د طارق جمعة
باحث في شؤون الإرهاب والأمن الإقليمي

في مساء متوتر من أمسيات مدينة نيويورك كانت إحدى المظاهرات تسير بشكل طبيعي في أحد الشوارع المزدحمة قبل أن تتحول اللحظة إلى إنذار أمني عندما ألقى شاب عبوة ناسفة بدائية الصنع باتجاه المتظاهرين لم تنفجر العبوة لكن الحادثة فتحت بابا واسعا من الأسئلة حول الطريقة التي يمكن أن يصل بها بعض الشباب إلى حافة العنف داخل المجتمعات الغربية فقد كشفت التحقيقات الأولية أن المشتبه بهما شابان في نهاية مرحلة المراهقة أحدهما من أصول أفغانية والآخر من أصول تركية وأن كليهما تعرض لمواد دعائية مرتبطة بتنظيم داعش عبر الإنترنت وهو ما أعاد إلى الواجهة نقاشا أوسع حول التحولات التي طرأت على أساليب التجنيد لدى التنظيمات المتطرفة في العصر الرقمي

لفترة طويلة كان التجنيد الجهادي يعتمد على شبكات بشرية واضحة حيث يقوم شخص بدور المجند الذي يفتح الطريق أمام الشاب المستهدف نحو التنظيم كان هذا النموذج يعتمد على اللقاء المباشر وعلى العلاقات الاجتماعية داخل المساجد أو الدوائر المغلقة لكن هذا النموذج بدأ يتغير تدريجيا مع توسع الإنترنت ثم مع صعود منصات التواصل الاجتماعي ومع دخول الذكاء الاصطناعي إلى بنية هذه المنصات أصبحت البيئة الرقمية نفسها قادرة على توجيه المستخدمين نحو أنواع معينة من المحتوى دون وجود مجند مباشر

اليوم لم يعد الطريق إلى التطرف يبدأ دائما بلقاء مع شخص يحمل أفكارا متشددة بل قد يبدأ بمشاهدة فيديو أو قراءة منشور أو متابعة نقاش رقمي حول قضية سياسية أو دينية ومع مرور الوقت قد يجد المستخدم نفسه داخل بيئة رقمية مليئة بالسرديات التي تعيد تفسير العالم بطريقة ثنائية تقوم على فكرة الصراع بين معسكرين هذا التحول جعل الفضاء الرقمي أحد أهم مسارات التجنيد غير المباشر لدى التنظيمات المتطرفة

في هذا السياق يظهر الذكاء الاصطناعي كعامل غير مرئي لكنه شديد التأثير فالمنصات الرقمية تعتمد على أنظمة تحليل بيانات متقدمة تقوم بفهم سلوك المستخدمين واقتراح محتوى قريب من اهتماماتهم كل مشاهدة وكل نقرة وكل تعليق يتحول إلى معلومة تساعد النظام على تحديد ما قد يجذب انتباه المستخدم في المرة التالية وبهذه الطريقة يتشكل مسار رقمي قد يقود المستخدم تدريجيا إلى محتوى أكثر حدة من حيث اللغة أو التفسير السياسي للأحداث

هذه الأنظمة لم تصمم لنشر التطرف لكنها صممت لتعظيم التفاعل داخل المنصات لكن عندما يتقاطع هذا الهدف مع وجود محتوى متطرف قادر على إثارة الانتباه فإن النتيجة قد تكون انتشار هذا المحتوى بشكل أوسع مما كان يحدث في الماضي وهذا ما يشير إليه عدد متزايد من الدراسات الغربية التي ترى أن البيئة الرقمية قد تتحول أحيانا إلى مضخم غير مقصود للأفكار المتطرفة

غالبا لا يبدأ المستخدم بالبحث عن تنظيم داعش بل يبدأ المسار بمحتوى يبدو عاديا أو إنسانيا قد يكون فيديو يتناول معاناة المدنيين في منطقة حرب أو نقاشا حول التمييز أو خطابا دينيا عاما حول الظلم العالمي لكن مع استمرار التفاعل يبدأ النظام في اقتراح محتوى أكثر حدة ثم يظهر محتوى يحمل تفسيرات أكثر تشددا للأحداث ثم مواد دعائية مرتبطة بجماعات متطرفة هذه العملية التدريجية تسمى في دراسات التطرف الرقمي سلم التطرف

