أحمد محجوب، صحفي وكاتب مصري – باحث اجتماعي/ سياسي – أبوظبي


1- مصر انهت بنجاح ثلاث مراحل داخلية؛ هي بالترتيب: إمساك الوضع الداخلي المنفلت أمنيا – تقليص قدرة الأطراف الداخلية على إحداث هزات للاستقرار (سياسيا بتجفيف المسار السياسي وامنيا بالقضاء على القدرات العدائية المؤثرة واقتصاديا باتخاذ القرارات الجوهرية في السياسة الاقتصادية وضمان عدم وجود قدرات احتجاجية مؤثرة على استقرار الحكم) – المرحلة الأخيرة التي تم إنجازها داخليا هي الانتهاء من عدد من المشاريع القومية الضخمة ذات المردود المباشر داخليا (مشاريع إسكان غير مسبوقة – تبطين الترع – ١٠٠ مليون صحة – تكافل وكرامة – مضاعفة الحد الأدنى للأجور – المزارع العملاقة – الخ).

2- مصر استثمرت في الابتعاد ببطء عن الفخاخ السياسية والاستراتيجية التي استنزفت المنطقة (حرب اليمن – الاختلال الأمني في الخليج العربي – الحرب في سوريا – الانفلات الأمني المسلح في العراق) فمصر تحركت للتملص بهدوء من هذه الاشتباكات تجنبا لاستنزاف قدراتها غير المستقرة اقتصاديا، وتفاديا لتشتيت جهودها في التركيز على الداخل وازماته خلال فترة (٢٠١٤ – ٢٠١٧)، كما نجحت في تفادي الغضب المُعلن من دول الخليج المتحمسة بشكل كبير رغم خروج تلاسن من جانب واحد للعلن (أزمة هجوم السعودية على مصر بسبب موقفها من الصراع في سوريا وقطع الامدادات النفطية لشهرين تقريبا) ونجحت في اخماد “النيران الصديقة” محافظة على العلاقات في حدود معقولة ومرنة.

3- استثمرت مصر بهدوء في موقفها الاقتصادي المتحسن وموقفها الداخلي الذي مال للهدوء خلال فترة حكم ترمب، لتبني خطوط متوازية سياسيا كالتالي: استعادة الاتصالات القوية مع المجموعات الفلسطينية المختلفة عبر استخدام أوراق المعبر والتفاهمات الداخلية غير المعلنة لتهدئة الجبهة الشرقية بالتزامن مع العملية الشاملة ونتيجة هذه الاتصالات والتسهيلات منحت فرصة لبناء ثقة حتى مع تيارات داخل الحركات الفلسطينية في غزة (جناح السنوار مقابل جناح مشعل هنية الزهار وجناح خالد البطش في الجهاد الإسلامي وجناح القدومي – عريقات – الرجوب مقابل جناحي عباس ودحلان داخل فتح).

4- استثمرت مصر أيضا بعدم التورط المباشر في اليمن لفتح خطوط مع العواصم العربية الواقعة تحت سيطرة ايران لتعطي وجها عربيا اكثر قبولا من الرياض وابوظبي (اكبر جسر حوي عربي لمساندة بيروت في انفجار المرفأ- سياسة نشطة جدا في بغداد لبناء شراكات استراتيجية اقتصادية وامنية – موقف حياد نشط مع دمشق – اتصالات مع قيادات حوثية ومؤتمرية وناصرية في اليمن للدعم الطبي والإنساني).

5- رغم أن القاهرة تورطت بالتبشير بالسلام الدافئ (خطاب الرئيس في أسيوط) والتبشير بصفقة القرن (حديث الرئيس مع ترمب على الهواء في واشنطن) الا أن القاهرة تراجعت بسرعة في هذا الملف ونشطت تجاه تحويل فلسطين لمصدر نفوذ بدلا من اتجاه تهديد.

