لم يعد الصراع الدائر حول إيران مجرد مواجهة ثنائية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، بل تطور إلى تنافس أوسع على شكل النظام الأمني الإقليمي في الخليج. هذا التحول نقل مركز الثقل من “إدارة الصراع” إلى إعادة صياغة الترتيبات الإقليمية للمنطقة”.
في هذا السياق، تسعى الولايات المتحدة إلى إعادة ضبط استراتيجية “التوازن فيما وراء البحار – Offshore Balancing”، من خلال حضور أقل كلفة وأكثر انتقائية، مع الحفاظ على القدرة على التأثير.
في المقابل، انتقلت إيران من هدف “البقاء” إلى هدف أكثر طموحًا يتمثل في “إخراج الولايات المتحدة من الخليج، وبناء نظام أمني إقليمي خال من التدخلات الخارجية”، قائم على نفوذها المباشر وغير المباشر.
على الجانب الآخر، يبرز توجه سعودي يسعى لإعادة تشكيل التوازن الإقليمي بطرح بديل مضاد للنفوذ الإيراني، مستندًا إلى ارتكازات القوة السعودية (الارتكاز الاقتصادي متمثل في المشروعات الضخمة وأوبك+ – الارتكاز الديني)، مع محاولة توظيف تحرك جماعي مع قوى إقليمية مثل تركيا وباكستان ومصر. لكن هذا المسار يواجه قيودًا واضحة، كالتقارب المؤقت مع إيران لخفض التصعيد، واستقلالية القرار التركي، وتحفظ مصر على الأطر الأيديولوجية.
في المقابل، يبدو أن هذا التباين بين النهجين الإيراني والسعودي دفع الإمارات إلى تبني مقاربة مختلفة، تقوم على نموذج غير أيديولوجي، شبكي وبرجماتي، يعتمد على الاقتصاد المتنوع، والشراكات الدولية، والتكامل مع قوى نوعية في المنطقة، بما في ذلك الدول المنخرطة في الاتفاق الإبراهيمي.
وبالنسبة لبقية دول الخليج، فتتحرك بمنطق التحوط، دون انخراط كامل في أي مشروع، مع الحفاظ على هامش مناورة واسع.
أما بالنسبة لتركيا، فهي في رأيي ليست مشروعًا بديلًا جاهزًا لقيادة النظام الإقليمي بقدر أنها قوة مُعطلة ومُعادلة للتوازن، فهي تستفيد من الفوضى المنظمة، وتحرص على ألا تُحسم لصالح أي طرف، لأن حسمها يعني تقليص دورها.
حيث أتصور أن تركيا موازن انتقائي بين المشاريع، فهي لا تنضم فعليًا لأي محور صلب، حيث إنها لا تصطف بالكامل مع المشروع السعودي رغم التقاطعات، ولا تدخل في صدام مباشر مع إيران، بل تعمل على تماسكها وعدم انهيار النظام الحاكم أو تقسيمها، ولا تمنح الولايات المتحدة اصطفافًا مجانيًا. أي أنها تستخدم الجميع لرفع هامش حركتها، لا لتقييده.
كما أن تركيا تعمل على توسيع مجالها الحيوي خارج الخليج، فبينما يدور الصراع في الخليج، تعمل تركيا على ربطه بمسارح أخرى كشرق المتوسط، والبحر الأحمر، وشمال العراق، وسوريا. هذا الربط يمنحها نفوذًا غير مباشر في معادلة الخليج دون تحمل كلفة المواجهة المباشرة داخله. إلا أن ذلك مُقيد بالاقتصاد التركي الذي يفرض سقفًا على التمدد، فضلاً عن علاقاتها المتشابكة مع روسيا والغرب تقيد قراراتها، وكذلك لا تملك أدوات حسم داخل الخليج نفسه مقارنة بإيران أو الولايات المتحدة.
ناهيك أن تركيا تعتبر نموذج قوة هجين، تجمع بين تدخل عسكري محدود ومرن، ونفوذ سياسي عبر الوساطة، وأدوات اقتصادية واستثمارية، وحضور أيديولوجي انتقائي (وليس صلبًا كما يُتصور). وهذا يجعلها قادرة على لعب دور الوسيط الضاغط في نفس الوقت.
ولذا نرى كيف أن تركيا تعمل ككابح لمشروع الهيمنة الأحادية، فوجود تركيا يمنع أي طرف (إيران أو السعودية أو حتى الولايات المتحدة) من الانفراد بإعادة تشكيل النظام الإقليمي. هي تضيف طبقة تعقيد تمنع الاستقرار السريع، لكنها أيضًا تمنع الانهيار الكامل.
وهنا لدينا خمس مشاريع تبدو متنافسة، وهي:
- مشروع أمريكي دولي إقليمي يمتلك أضخم قوة عسكرية وتحالفات، وقد يعتمد على تواجد مخفف في المنطقة.
- مشروع إيراني إقليمي بدون قوى خارجية ولا تحالفات، ولكنه ما زال يمتلك نفوذ بالوكلاء.
- مشروع سعودي، وهو نموذج كمي قوي، يرتكز على اقتصاد ضخم مبني على الموارد والاستثمارات الكبرى، والقيادة الدينية، وأوبك.
- مشروع إماراتي، وهو نموذج شبكي برجماتي، ويمتلك اقتصاد متنوع يعتمد على الإنتاج، واستثمارات دولية وإقليمية، وعلاقات قوية مع قوى نوعية إقليمية مع إسرائيل.
- مشروع التركي، وهو نموذج مرن، يجمع بين القوة العسكرية النشطة، والنفوذ الجيوسياسي متعدد المسارات، والقدرة على المناورة بين المحاور دون التقيّد بتحالفات صلبة، مع توظيف أدوات القوة الناعمة والصلبة لفرض حضور في معادلات شرق المتوسط والخليج والبحر الأحمر.
ملحوظة: المشروعين الأول والرابع، يبدو متكاملين في وقت ترمب، ولكنهما متنافسين في حالة معاودة العمل في إطار الاستراتيجية لأمريكية الأساسية.
معهد شؤون الأمن العالمي والدفاع:
- فريق خبراء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
- فريق الباحثين المشاركين
لواء دكتور سيد غنيم
زميل الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية
رئيس معهد شؤون الأمن العالمي والدفاع
المصادر:
- مصدر علنية.
- مصادر خاصة.