تنظيم داعش كان من أوائل التنظيمات التي أدركت طبيعة البيئة الرقمية الجديدة فمنذ ظهوره عمل التنظيم على بناء جهاز إعلامي متطور قادر على إنتاج فيديوهات عالية الجودة ومجلات رقمية بلغات متعددة لكنه أدرك أيضا أن قوة الدعاية لا تكمن فقط في الرسالة بل في قدرتها على الانتشار داخل المنصات الرقمية ولذلك ركز على إنتاج مواد بصرية قصيرة وقابلة للمشاركة السريعة

ومع تطور أدوات الذكاء الاصطناعي دخلت الدعاية المتطرفة مرحلة جديدة فلم يعد إنتاج المحتوى يتطلب فريقا إعلاميا كبيرا يمكن اليوم استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لإنتاج نصوص وصور ومقاطع مرئية خلال وقت قصير وهو ما يسمح بزيادة حجم المواد الدعائية المنتشرة على الإنترنت كما يمكن لهذه الأدوات إنتاج المحتوى بلغات متعددة والوصول إلى جمهور عالمي في وقت محدود

الحالات الواقعية المرتبطة بالتطرف الرقمي تؤكد هذا التحول ففي عدد من الهجمات التي شهدتها الولايات المتحدة وأوروبا خلال السنوات الماضية تبين أن بعض المنفذين لم يكونوا أعضاء رسميين في تنظيمات إرهابية بل تأثروا بمحتوى متطرف عبر الإنترنت مثل حالة منفذ هجوم أورلاندو في الولايات المتحدة أو منفذ هجوم مانشستر في بريطانيا حيث كشفت التحقيقات أن التعرض المستمر للدعاية المتطرفة لعب دورا مهما في تشكيل مسار التطرف

حادثة محاولة استهداف عمدة نيويورك تعكس هذا التحول بوضوح فالمشتبه بهما لم يكونا جزءا من شبكة تنظيمية معقدة ولم يسافرا إلى مناطق صراع لكنهما تعرضا لدعاية متطرفة عبر الإنترنت وهو ما يطرح سؤالا حول الدور الذي تلعبه البيئة الرقمية في تشكيل الأفكار المتشددة لدى بعض الشباب خاصة أولئك الذين يعيشون في بيئات متعددة الثقافات ويبحثون عن هوية واضحة

في كثير من الحالات لا يرتبط التطرف بالفقر فقط بل يرتبط أيضا بأزمات الهوية والشعور بالاغتراب الثقافي فالشباب الذين ينشؤون بين ثقافتين قد يشعرون أحيانا بأنهم لا ينتمون بالكامل إلى أي منهما وفي البيئة الرقمية قد يجدون سرديات تقدم لهم تفسيرا بسيطا لهذا الشعور وتقدم لهم أيضا هوية بديلة تقوم على فكرة الانتماء إلى جماعة عالمية

كل هذه التحولات تشير إلى أن التطرف في العصر الحديث لم يعد يعتمد فقط على وجود تنظيم قوي أو قيادة مركزية بل يعتمد أيضا على البيئة الرقمية التي تسمح بانتشار الأفكار وحتى عندما يتم تفكيك التنظيمات على الأرض يمكن أن تستمر سردياتها في الانتشار داخل الإنترنت وهو ما حدث بالفعل بعد تراجع تنظيم داعش ميدانيا في العراق وسوريا

هذا الواقع يطرح تحديا كبيرا أمام الحكومات وشركات التكنولوجيا فالمشكلة لا تتعلق فقط بإزالة المحتوى المتطرف لأن هذا المحتوى قد يعود للظهور بسرعة عبر حسابات جديدة كما أن أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تدير المنصات مصممة لتعظيم التفاعل وليس لتقييم الأثر السياسي أو الأمني للمحتوى وهو ما يجعل التعامل مع هذه الظاهرة أكثر تعقيدا

في النهاية تكشف حادثة محاولة استهداف عمدة نيويورك أن التطرف المعاصر لم يعد ظاهرة تنظيمية فقط بل أصبح أيضا ظاهرة رقمية تتشكل داخل بيئة تقنية معقدة فالذكاء الاصطناعي لا يقوم بتجنيد الأفراد بشكل مباشر لكنه يشكل البيئة التي تتحرك داخلها الأفكار وفي هذه البيئة يمكن أن تنتشر السرديات المتطرفة بسرعة كبيرة وهو ما يجعل فهم العلاقة بين التكنولوجيا والتطرف أحد أهم التحديات الأمنية في القرن الحادي والعشرين

شارك

administrator