دكتور ســــيد غنــــيم، دكتوراه الفلسفة في العلوم السياسية، زميل أكاديمية ناصر العسكرية العليا، أستاذ زائر بالناتو ورئيس معهد شؤون الأمن العالمي والدفاع

مقدمة:

بحصول إريتريا على استقلالها في عام 1993، تحولت إثيوبيا إلى دولة حبيسة فجأة بدون خط ساحلي، ولذلك اتخذت الخطوة المنطقية المتمثلة في حل قواتها البحرية.  الآن، تعيد النظر في قرارها وتشير مناوراتها في المنطقة عام 2017 وما بعدها من إجراءات إلى أنها قد تسعى بحثاً في محيطها لاختيار قاعدة بحرية يمكنها استخدامها.

وقال رئيس الوزراء أبي أحمد على التلفزيون الحكومي بعد تنصيبه في إبريل 2018: “لقد بنينا واحدة من أقوى القوات البرية والجوية في إفريقيا.. يجب أن نبني قدراتنا البحرية في المستقبل”.([1])


[1] Reuters, Landlocked Ethiopia plans new navy as part of military reforms, 03 June 2018, https://www.reuters.com/article/ethiopia-military-idINKCN1IZ0MN

ثانياً: حقائق وأبعاد استراتيجية:

1- بعد أن خاضت إثيوبيا وإريتريا حرباً حدودية بين عامي 1998 و 2000، كانت هناك فرصة ضئيلة لأن تتمكن إثيوبيا من الاستمرار في استخدام موانئ إريتريا كما فعلت سابقًا.  لذلك كان عليها أن تجد بدائل.

2- وقعت إثيوبيا مؤخرًا اتفاقًا سعياً للاستحواذ على حصة في ميناء جيبوتي ، الذي يتعامل الآن مع ما يقرب من 95 ٪ من جميع صادراتها ووارداتها. كما أنها مرتبطة بجارتها الصغيرة بخط سكة حديد جديد بطول 472 ميلاً (759 كم) – افتتح عام 2017 – يربط العاصمة أديس أبابا بميناء دوراليه، امتداد لميناء جيبوتي، والذي زاد من حركة أحجام البضائع من وإلى الميناء لدرجة أن 70٪ على الأقل من جميع أنشطته هي الآن تجارة إثيوبية.

3- جاءت تصريحات أبي أحمد عام 2018 في وقت تكثف فيه دول الخليج الغنية استثماراتها في الموانئ البحرية على طول البحر الأحمر وساحل شرق إفريقيا في الوقت الذي تتنافس فيه على النفوذ في ممر استراتيجي حيوي لممرات الشحن وطرق النفط، حيث تستخدم السعودية وقطر وتركيا بعض الموانئ لأغراض عسكرية، وعلى صعيد آخر تسعى مصر لاستعادة نفوذها في القرن الإفريقي والبحر الأحمر على محورين رئيسيين يضمنا حماية أمنها القومي، وهما البحر الأحمر ومياه نهر النيل.

4- اتمام إجراءات المصالحة لتطبيع العلاقات بين إثيوبيا وجارتها التي أنفصلت عنها إريتريا في يونيو 2018، والتي توسطت فيها الإمارات. من جانب آخر، أصرت الولايات المتحدة على أن شريطة التطبيع بين البلدين، هو تنفيذ قرار الأمم المتحدة باستعادة إريتريا لمنطقة “بادامي” المتنازع عليها مع إثيوبيا عقب انتهاء الحرب بينهما عام 1993، وطبقاً لتحكيم وقرار الأمم المتحدة في ذات الشأن والذي قوبل بمراوغة إثيوبية.

5- نقلت فانا برودكاستينج كوربوريت التابعة لإثيوبيا عن أبي قوله إن الإصلاحات العسكرية يجب أن “تأخذ في الاعتبار الوضع العالمي الحالي المتغير بسرعة، والوضع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي في إثيوبيا”.([2])


[1]) Reuters, Landlocked Ethiopia plans new navy as part of military reforms, 03 June 2018, https://www.reuters.com/article/ethiopia-military-idINKCN1IZ0MN


[1]) Reuters, Landlocked Ethiopia plans new navy as part of military reforms, 03 June 2018, https://www.reuters.com/article/ethiopia-military-idINKCN1IZ0MN

الرأي:

لا شك أن إثيوبيا قلقة من سيطرة القوات البحرية الأجنبية على جيبوتي حيث تتمركز قاعدتين عسكريتين لكل من الولايات المتحدة وفرنسا على أراضيها، فضلاً عن مناطق تمركز عسكرية (معسكرات) أخرى تابعة لكل من الصين واليابان وإسبانيا وألمانيا وإيطاليا. وربما نخشى في المستقبل أنه حتى جيبوتي قد لا يكون لها الإستقلالية الكافية وحرية استخاذ القرارات المنفصلة لتقرير علاقاتها الإقليمية، الأمر الذيي يوجد تهديد كبير على المصالح الإثيوبيا خاصة أن كل الدول المتواجدة في جيبوتي على علاقات قوية مع دول منافسة وخصوم لإثيوبيا مثل مصر ودول إفريقية محيطة.

