دكتور سيد غنيم، دكتوراه في العلوم السياسية، رئيس IGSDA.

أولاً: الانسحاب الأمريكي من الاتفاقية النووية ودوافع التأييد الخليجي:

تزامن إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في مايو 2018 انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي الإيراني مع تصاعد دعوات غالبية دول مجلس التعاون الخليجي إخلاء منطقة الخليج العربي من الأسلحة النووية بدعم من الدول العربية التي تسعى لحشد الدعم الدولي لمشروع إعلان منطقة الشرق الأوسط خالية من أسلحة الدمار الشامل، الأمر الذي تناقض توقيع الاتفاق النووي بين الدول العظمى وإيران ( 5+1) في عام 2015..

ثانياً: ردود الفعل الأولية لدول الخليج على القرار الأمريكي:([1])

دعم كل من السعودية والإمارات والبحرين القرار الأمريكي لتقييم وإعادة صياغة الاتفاق النووي مع إيران لمواجهة تهديدات الأمن الإقليمي.

حياد مواقف كل من عمان وقطر تجاه قرار “ترمب”، وإن كانت البيانات الصادرة عن الدولتين أقرب للتحفظ غير المُعلن على القرار الأمريكي.

رفض الكويت المباشر للانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي.

وفي الوقت الذي عبّرت فيه هذه المواقف المتباينة عن رؤى وحسابات مختلفة، لا يمكن إغفال أن القرار الأمريكي جاء في أحد أبعاده نتاجًا للضغوط الدبلوماسية التي قامت بها بعض الدول العربية، عبر توضيح التهديدات الإيرانية لأمن واستقرار المنطقة في المحافل الدولية باستمرار. ناهيك عن الاشتباك المباشر والمتصاعد مع بعض أذرع إيران في مناطق الصراعات والعمل على كبح تمددها.

ثالثاً: دوافع التأييد الخليجية:

تتطابق نسبياً المبررات التي تبناها “ترامب” لاتخاذ قرار الانسحاب من الاتفاق الإيراني النووي مع مواقف الدول الداعمة له، والتي كثيرًا ما لفتت انتباه المجتمع الدولي لهذه التهديدات الإيرانية منذ توقيع الاتفاق النووي في عام 2015.

لا شك أن تطورات ما بعد الاتفاق النووي دعمت المخاوف التي أعلنتها دول الخليج الرافضة له وكذا إسرائيل تجاه عدم تحجيم الاتفاق النووي للتهديدات الإيرانية، حيث استخدمت إيران الأموال المفرج عنها نتيجة رفع العقوبات عنها في تمويل أذرعها المسلحة.. وبرز في هذا السياق عدة اتجاهات إيرانية لتهديد الأمن الخليجي والإقليمي، والتي شكّلت الدوافع الأساسية للرؤية الداعمة للانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي، ومن أبرزها ما يلي:

التهديد الصاروخي الإيراني عبر اليمن، شكل الاتفاق النووي مكافأة لإيران، حيث استغلت رفع العقوبات لإعادة الدماء لشرايين اقتصادها، ومن ثم ضخ الأموال والأسلحة لأذرعها الإقليمية وخاصة جماعة الحوثي في اليمن.

التمدد الإيراني عبر الوكلاء الشيعة في مناطق النزاعات، سمح رفع العقوبات على إيران بتطوير دورها الإقليمي في مناطق النزاعات في الشرق الأوسط، سواء عبر وكلائها في العراق أو لبنان أو سوريا، في مسعى لاستمرار سياساتها في تصدير الثورة إلى الشرق الأوسط. فعلى سبيل المثال، دعمت إيران الميليشيات الشيعية المسلحة (الحشد الشعبي) في العراق، بينما تدخلت في الصراع السوري عبر وكلاء مسلحين، بينما بقي “حزب الله” الذراع الأساسية الإيرانية المهدِّدة لمؤسسات الدولة اللبنانية.

مواصلة إيران تطوير قدراتها النووية، إن الاتفاق النووي لم يفكك البنية التحتية للبرنامج النووي والإيراني، وإنما أسهم في تحجيمها، حيث لا تزال إيران تملك 3 آلاف جهاز طرد مركزي قد تُشكل أساسًا لبناء قوة نووية في المستقبل. ومع ما تُشير له بنود الاتفاق النووي من أن طهران يمكنها استعادة قدراتها النووية خلال 15 عامًا، فذلك يعني تهديدًا حقيقيًّا لمستقبل الأمن في المنطقة وعليه، اعتبرت الدول الثلاث (السعودية، والإمارات، والبحرين) أن اتفاق (5+1) بدا مؤجِّلًا لطموحات إيران النووية، وليس حاسمًا في منعها، وبالتالي لم يؤدِّ إلى تحقيق إخلاء المنطقة من أسلحة الدمار الشامل، ووقف الخطر الإيراني. هذا في الوقت الذي ترى فيه الدول التي وقعت الاتفاقية أن نزع حوالي 66% من قدرات إيران النووية ووضع الرقابة عليه لمدة 15 عام يعجز إيران عن إمكانية مواصلة برنامجها النووي.

