دكتور سيد غنيم، دكتوراه في العلوم السياسية، رئيس IGSDA.

تلاحظ فيديو منتشر يحمل لقاء تليفزيوني للإعلامي المتميز عاصم بكري مع دكتورة باحثة تعمل مدرس في العلوم السياسية، طرحت خلالها رؤية بشأن ما يسمى “الولايات المتحدة الإبراهيمية”، حيث ذكرت خلال الحوار عدة نقاط أهمها ما يلي:

مركز دراسات للأبحاث البيئية يدعى “اميريجي” تابع لجامعة فلوريدا أصدر “وثيقة” تدعى “الولايات المتحدة الإبراهيمية” حيث تضمنت الآتي:

أن المنطقة العربية تمتلك الموارد وتحديداً (الأرض والماء والطاقة) ولكنها لا تمتلك متطلبات حوكمة إدارتها، مما يدعو لإسقاط بعض هذه الدول.

وقالت، أن وثيقة الولايات المتحدة الإبراهيمية أشارت إلى انهيار العديد من الدول العربية عام 2027 بسبب التغيرات المناخية، وذلك امتداداً لمشروع الشرق الأوسط الكبير.. وأشارت إلى جملة الرئيس بايدن الشهيرة “حان وقت التغيير” موضحة أن بايدن يشير لنتائج “تغيير المناخ”، وكأن تغييرات المناخ ورقة يستغلها بايدن لإسقاط الدول العربية، وه ضلال بين، فبايدن يقصد بجملته تغيير كل ما قام به ترمب الذي ألغى اتفاقية التغير المناخي لتوفير الأموال الأمريكية رغم أن هذه الاتفاقية العالمية تحمي العالم من الاحتباس الحراري خاصة أفريقيا وبالأخص شمال أفريقيا، وليس كما تفضلت الباحثة.

وقالت، أن وثيقة الولايات المتحدة الإبراهيمية أشارت أيضاً إلى تحول باقي الدول العربية وإيران إلى اتحاد فيدرالي، يحكمه إسرائيل ثم تركيا نظراً لتفوقهما التكنولوجي.

وترى الباحثة أن سبب إشراك تركيا مع إسرائيل في الحكم هو أن العرب لن يقبلوا إسرائيل أن تحكمهم بصفتها دولة غير مسلمة، كما أن تركيا تقدم نفسها من خلال المشروع الإسلامي، ناهيك عن علاقات تركيا المتميزة مع الولايات المتحدة وإسرائيل فضلاً عن عضويتها بالناتو.

واستكملت، ثم يتم القضاء على تركيا واسقاطها.

في هذا الوقت تتم محاولات دمج الأديان الثلاث والتي بدأت مؤخراً بالصلاة المجمعة (إسلامية – مسيحية – يهودية) للنجاة من فيروس كورونا.. فتذوب الأديان والقومية العربية تحت راية الإبراهيمية، أي تسود إسرائيل تماماً على العرب الذائب في أجنحة مخططها.

كل ذلك بدعم الولايات المتحدة الأمريكية.

كما قالت الباحثة أنه قد أثبتت إحصائية لجامعة هارفارد عام 2000 أن اسم “إبراهيم” هو الشائع في العالم فليس هناك أسرى مسلمة أو مسيحية أو يهودية إلا وفيها اسم “إبراهيم”، ومن ثم يجب إطلاق اسم “إبراهيم” على اتفاقية تجمع العالم تحت راية الإنسانية.

وفي النهاية، أشارت الباحثة إلى أن اتفاقيات التطبيع مع إسرائيل مرتبطة باتفاقية الأمم المتحدة “الشعوب الأصلية” التي تم توقيعها عام 1690.

=====================

إذن الخلاصة كالآتي:

أنه في خلال ست سنوات من الآن، وبدعم الولايات المتحدة وارتباطاً بالتغيرات المناخية، ستسقط عدة دول عربية وتتزعم إسرائيل ما يسمى “الولايات المتحدة الإبراهيمية” التي ستتضمن الدول العربية وإيران وتركيا تحت قيادتها لتصبح إسرائيل رئيس أغنى وأكبر دولة في العالم تعمل بنظام فيدرالي.

