولو على حساب هيمنتها، مع الاستمرار في ضرب منافسيها. خاصة مع تضررها من أزمة فيروس كورونا المستجد والتحول من عولمة إلى أقلمة التجارة.

سابعاً: المناورات السياسية والأمنية التركية في المنطقة:

كما نجد تحدي إقليمي شديد الأهمية يواجه الولايات المتحدة وهو يخص تركيا التي اعتادت الولايات المتحدة أن تعتبرها الحليف الاستراتيجي الأهم في مواجهة روسيا وضبط الإيقاع بين إيران وإسرائيل والخليج في منطقة الشرق الأوسط. فاليوم ترى الولايات المتحدة تركيا تناور بين علاقاتها مع كل من الولايات المتحدة والناتو وأوروبا من جانب وروسيا من جانب آخر، مستغلة موقعها الجيوستراتيجي المسيطر على مضيقي البوسفور والدردنيل التركيين والذي يسعى كلا الطرفين الشرق والغربي لاستقطاب تركيا في صفه.

ثامناً: إمكانية استعادة السيادة الأمريكية أمام منافسيها الأهم (الصين وروسيا):

من الواضح أن السياسة الأمريكية تجاه إسرائيل ودول الخليج العربي قد سمحت بتسرب النفوذ الروسي خاصة في سوريا وتجاه تركيا وإيران، وكذا هيئت الظروف الملائمة للصين لممارسة أدوار عسكرية وسياسية جديدة عليها في المنطقة، كالمناورات العسكرية المشتركة مع روسيا وإيران وإطلاق منصة الحوار المفتوح بين دول الخليج وإيران على أساس الاتفاقية لنووية. ساعد على هذا أيضاً الحصانة التي تضمنها الولايات المتحدة لإسرائيل كطموح الهيمنة، والترسانة النووية، لأمر الذي قلل من مصداقية واشنطن مع اللاعبين الإقليميين الآخرين وجعلها عرضة للهجمات من قبل المنافسين.

الأمر الذي قد يوجب على الإدارة الأمريكية القادمة تغيير استراتيجياتها كالآتي:

ستعمل الولايات المتحدة على اعداد استراتيجية شاملة جديدة لتقويض منافسيها (الصين وروسبا في المنطقة)، وذلك من خلال محاولة كسر شوكة روسيا في الشرق الأوسط بكل السبل، حيث إن الولايات المتحدة تعلم أن الصين تعتمد بشكل كبير على روسيا في منطقة الشرق الأوسط لخبراتها وممارساتها في أزمات المنطقة.

من جانب آخر ستعمل الولايات المتحدة على استعادة حلفائها الدائمين لصفها بشكل مطلق خاصة تركيا والخليج ومصر. ولكن قد يلجأ بايدن إلى إعادة النظر في سياسات بلاده تجاه السعودية وإسرائيل تحديداً، إلا أن اللوبي اليهودي المتحكم في رؤوس الأموال بالولايات المتحدة سيعوق من تحقيق ذلك.

ولن تتخلى الولايات المتحدة عن علاقاتها الاستراتيجية مع مصر لموقعها الجيوستراتيجي وكونها الضامن الرئيس لحرية الملاحة البحرية في قناة السويس، كما أنها ما زالت الدولة ذات التأثير على معظم دول الخليج العربي.

كذلك لن تضحي الولايات المتحدة بأي شكل من الأشكال بعلاقاتها مع تركيا وليس (أردوغان)، فالولايات المتحدة تحتاج للموقع التركي ذي الأهمية الاستراتيجية الكبيرة في مواجهة روسيا الاتحادية.

Share:

administrator