الرهان على الضغط الاقتصادي لتحجيم التهديدات، بدا أن أحد منطلقات الموقف الخليجي هو الرهان على أن إعادة فرض العقوبات على طهران قد يُمثِّل رسالة من الولايات المتحدة كي تُعيد تأهيل السلوكيات التهديدية للنظام الإيراني، عبر تنامي الضغوط الاقتصادية عليه لتحجيم أدواره الخارجية المهدِّدة لأمن المنطقة.

رابعاً: التداعيات:

زيادة دعم إيران لوكلائها في المنطقة مما زاد من الأنشطة العدائية ضد السعودية من خلال الهجمات الصاروخية ضد أهداف حيوية داخل السعودية، وكذا زيادة حدة العنف في بؤر الصراع في اليمن والعراق وسوريا ولبنان.

تصعيد وتيرة التهديدات في المنطقة، حيث بدأ استهداف السفن ناقلات النفط في بحر عمان والخليج العربي بواسطة جهات مجهولة رُجح أن تكون مدفوعة من إيران.

تصاعد الأزمة الإيرانية الأمريكية وظهور نذير حرب في منطقة الخليج.

تزايد سباق التسلح في المنطقة.

بنهاية عام 2020 استأنفت إيران تخصيب اليورانيوم بنسبة 20%، وبما يخالف الاتفاق النووي 2105 والذي ينص على ألا تزيد إيران نسبة التخصيب عن3.67%.([2])

إصرار إيران على الاستمرار في برنامجها النووي مع تجاوز كافة الخطوط الحمراء المفروضة من الدول العظمى مع الاتفاقية النووية عام 2015.

تركيز إيران على تطوير وتكثيف تصنيع الصواريخ الباليستية التي تمثل خطورة عالية وتهديداً مباشراً لاختلال التوازن العسكري وتهديد لاستقرار المنطقة.

تزايد الترابط الإسرائيلي الخليجي خاصة مع الإمارات والسعودي والبحرين والمغرب والسودان وغيرها.

تنفيذ هجمات إليكترونية، حيث اتهم مسؤولون إيرانيون إسرائيل بتنفيذ ما وصفوه بعملية “تخريبية” استهدفت وحدة الطاقة في “نطنز”، المنشأة الرئيسية في برنامج تخصيب اليورانيوم في البلاد، يوم الأحد 11 أبريل 2021.([3])

خروج نسبي للاتحاد الأوروبي عن الأرضية الأمنية التي كانت تجمعها مع الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.

تزايد حدة زعزعة الثقة الدولية في الولايات المتحدة الفرصة التي استغلتها روسيا بشكل جيد وبما أثر على الهيبة والمصداقية الأمريكية، ومنح الفرصة الأكبر للصين لممارسة دور دبلوماسي استراتيجي يعد الأول من نوعه في مواجهة الولايات المتحدة وفي مسرحها الذي اعتادت الانفراد بالقرارات فيه.

خامساً: جهود محاولات العودة للاتفاقية النووية:

بنهاية الأسبوع الأول من شهر أبريل عام 2021 كثّف الأطراف الذين ما زالوا ضمن الاتفاق مباحثاتهم في فيينا في إطار ما يعرف بـ”اللجنة المشتركة” للاتفاق النووي، من أجل التوصل الى حل يتيح عودة طهران وواشنطن الى الالتزام ببنوده. حيث تواجد وفد أميركي في العاصمة النمساوية لكن من دون المشاركة في المباحثات مباشرة أو الجلوس الى طاولة واحدة مع الوفد الإيراني، في حين تولى الأوروبيون أداء دور تسهيلي بين الجانبين.([4]) حيث تصر الولايات المتحدة على عدم رفع العقوبات بشكل كامل دون فصل بينها، حيث تصنف الولايات المتحدة العقوبات في جزئين، الأول: عقوبات تتعلق بالاتفاق النووي ووافقت الولايات المتحدة مبدئياً على رفعها، والثاني: عقوبات مقابل الأوضاع المتردية لحقوق الانسان ودعم الفصائل المسلحة الموالية لها في المنطقة والعقوبات الواقعة على الحرس الثوري الإيراني وعلى البرنامج الصاروخي الإيراني.