=====================

أولاً: التحقق:

بحثت كثيراً وطلبت دعمي من مساعدين باحثين ومن أصدقاء بإمدادي بأي روابط إليكترونية تخص ما استندت عليه الباحثة في تحليلها هذا، وحصلت على نسخة ملف “بي دي إف” عنوان موضوعها:

“The United States of Abraham: A Path toward Peace in the Middle East?”

“الولايات المتحدة الإبراهيمية: طريق نحو السلام في الشرق الأوسط؟”

وهي نتاج مؤتمر إميريجي الثامن للطاقة والذي عُقد في يناير 2015 بعنوان “نظرية وتطبيقات منهجية الطاقة – دراسة للمتناقضات. وتضمنت عدة نقاط (موجز – مقدمة – أصل فكرة الولايات المتحدة الإبراهيمية – تحليل “إميريجي” لإسرائيل وفلسطين ودول الشرق الأوسط – الاتحادات الجغرافية – عصر الإمبراطورية الرومانية – عصر الإسلام – عصر النفط – السياق التاريخي لاتحاد الأمم – العرب واليهود – الصهيونية ودولة إسرائيل – مجالس النواب – الولايات المتحدة الإبراهيمية).

وقد خلصت من قراءة الملف إلى أن هناك باحث أمريكي اسمه “ديفيد سينسمان” كان يشارك في الاجتماع السنوي الثامن للجمعية الدولية لعلم النفس السياسي (ISPP) الذي عقد في واشنطن يونيو 1985، وعقد خلالها ورشة عمل بعنوان “الأمل واليأس في الصراع العربي الإسرائيلي”.

وتحدث في ورشة العمل حوالي (20) باحث منهم “ديفيد سينسمان”.

من الواضح أنه كان يقدم فكرة بحثية وليس “وثيقة” استراتيجية تم تبنيها رسمياً كما نوهت الباحثة في حديثها.

حيث قدم سينسمان فكرة إنسانية من وجهة نظره ترمي إلى اتحاد (17) دولة بالمنطقة وضعها بترتيب الأبجدية الإنجليزية (الجزائر – مصر – إيران – العراق – إسرائيل – الأردن – الكويت – لبنان – ليبيا – المغرب – عمان – فلسطين – السعودية – سوريا – تونس – تركيا – الإمارات – اليمن).

إلا إن سينسمان تفاجأ أن كل الحضور رفضوا فكرته وبدء يشعر إن فكرته ممكن أن تؤخذ على محمل خاطئ. وبسبب رفض الحضور لتفكيره المثير للجدل حول مثل هذه القضية، فقد قرر الصمت من باب الحكمة، لأنه من السهل أن يتم اقتباسها بشكل خاطئ أو استخدام عبارات فضفاضة يصعب سحبها لاحقًا، وقد لا تأتي على على هوى إسرائيل.

بعد ذلك في عام 2014 حاول الباحث الأمريكي دانيال كامبل (كاتب الورقة البحثية التي عثرت عليها) التعرض للفكرة بشكل مدروس أكثر لإعداد قضية اتحاد دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لتصبح “الولايات المتحدة الإبراهيمية” وبما يشبه الولايات المتحدة الأمريكية، وفكر أن يقدمها في صورة أكثر واقعية على أن دول المنطقة تكون تحالف على غرار الاتحاد الأوروبي الحالي، وهو أمر تكرر كثير، وليس كما تفضلت السيدة الدكتورة الباحثة في الشكل التآمري المبالغ فيه وغير المنطقي، حيث قال كامبل بالحرف:

“في هذه الورقة، ندرس المسار المحتمل نحو منظمة سياسية ونظرة ذهنية قادرة على تحقيق السلام والازدهار في جميع أنحاء الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. نحن نأخذ بعين الاعتبار ما هو مطلوب للأطراف المتنازعة للعيش معًا في وئام مع الاعتماد على نفس قاعدة الموارد وما يمكن أن يكون ممكنًا ، إذا كان من الممكن إظهار التراث المشترك لأبناء إبراهيم من خلال شكل من أشكال الاتحاد السياسي”.

