أولاً: الولايات المتحدة والعقائد السياسية لعلاقاتها الخارجية:

هناك أربع عقائد للسياسة الخارجية الأمريكية وقد تناولها أوباما من قبل خلال حواره مع أتلانتس والتي قد تنتهج أي منها دولة ما في ظروف معينة:

الإنعزالية: وتعتبر في الوقت الراهن الأكثر إستبعاداً خاصةً من قبل الولايات المتحدة وكافة الدول العظمى، فالعالم يزداد ضيقاً وتقارباً بطريقة غير مسبوقة والانعزال عنه أو الانسحاب منه غير ممكن.. وقد يتم اللجوء للـ(إنعزالية) لفترات ولظروف محددة كإنعزال ألمانيا واليابان لبناء بلديهما بعد الحرب العالمية الثانية، حتى توقفت عنها للإنفتاح على العالم.

التدخل التحرري (الليبرالي): وتنتهج فكرة التدخل السياسي والإقتصادي وأحياناً كثيرة العسكري في دول الاهتمام لإسقاط ما يطلقون عليها (حكومات رديئة) من أجل ما يرونه منح للحريات لشعوب تلك الدول، كما حدث في العراق، وأفغانستان وغيرهما. وهي مكلفة للغاية لدول منتهجي هذا النوع من العقائد في الأموال والأرواح بل وتعمل على تآكل شعبية منتهجيها بين شعوبهم.. وتُعد الولايات المتحدة من أكثر الدول إنتهاجاً لتلك السياسة الخارجية، فرغم أن هدف جورج بوش في العراق ومعه توني بلير رئيس وزراء بريطانيا آن ذاك هو تطبيق العقيدة الواقعية باسقاط نظام صدام حسين وبما يضمن عدم هيمنة العراق على النفط الخليجي، إلا أنه كان يعتبر تدخل تحرري في ظاهره. ومن أهم أدوات عقيدة التدخل الليبرالي العسكرية على الإطلاق هي حلف الناتو ومحاولة إشراك قوة الاتحاد الأوروبي حديثة التشكيل كأداة لها أيضاً.

الدْوَلِية (العالمية): وهي عقيدة عظمى قد لا تصطدم مع (التدخل الليبرالي) تنتهجها الأنظمة السياسية ذات التوجه الرامي لانتشار العولمة من أجل التطبيع الدولي. وأكبر عائق يقابل هذه العقيدة هو إختلاف الثقافات بين الشعوب رغم تكرار محاولات تفهمها.. وقد حاولت إدارة أوباما مع بدء فترته الرئاسية الأولى وديفيد كاميرون البريطاني والاتحاد الأوروبي حالياً إنتهاج الدْوَلِية (العالمية)، بل حولوا أداة العنف العسكرية (الناتو) من أداة للنهج التدخلي الليبرالي إلى أداة تواصل لنهج الدوَليِْة (العالمية)، في ظل محاولة تعظيم قوة عسكرية موازية (قوة الاتحاد الأوروبي الحديثة) لتكون أداة عسكرية مستقلة لدول الاتحاد الأوروبي بعيدة عن إستخدام أي دول خارجه كالولايات المتحدة وكندا.

الواقعية: وهي العقيدة السائدة الآن بين القوى العظمى والقوى الإقليمية وقد لا تتفق مع (التدخل الليبرالي)، حيث تعتمد الواقعية على التفكير ليس فقط من زاوية منتهجيها ولكن من كافة زوايا الأطراف الأخرى، في محاولة لتفهم ثقافات دول الإهتمام وإحترام ثقافاتهم وإراداتهم قدر المستطاع دون تدخل سياسي أو عسكري حاسم قد تتسبب تداعياته في أزمات تجر لما هو أسوأ من الأوضاع الحالية.. وهو ما أنتهجه أوباما قبل منتصف فترة رئاسته الثانية ووضحت ملامحها في أغسطس 2013 بعد إعلانه صراحته القرار الأمريكي بعدم التدخل لإسقاط بشار الأسد أمام استخدامه الأسلحة الكيميائية ضد معارضيه، رغم إعتراض كل من “سوزان رايس” مستشارة الأمن القومي الأمريكي و”سامنتا باور” أحد أكبر مستشاري أوباما ورئيس البعثة الأمريكية الدائمة بالأمم المتحدة على قرار أوباما بعدم استخدام القوة ضد الأسد وقتها.

ثانياً: العقيدة الواقعية الأمريكية  والاستراتيجية الكبرى للولايات المتحدة “التوازن من خلف البحار – Offshore Balancing”:

“التوازن من خلف البحار” هو مفهوم استراتيجي يستخدم في التحليل الواقعي في العلاقات الدولية. وهو يصف استراتيجية تستخدم فيها قوة عظمى قوى إقليمية مفضلة لكبح صعود القوى المعادية المحتملة. وتقف هذه الإستراتيجية على النقيض من الإستراتيجية الكبرى المهيمنة في الولايات المتحدة، والمعروفة بـ “الهيمنة الليبرالية”.

وتدعو إستراتيجية “التوازن من خلف البحار” إلى الحفاظ على توازن تقريبي للقوى في المناطق الجيوسياسية الرئيسية الثلاث في العالم وهي: أوروبا، وشمال شرق آسيا، والخليج العربي. وهذه الأقاليم الثلاث هي المحور، حيث أن أوروبا وشمال شرق آسيا هما المراكز الصناعية الرئيسية في العالم، والتي تحتوي على جميع القوى العظمى الأخرى. أما أهمية الخليج العربي فتكمن في امتلاك دوله لسوق النفط العالمي.