وتعارض إسرائيل عودة الولايات المتحدة إلى الاتفاق. وقال نتانياهو الأسبوع الماضي إن إسرائيل لن تلتزم بشروطها. وأضاف في كلمة عشية ذكرى المحرقة النازية “الاتفاق مع إيران والذي من شأنه أن يمهد الطريق لامتلاك أسلحة نووية – تهدد وجودنا- لن يجبرنا بأي شكل من الأشكال”. وتشير تقارير إلى تبادل إيران وإسرائيل مؤخراً هجمات على سفن الشحن التجاري.([5])

سادساً: المخاوف:

العودة للاتفاقية النووية أمر زادت احتمالات حدوثه، وتزيد احتمالاته في الفترة الأخيرة مع جلسات فيينا، خاصة أن الولايات المتحدة وأوروبا تسعى لتضييع أي فرصة على الصين لتنفيذ دعوة وزير الخارجية الصيني وانغ يي لحوار متعدد الأطراف بين الخليج وإيران وكافة المعنيين على أساس الاتفاقية النووية.

وفي الوقت الذي أصرت فيه إيران على عدم الجلوس وجهاً لوجه مع مندوبي الولايات المتحدة قبل إلغاء كافة العقوبات على إيران دون تجزئتها، ثم بدأت إيران التهدئة نسبياً في اليومين السابقين حيث يتحسب روحاني وظروف للانتخابات الإيرانية خلال أغسطس القادم، نجد أن هناك مخاوف عدة تتصاعد أمام أوروبا والولايات المتحدة وهـي:

المخاوف من امتلاك إيران للسلاح النووية له صعوباته فضلاً عن صعوبة امتلاك وسائل لنقل السلاح النووي، ولكن الخوف الأكبر من استمرار إيران من الصواريخ الباليستية.

استخدام الأموال الناتجة من رفع العقوبات وبيع الأسلحة الإيرانية المتطورة في البنية التحتية الإيرانية غير السلمية، ودعم أذرع إيران وزيادة عدم استقرار المنطقة كما حدث من قبل بعد عام 2015.

التخوف من عودة دونالد ترمب للرئاسة أو عودة رئيس جمهوري آخر بنفس العقلية إلى الحكم في 2025 قد يلغى الاتفاقية النووية مرة أخرى.


[1]) المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، محاصرة التهديد: دوافع دول الخليج الداعمة للانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي، د. أمل صقر، 10 مايو 2018،

https://futureuae.com/ar/Mainpage/Item/3918/%D9%85%D8%AD%D8%A7%D8%B5%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%87%D8%AF%D9%8A%D8%AF-%D8%AF%D9%88%D8%A7%D9%81%D8%B9-%D8%AF%D9%88%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D9%84%D9%8A%D8%AC-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D9%85%D8%A9-%D9%84%D9%84%D8%A7%D9%86%D8%B3%D8%AD%D8%A7%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D9%8A-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%AA%D9%81%D8%A7%D9%82-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%88%D9%88%D9%8A

[2]) يورونيوز، البرنامج النووي الإيراني: طهران “بدأت بالفعل” تخصيب اليورانيوم بنسبة 20 في المئة والاتحاد الأوروبي يحذرها، 04 يناير 2021، https://www.bbc.com/arabic/middleeast-55501287

[3]) بي بي سي نيوز، إيران تكشف هوية منفذ هجوم نطنز بعد فراره خارج البلاد، 17 أبريل 2012، https://www.bbc.com/arabic/middleeast-56785462

[4]) فرانس 24، مباحثات فيينا بشأن النووي الإيراني تستأنف الأسبوع المقبل مع تبقي “الكثير من العمل”، 20 أبريل 2021،

https://www.france24.com/ar/%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AE%D8%A8%D8%A7%D8%B1%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D8%AA%D9%85%D8%B1%D8%A9/20210420-%D9%85%D8%A8%D8%A7%D8%AD%D8%AB%D8%A7%D8%AA-%D9%81%D9%8A%D9%8A%D9%86%D8%A7-%D8%A8%D8%B4%D8%A3%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%88%D9%88%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86%D9%8A-%D8%AA%D8%B3%D8%AA%D8%A3%D9%86%D9%81-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B3%D8%A8%D9%88%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%82%D8%A8%D9%84-%D9%85%D8%B9-%D8%AA%D8%A8%D9%82%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%AB%D9%8A%D8%B1-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%85%D9%84

[5] ) دويتش فيلا، تطورات النووي الإيراني “في صلب” التنسيق الإسرائيلي الأمريكي، 11 أبريل 2021،

https://www.dw.com/ar/%D8%AA%D8%B7%D9%88%D8%B1%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%88%D9%88%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D9%8A%D8%B1%D8%A7%D9%86%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D8%B5%D9%84%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D9%86%D8%B3%D9%8A%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D8%B1%D8%A7%D8%A6%D9%8A%D9%84%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D9%8A/a-57161097

Share:

administrator