ثانياً: الاستنتاجات بعد التحقق من الورقة البحثية:

هي مجرد فكرة دراسة لباحث وليست “وثيقة” معترف بها أو استراتيجية تم تبنيها بواسطة أي جهة رسمية، فلا يجب طرح الموضوع على أنه مخطط بعينه لدولة معينة.

أن الفكرة مبنية على التحالف وليس تقسيم الدول، فعادة ما يأخذنا أصحاب فكرة المؤامرة إلى التقسيم وليس التحالف.

لم تواجه الفكرة أي قبول إسرائيلي أو غربي.. من الآخر، لم يهتم بها أي دولة أو منظمة رسمية لمبالغتها وعدم واقعيتها.

لم يتم طرح اسم إسرائيل ولا اسم أي دولة لتقود هذا الاتحاد المزعوم.

لم يتم العثور على إحصائية لجامعة هارفارد عام 2000 بشأن اسم “إبراهيم” وتشير للمضمون الذي تفضلت به الباحثة.

بالبحث في اتفاقية الأمم المتحدة “الشعوب الأصلية” التي أشارت الباحثة أنه قد تم توقيعها عام 1690 رغم أن الأمم المتحدة قد تم إنشائها عام 1954، تلاحظ أن الاتفاقية قد تم إعلانها عام 1989، وعن نفسي لم أصل لشيء يمكن ربطه بإجراءات إسرائيل نحو تطبيع علاقاتها مع الدول العربية حديثاً.

ثالثاً: الرأي:

لو كانت هناك مؤامرة حقيقية بهذا الشكل تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل لقلت إنهم شديدي الغباء أو أنهم أساءوا  التقدير، وسأوضح أسباب تصوري هذا باختصار:

خلال نقاشات بندوات سابقة مع باحثين من بعض دول شرق آسيا وأوروبا بشأن أبعاد القوى الشاملة بدول الشرق الأوسط توصلنا للآتي:

“في الشرق الأوسط، ثلاث عمالقة على الصعيد الديموغرافي/ السكاني حيث يزيد عدد سكانها عن (90) مليون نسمة، وهي إيران وتركيا ومصر. هذه الدول الثلاث لديها أعراق مختلفة في غالبية السكان وكل دولة منهم تتحدث لغتها الخاصة. ومن بينهم مصر، الدولة العربية العملاقة الوحيدة والتي تتحدث لغة (21) دولة عربية أخرى. ومعروف في العلوم الإنسانية أن الدول المتوسطة الأقل من (90) مليون نسمة والدول الصغيرة الأقل من (20) مليون نسمة تميل إلى التقرب للدول العملاقة سكانياً وفي نفس الوقت تعمل الدول الصغيرة جاهدة للحفاظ على هويتها الأصلية، وهو ما نلاحظه على دول الخليج والعديد من الدول العربية، وهذا يعني أن مصر هي الدولة الرائدة للعالم العربي ثقافياً وحضارياً وتاريخياً. لذلك فإن قوة مصر واستقرارها يُعد أمراً حيوياً لنهوض العالم العربي وليس تركيا أو إيران الدول العملاقة الأخرى. من ناحية أخرى يرى باحثون أن مصر تعتبر خزان المواهب، وعلى الرغم من أن المال والنفوذ موجودان الآن في أيدي دول الخليج إلا أن التغيير المجتمعي في المنطقة يأتي من مصر، والتي يتوقع منها الكثير، فلدى الشعب المصري طبقة متوسطة ما زالت سميكة مقارنة بباقي الشعوب العربية – ذات جودة متنوعة ومتفاوتة- رغم جهود طحنها، وهنا تكمن قوة مصر الحقيقية، فهذه الطبقة المتوسطة السميكة نسبياً لا تمتلكها الدول العربية الغنية ذات النفوذ، وهو أيضاً ما يمنح مصر نوع من النفوذ الممتد.”

