دكتور سيد غنيم، دكتوراه الفلسفة في العلوم السياسية، رئيس IGSDA.

تطورت العلاقات الإماراتية والسعودية بنظيرتها الإثيوبية بدرجة كبيرة (بجانب الاقتصادي) على الصعيدين (الأمني) متضمناً البعد العسكري و(الاستخباراتي).

أزمة إقليم “تيجراي”:

في خريف 2020 شهد إقليم تيجراي الواقع شمال إثيوبيا نزاعاً دموياً مع الحكومة المركزية في أديس أبابا. وما تزال أزمة الإقليم مستمرة في وقت يتدفق فيه المزيد من اللاجئين إلى السودان حيث ظروف المخيمات التي يقيمون بها كارثية.. وهو إقليم صغير، لكنه يتمتع بنفوذ سياسي واقتصادي كبير في تاريخ إثيوبيا. ويعد الإقليم الغني بالزراعة أحد الوجهات السياحية الهامة في البلاد. كما يضم مراكز تاريخية ودينية مصنفة على قائمة التراث العالمي وفي مقدمتها مدينة أكسوم مهد الكنيسة القبطية الإثيوبية.

في منتصف نوفمبر 2020 اتهم المتحدث الرسمي للتيجراي الإمارات بدعم إثيوبيا بالـ”درونز” لاستهداف قواتهم، وأشار إلى أن الدرونز يتم اطلاقها من القاعدة العسكرية الإماراتية المتواجدة في ميناء “عصب” بإريتريا، ولكنه لم يستطع تقديم دليل على اتهامه. وكان يتردد وقتها معلومات بمراكز الأبحاث الدولية أن مصر هي اللي تمتلك أدلة لتلك المعلومات التي أعلنها متحدث التيجراي.

قبل ذلك بعامين تقريباً كانت الإمارات قد دعمت إجراءات تطبيع العلاقات بين إثيوبيا وإريتريا، حيث إن الإمارات لديها علاقات مع إريتريا تعتبر قديمة نسبياً مقارنة بعلاقاتها مع إثيوبيا. ومنذ عام 2015 تمتلك الإمارات، كما ذكرت، قاعدة عسكرية في ميناء عصب الإريتري، وهي أول منشأة عسكرية إماراتية من هذا النوع في الخارج.

قد نخرج مما سبق بنتيجة سطحية، وهي أن إثيوبيا وإريتريا (مدعومين من الإمارات) ضد “التيجراي”، وأن مصر مصلحتها استمرار “التيجراي” في نشاطاتهم العسكرية ضد إثيوبيا. وقد اتاحت العمليات العسكرية الإثيوبية ضد “التيجراي” الفرصة لقيام المجتمع الدولي بتوجيه انتقادات لرئيس إثيوبيا، الحائز على جائزة نوبل للسلام، نظراً لانتهاك بلاده حقوق الإنسان ضد عناصر “التيجراي”، الأمر الذي دعم شوكة مصر في قلب إثيوبيا ودعم موقف مصر نسبياً في قضية سد النهضة.

أسباب دعم الإمارات لإثيوبيا:

يعد الأمن الغذائي أهم هدف تسعى إليه دول الخليج وتعد إثيوبيا أحد أهم دعائم هذا الهدف. من جانب آخر، نجد سببين رئيسيين آخرين، الأول: أن إثيوبيا وإرتيريا من موقعهما الجيوستراتيجي (بديلاً عن جيبوتي) تدعما تحقيق أهداف الإمارات في اليمن، والثاني: أن الدعم الإماراتي لإثيوبيا يمكن أن يضمن لإثيوبيا نفوذاً كبيراً في أفريقيا، وبالتالي سيكون للإمارات حصة كبيرة من هذ النفوذ في أفريقيا من خلال إثيوبيا.

ارتباطاً بذلك نجد أن الإمارات تمتلك حالياً حوالي (100) مشروع استثماري في إثيوبيا في قطاعات مختلفة كالزراعة والصناعة والعقارات والصحة والتعدين وغيرها. وهو ما يدفع الإمارات دائماً لوأد/ منع / إنهاء أي حروب أهلية أو اضطرابات في إثيوبيا. ولذا، نجد أنه في نوفمبر 2020 وخلال لقاء السفير الإثيوبي بأبوظبي مع وزيرة التعاون الدولي الإماراتي قام بتقديم وعداً رسمياً بإنهاء العملية العسكرية ضد “التيجراي” في أقرب وقت ممكن.. ناهيك إن إثيوبيا تم منحها حصة عمالة أكبر في الإمارات خلال العامين الماضيين.