ولا شك أنه حالة قيام إثيوبيا بإنشاء قوات بحرية، فهذا سيساعد أيضاً في حماية عشر سفن إثيوبية تجارية، أو أكثر، في منطقة البحر الأحمر شديدة الاضطراب، وهي تتمركز حالياً في جيبوتي بإيجارات عالية التكلفة تقع على عاتق إثيوبيا لصالح جارتها البحرية جيبوتي، حيث توجد لإثيوبيا مصالح اقتصادية أخرى مع جيرانها، ناهيك عن المصالح السياسية المتضاربة معهم. كما لا يزال لدى إثيوبيا أيضاً معهد بحري مدني يقوم بتدريب كوادر متخصصة بأعداد محدودة سنوياً في مجالات بحرية تجارية متخصصة.([3])

ومع ذلك، فإن بناء قوات بحرية إثيوبية كاملة سيتطلب نفقات عسكرية ضخمة للغاية فضلاً عن الحجم الكبير من الوقت والكوادر اللازمين لتدريب القوات وإنشاء القاعدة البحرية الإثيوبية.. ناهيك عن الدولة الجوار التي ستقبل ذلك، والتي لا يجب ألا تخرج عن إريتريا أو جيبوتي (وهي مستبعدة نسبياً لتواجد قواعد ومعسكرات عسكرية دولية كثيرة) والصومال وكينيا.

منذ وصوله إلى السلطة في أبريل 2018، وقع أبي أحمد صفقات مع السودان للوصول إلى بورتسودان، في محاولة لتنويع منافذ الموانئ وخفض رسوم الموانئ، ووافقت إثيوبيا أيضا على صفقة مع دولة أرض الصومال المعلنة من جانب واحد مقابل حصة 19٪ في ميناء بربرة والتي تتضمن خطة لبناء طريق من حدودها إلى الميناء.

وهناك من يرى من الخبراء إمكانية جعل أي من كينيا وأرض الصومال وجيبوتي مواقع محتملة للقاعد، فهدف إثيوبيا كما اتفهم هو توحيد القرن الأفريقي ككتلة اقتصادية ضخمة، تمثل القوة البحرية التجارية والعسكرية معاً جزء من هذا المشروع الإثيوبي الضخم. كانت إثيوبيا قد وقعت مع كينيا على صفقة لتسهيل حيازة الأراضي في جزيرة لامو كجزء من مشروع لامو بورت – جنوب السودان – إثيوبيا، وهو مشروع نقل وبنية تحتية بقيمة 24 مليار دولار ربط البلدين وجيرانهما، لكن المشروع واجه تأخيرات في التمويل ومشاكل أمنية في كلا البلدين.([4])



أزعم أن الهدف الرئيسي من إنشاء القوات البحرية الإثيوبية هو رفع قدرات وكفائة القوات المسلحة الإثيوبية القتالية لضمان التواجد والسيطرة على المنافذ والممرات البحرية بالبحر الأحمر لتأمين المصالح الإثيوبية ضد أي خصوم أو منافسين فضلاً عن استهداف عمليات جماعة الشباب الإسلامية المتشددة في الصومال، وكذلك مكافحة القرصنة في المحيط الهندي، وبشكل رئيسي تأمين السفن البحرية الإثيوبية العابرة في البحر الأحمر والمتجهة حول العالم. المشكلة التي قد تواجه إثيوبيا بقوة هي أنها قد تستغرق عقودا حتى تمتلك قوات بحرية حقيقية، بل وحدات بحرية منها فقط. وقد تنشئ إثيوبيا فرعا بحريا لقواتها المسلحة ولكن ليس سلاحا بحريا، حيث سيستغرق تجهيز وشراء السفن وقتاً طويلاً للغاية. وبالنظر للدول الإفريقية المجاورة وعلى رأسها جيبوتي تجد أنها تعتمد ليس لديها قوة بحرية كافية، وبالنظر للقرن الأفريقي تحديداً فإن القوى العالمية الكبرى هي التي تضمن حمايتها وتأمين مصالحها من خلال تنسيق قديم، إلا أن إثيوبيا ربما تسعى للإستقلالية.

ومع ذلك، ورغم صعوبة احتمال أن تذوب العلاقات الإثيوبية مع إريتريا إلى الحد الذي يمكن أن تعتمد فيه إثيوبيا مرة أخرى على موانئها في عصب ومصوع، إلا أن إريتريا كانت قيد الاحتمال لإنشاء قاعدة بحرية إثيوبية وتحديداً في منطقة “رأس دوميرا” أو في “جزيرة دوميرا” المتخامة لجيبوتي وعلى حدود إريتريا الجنوبية معها مباشرة، كما تعتبرا أقرب منطقة شرق الحدود الدولية الإريترية مع إثيوبيا. المشكلة التي يجب أن تتنبه لها إريتريا هو أن هناك خطر من الطموحات البحرية الإثيوبية والتي قد تهدد إريتريا نفسها مستقبلاً سواء كانت القاعدة البحرية الإثيوبية قد تنشأ على أراضيها أو على أرض أي دولة أخرى تطل على البحر الأحمر، فإثيوبيا دولة كبيرة وتسعى لكي تكون قوة إقليمية تجذب القوى الدولية والقوى الإقليمية الأخرى للعمل في القرن الإفريقي من خلالها.


[1]) Reuters, Landlocked Ethiopia plans new navy as part of military reforms, 03 June 2018, https://www.reuters.com/article/ethiopia-military-idINKCN1IZ0MN

[2]) Reuters, Landlocked Ethiopia plans new navy as part of military reforms, 03 June 2018, https://www.reuters.com/article/ethiopia-military-idINKCN1IZ0MN

[3]) نتائج النقاش التليفوني مع مسؤول من مكتب الاتحاد الأوروبي في جيبوتي، 8 يونيو 2018.

[4]) نتائج النقاش التليفوني مع مسؤول من مكتب الاتحاد الأوروبي في جيبوتي، 8 يونيو 2018.

مصادر أخرى: بي بي سي وإن إتش كى

Share:

administrator