وفي حالة طرح فكرة التي تدعى “الولايات المتحدة الإبراهيمية” كدولة فيدرالية وتطبيقها كدولة فيدرالية مكونة من ولايات عربية وتركية وإيرانية وإسرائيلية، يتكون أول خطوة مهمة هي انتخاب رئيس لها، وبالطبع سيحصل على أغلب الأصوات، حيث سيكون رئيساً مسلماً بأغلبية الأصوات المسلمة وسيكون عربياً بأغلبية الأصوات العربية.. من سيرضى بذلك سواء تركيا أو إيران أو إسرائيل؟

أي أن لو تم إنشاء الولايات المتحدة الإبراهيمية من خلال الجمع بين الأديان، ورغم إنسانيتها، فالأرجح أن تسود الديانة الإسلامية فيها وليس العكس.. وفي حالة الدمج القومي (العربي – التركي – الإيراني – الإسرائيلي) فالأرجح هنا إما يزداد التنافس على اختيار زعيم تلك الدولة والذي ستغلب في اختياره أغلبية الديانة والقومية وهو ليس في صالح إسرائيل بكل المقاييس حيث سيكون عربياً مسلماً بالتأكيد، أو أن تعود القومية العربية وربما مرتبطة بالهوية الدينية الأقرب لها وهي “الإسلام”، الأمر الذي سيوجه الريادة لمصر تدريجياً، وليست بنظام الإمبراطوريات السابق ذلك العصر الذي لن يعود بسهولة، وذلك لكون مصر الدولة العربية الأكبر بلا شك (ناهيك عن أن ريادة الأقلية يُعد مؤشر خطير لهشاشة أي كيان)، وستنافسها تركيا وإيران دون دعم كاف، فماذا عن إسرائيل التي تعاني من أخطر تحدي يواجهها وأعلنته مراراً وهو زيادة حجم الكتلة السكانية العربية من الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية ويعتنقون الديانة اليهودية والمقيمين على أرض دولة الاحتلال الإسرائيلي وذلك مقارنة بنظيرتها الكتلة السكانية غير العربية، الأمر الذي يُعد شديد الخطورة على الهوية الإسرائيلية والديانة اليهودية، بل هناك احتمال أن دولة إسرائيل قد تنصهر داخل التجمع العربي الضخم في هذه الدولة الفيدرالية المزعومة “الولايات المتحدة الإبراهيمية”، وعلينا ان نتذكر أن من أهم التحديات التي تواجه إسرائيل حالياً هي زيادة تعداد البدو وكذا تعداد الإسرائيليين اليهود من أصول عربية المقيمين في دولة الاحتلال الإسرائيلي مقابل انخفاض نظرائهم من أصول غربية. لا اعتقد أن إسرائيل بهذا الغباء، فالمتآمر ليس غبياً بهذا الشكل.

كنت قد طرحت سؤالاً من حوالي عام: ماذا لو الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، مقابل الاعتراف بدولة فلسطين، كان قد فكر مثلاً في الاعتراف بإسرائيل عام ١٩٥٤ وهي في أشد ضعفها بل واحتضن اليهود في مصر وأرسل العرب لإسرائيل؟ أتصور احتمال أن إسرائيل كانت ستصبح محافظة تابعة لمصر بقليل من الجهد والحنكة، وليس أبداً العكس.

أما المشكلة الحقيقية فتكمن في تبني فكرة ليس لها أساس حقيقي من الصحة وفي الإصرار على غرسها في عقول الناس، وكأنهم منبطحين على وجوههم في مسرح تجارب يفعل بهم العالم ما يشاء وهم مسلوبين الإرادة. وبدلاً من جمع المعلومات وتطويعها في بناء تحليلي خاطئ لخدمة فكرة مسبقة أليس من الأفضل أن نفكر في واقعنا ومستقبلنا بشكل علمي سليم؟

Share:

administrator