وخارج هذه المناطق، تهدف الولايات المتحدة لأن لا تقلق بشأن التطورات الأمنية، ومن ثم، وجب عليها بصفتها تنتهج استراتيجية تحقق “التوازن من خلف البحار” أن تسعى أولاً إلى نقل المسؤولية إلى القوى المحلية والتدخل فقط إذا كان التهديد أكبر من أن تتعامل معه القوى الأخرى في المنطقة. وهو ما فعله بالفعل أوباما في نهاية فترته والذي أسماه “القيادة من الخلف – Leading from behind”.

ومن ثم، يمكن القول إن استراتيجية “التوازن من خلف البحار” تسمح لقوة عظمى كالولايات المتحدة بالحفاظ على قوتها دون تكاليف الانتشار العسكري الكبير في جميع أنحاء العالم، وتكتفي بالانتشار العسكري في زاويا مثلث الاستراتيجية الثلاث (أوروبا وشرق آسيا والخليج العربي).

ويجادل العديد من الخبراء في الإستراتيجية والعلوم السياسية وأهمهم جون ميرشايمر، وستيفن والت، وروبرت باب، وأندرو لاثام، وباتريك بورتر، وأندرو باسيفيتش وكريستوفر لاين بأن استراتيجية “التوازن من خلف البحار” لها جذورها التاريخية في الإستراتيجية البريطانية الكبرى فيما يتعلق بأوروبا، والتي تم تبنيها في نهاية المطاف ومتابعتها من قبل الولايات المتحدة واليابان في نقاط مختلفة من تاريخهما.

وفقًا لعالم السياسة جون ميرشايمر، في فصل “الإستراتيجية الأمريكية الكبرى” بجامعة شيكاغو، كان “التوازن من خلف البحار” هو الإستراتيجية التي استخدمتها الولايات المتحدة في الثلاثينيات. وعندما قدمت الولايات المتحدة مساعدة Lend-Lease لبريطانيا في الأربعينيات من القرن الماضي، انخرطت الولايات المتحدة في استراتيجية “التوازن من خلف البحار” من خلال كونها ترسانة للديمقراطية في مناطق الاهتمام، فهي أولى القيم الاستراتيجية الأمريكية وهي مفهومة في زاوية المثلث الأولى (أوروبا) وبعض دول زاوية المثلث الثانية (شرق آسيا) وتحديداً اليابان وكوريا الجنوبية وأيضاً في تايوان، ولكنها مرفوضة في نفس الزاوية في الصين وكوريا الشمالية، أما في الزاوية الثالثة للمثلث (منطقة الخليج العربي) بشكل خاص وإقليم الشرق الأوسط بشكل عام فلا قيمة لها.

ثالثاً: إجراءات عسكرية وأمنية تمت لدعم استراتيجية “التوازن من خلف البحار”:

دعمت الولايات المتحدة الجانب الخاسر (العراق) في الحرب العراقية الإيرانية لمنع تطور الهيمنة الإقليمية الإيرانية، والتي يمكن أن تهدد النفوذ الأمريكي في نهاية المطاف.

على النقيض، تصدت الولايات المتحدة وحلفائها لصدام حسين أمام احتلاله للكويت وذلك خوفاً من الهيمنة العراقية على مقدرات منطقة الخليج.

كما قام أوباما بتوقيع الاتفاقية النووية مع إيران، بالتنسيق مع كافة الدول الكبرى وألمانيا والاتحاد الأوروبي، وهو إجراء يُعد من صلب استراتيجية “التوازن من خلف البحار” حيث أن الاتفاقية النووية من المنظور الأمريكي وحلفائها تحفظ توازن القوى في الخليج ومن ثم تضمن أمن الطاقة التي تؤمن الصناعة في أوروبا وشرق آسيا. ولذا يُعد انسحاب ترمب (البرجماتي – الواقعية المتشددة) من الاتفاقية النووية، إبان فترة رئاسته، ضربة قاسمة للواقعية الأمريكية وتحديداً لاستراتيجية “التوازن من خلف البحار”، وذلك دعماً لأهداف إسرائيل المناوئة لإيران. فالاتفاقية النووية مع إيران تُعد أحد دعائم بناء الاستراتيجية الأمريكية “التوازن من خلف البحار” ولكنها تصطدم بشدة مع الاستراتيجية الإسرائيلية في المنطقة والتي تهدف للإنفراد بالقوة على حساب التوازن العسكري.

رابعاً: الخلاصة:

ما يحدث الآن ويراه المحللون تحول في الاستراتيجية الأمريكية هو في رأيي إصرار واضح من جانب الولايات المتحدة على انتهاج العقيدة الواقعية والاستمرار في استراتيجيتها الكبرى “التوازن من خلف البحار”، وبما يضمن بقاء الولايات المتحدة على رأس النظام العالمي لأطول فترة ممكنة.

د. سَــــيِْد غُنــــيِْم
دكتوراه العلوم السياسية – زميل أكاديمية ناصر العسكرية العليا
رئيس معهد شؤون الأمن العالمي والدفاع – أستاذ زائر بالناتو

Share:

administrator