ورغم علاقات الإمارات الوثيقة بمصر وحجم الاستثمارات الإماراتية لدي شقيقتها العربية، إل أن ما يمكن أن تقدمه إثيوبيا للإمارات يصعب على مصر تقديمه لها خاصة الموقع الجيوستراتيجي في القرن الإفريقي. وأزعم أن مصر كانت متحسبة لذلك، فكانت تخطط منذ عام 2014 باتخاذ خطوات جادة لتوقيع اتفاقيات عسكرية مع دول حوض النيل ومعظم دول شرق أفريقيا، خاصة تلك التي ذات علاقات متوترة مع إثيوبيا. ومن جانب آخر كانت مصر قد بادرت في مطلع 2019 لتوقيع اتفاقية مع جيبوتي لإنشاء منطقة اقتصادية حرة بها كثاني دولة بعد الصين، وربما قد تسعى مصر لإبرام اتفاقيات تعاون عسكري واستخباراتي مع جيبوتي وإنشاء تواجد عسكري مصري على أرضها.

على صعيد مختلف، ولكن في نفس السياق، نجد أن نتنياهو كان يسعى إثيوبيا في إطار انفتاحه على إفريقيا في مجال تكنولوجيا الزراعة والطاقة والمياه وغيرها، وهو ما إزداد منذ 2014 تقريباً. وأزعم أن من ضمن اهداف نتنياهو دعم مستقبل العلاقات السعودية والإماراتية مع إثيوبيا وليس دعم سد النهضة ضد مصر، حيث أظن أن نتنياهو يضع من ضمن عدة سيناريوهات إمكانية تأثر مصر بندرة المياه مما يؤدي لتحدي بيئي شديد الخطورة يهدد مستقبل مصر والمنطقة بالكامل، الأمر الذي يضر بإسرائيل بشكل مباشر. إلا أن الضغوط المصرية على إثيوبيا يلزمها ضغط على الإمارات كداعم رئيسي لإثيوبيا، بل وعلى إسرائيل بصفتها حليف مهم للإمارات (بهدف التطبيع أساساً والتصدي للعدو المشترك والمتمثل في إيران والإرهاب والإسلام السياسي).

وهنا كان لحادثة حي الشيخ جراح التي أدت للحرب الإسرائيلية على غزة أن تتيحا الفرصة لدور مصري شعبي استغل موقف إسرائيل الأضعف نسبياً أمام المجتمع الدولي في تلك لأزمة، خاصة مع تحول موقف بايدن من كونه داعم للموقف الإسرائيلي تدريجياً إلى موقف المنتقد، والسبب الرئيسي في ذلك تزايد ضغوط اليسار الديمقراطي الأمريكي على بايدن وبينهم من هم من أصول يهودية وفلسطينية. حيث قاموا بحث بايدن على إيقاف إسرائيل وإرجاعها عن الاستمرار في العمل العسكري ضد الفلسطينيين، ومنع إسرائيل من القيام بشن عملية عسكرية برية على غزة.

وقد أدت الأزمة الإسرائيلية الفلسطينية لوضع الإمارات في موقف حرج نسبياً لم تعتاده لفترة طويلة، وجعلها تغير لهجتها تجاه الأزمة الإسرائيلية/ الفلسطينية، كما أثر نسبياً على سرعة تحرك خطوات التطبيع، هذا من جانب.

من جانب آخر، نجد موقف مصر المتوازن تجاه الأزمة الإسرائيلية الفلسطينية الأخيرة والحرب على غزة والذي وضع إيران وتركيا وقيادات تنظيم الإخوان المسلمين في حرج أكبر.

والسبب في نجاح مصر في ذلك، أن مصر كانت تقوم بأعمال الوساطة بين حماس وإسرائيل بدعم الرئيس الأمريكي بايدن ومعها في نفس المضمار قطر (حليف إيران وتركيا والولايات المتحدة وتركيا والحاضن لتنظيم الإخوان المسلمين). الأمر الذي دعمه أيضاً قبول وترحاب كبير من قبل تنظيم حماس والناتج عن التنسيقات الإيجابية بين مصر وغزة منذ يونيو ٢٠١٥ وتحديداً مع قيام مصر بفتح صفحة جديدة مع حماس والتي بدأت بقيام محكمة الأمور المستعجلة بإلغاء الحكم القضائي الذي يعتبر حماس منظمة إرهابية والذي كان قد صدر في فبراير 2015.

Share:

administrator