6- شعرت القاهرة بتهديد مباشر من تلهف الحلفاء للدخول في مجالها الحيوي بسرعة شديدك دون اعتبار للأمن القومي المصري، فأعادت ترطيب العلاقات مع مقديشيو دون التخلي عن الاتصال مع حكومة ارض الصومال المناوئة للحكومة المركزية الضعيفة المقربة بشدة من تركيا.. فتحت مسارا من ٢٠١٧ لاستمالة السراج وبعض القيادات في غرب ليبيا، رفضت على الأرض دون تصريح تحرك حفتر منفردا نحو طرابلس بخلاف الامارات، قدمت انفتاحا كبيرا على الجيش الجزائري بعد رحيل بوتفليقة، وجنوبا واصلت الانفتاح على المكونات السودانية مدنية وعسكرية ونشطت دبلوماسيا في جنوب السودان لموازنة التغلغل الاثيوبي الهائل هناك وحققت بعض التقدم البسيط.

7- جاءت جائحة كورونا وتولي بايدن لتضع الإدارة المصرية في موقف يدفعها للحركة، خاصة بعد نجاح الاقتصاد القائم على النشاط المخطط في قطاع العقارات والأغذية في امتصاص الصدمة وتحقيق معدل نمو هو الوحيد في المنطقة مقابل الدول الاغنى التي تأثرت بشدة.

8- شكل تولي بايدن وتصريحاته الجافة والخشنة لتدفع القاهرة للعب دور أكبر للتأكيد للإدارة الجديدة ان مصر لا تزال لديها كروت لعب متفاوتة القوة وانها أيضا برجماتية تماما في علاقاتها مع الرؤساء الأمريكيين خاصة ترمب. اذ لا تزال القاهرة تراهن على موقف واشنطن من أزمة سد النهضة، وإظهار أن القاهرة حليف موثوق ومؤثر وعاقل بعكس اثيوبيا. الهدف هنا ليس استنساخ موقف ترمب “انسفوا السد” لكن ايجاد “تفهم” لحالة الاضطرار التي قد تحدث ودفع السياسة الامريكية لتنشط في الملف على هذه القاعدة للوصول لحل قبل الاضطرار لتصرف أكبر.

9- الصراع الخليجي التركي بدأ في الخفوت خاصة مع السعودية مما فتح الباب امام القاهرة لرفع الحرج للتحرك واستثمار الاتصالات السابقة خاصة بعد المصالحة مع قطر التي جاءت متعجلة للغاية لكن القاهرة كان لها موقف وتعامل مختلف خاصة ان لدى القاهرة أزمة مع قطر منذ سنوات ما قبل المقاطعة أصلاً، رغم ذلك فتحت المصالحة والدور المصري النشط الباب للقاهرة لجني مكاسب جيدة دون الاضطرار لتقديم تنازلات مؤثرة.

10- نشطت القاهرة افريقيا بدرجة كبيرة لتستعيد بعضا من دورها سواء بعلاقات امنية متنامية مع نيجيريا وتشاد ومالي (بقبول فرنسي) او مع المغرب وتونس وموريتانيا في مجالات الاقتصاد والدعم الدبلوماسي والتعاون الأمني ضد الإرهاب.

11- النموذج المصري حاليا يتحرك كنموذج وليس كسلوك فردي لرئيس جديد. لذلك كانت الفترة الأولى تركز على التحرك الداخلي المتسارع والعنيف امنيا لضبط الأوضاع وتحقيق استقرار بأي ثمن كان. ثانيا تعيش مصر مرحلة الحركة كدولة مطمئنة بشكل معقول لعدم وجود تهديد امني او سياسي لنظامها من الداخل. ثالثا تعلمت القاهرة كثيرا من أخطاء السنوات الماضية، بل وتعلمت أكثر من أخطاء الحلفاء في المنطقة. لذا تشعر الان بثقة اكبر. ويشعر خصومها وأصدقائها بثقة اكبر في خيارات القاهرة.. خاصة أن المنطقة مليئة بالفجوات التي تحتاج وجوها مقبولة نوعا ما للعب دور اقل حماسة واكثر ديمومة فيها.

Share:

administrator