سيد غنيم يكتب…

رؤية إستراتيجية “روسيا تقلب الأحلاف في المنطقة”…

1- روسيا والولايات المتحدة ومعها الناتو – عداء لا ينتهي:
روسيا كانت وستبقى العدو الأول للولايات المتحدة والناتو ذلك الحلف الذي يجمع العديد من دول أوروبا وأخرى من خارجها. بالتأكيد قدرات الولايات المتحدة والناتو والاتحاد الأوروبي ودول أخرى حليفة قادرة مجتمعة على فرض هيمنتها أو نفوذها في عدة بؤر عالمية وبما يؤثر سلباً بشدة على نفوذ خصمهم روسيا، (ذلك الخصم الأضعف الذي تأثر إقتصادياً بشدة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي)، ولذا نجد روسيا بقيادة بوتين مضطرة لممارسة نفوذها في الشرائح الأكثر أهمية بالنسبة لها من كافة بؤر الاهتمام، كجزء رفيع من وسط آسيا وأوكرانيا والقرم وشمال البلطيق، والجناح الشمالي (الأيمن) بالشرق الأوسط المطل على البحر المتوسط.
 
عندما قرر الناتو عام 2015 الشروع في ضم دولة الجبل الأسود (مونتنيجرو) للحلف رغم أن جيشها لا يتجاوز الـ(2000) مقاتل، أعطى الناتو بذلك بياناً عملياً كيف تعلم من درس روسيا القاسي بضمها للقرم بإستفتاء دولي، ودخولها أوكرانيا، ثم بداية إستعادة نفوذها في شمال الشرق الأوسط.. فدولة الجبل الأسود كانت الدولة الساحلية الوحيدة الباقية المطلة على البحر الأدرياتيكي من الشرق من غير دول الناتو (ذلك الساحل الذي يهدد شرق إيطاليا وشمال اليونان وألبانيا وجنوب كرواتيا، وجميعهم من دول الناتو)، والتي حالة بقائها حليفة لصربيا التي تقع شرقها لكانت تعتبر منفذاً ساحلياً شديد الخطورة تستغله روسيا لتهديد دول الناتو التي ذكرتها.
 
2- تركيا وسوريا ومصر حلفاء بوتين الأهم
تحسب بوتين مسبقاً لاحتمال قيام الناتو بضم دولة الجبل الأسود لغلق نافذة البحر المتوسط عليه من باب البحر الأدرياتيكي، وربما لم يتوقع أحد ما يخطط له بوتين مقابل ذلك.. حيث لم يبق لبوتين سوى تركيا (تلك القوة الإقليمية الكبرى، ثاني قوة بالناتو والحليف القوي لأمريكا وإسرائيل) والمطلة على البحر المتوسط وتمتلك مضيقي “البوسفور” و”الدرنديل” كأهم نافذتين لعبور روسيا للبحر المتوسط من خلال البحر الأسود.. كما أن تركيا ستكون الأنبوب الأهم والأفضل لتمرير الغاز الروسي لدول أوروبا.. ربما علمنا الآن مدى صبر بوتين على صفاقة أردوجان وغروره بعد إسقاط أحد مقاتلاته لمقاتلة قاذفة روسية فوق الأراضي السورية عام 2015، وطولة باله على مقتل السفير الروسي في أنقرة على يد أحد رجال الأمن الأتراك عام 2016، وغير ذلك الكثير.
 
أما سوريا ومصر، فكانا لهما الأولية قبل تركيا، بصفتهما مفتاحا البحر المتوسط الواصل بين الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من الجنوب، واللذان قد يمثلا تهديداً شديداً على نفوذ الولايات المتحدة في المنطقة وعلى أمن دول جنوب أوروبا، وهما بالتأكيد الأسهل في التحالف معها في ظل الضغوط الكبيرة التي يتعرضا لها خاصة ضد الوكلاء الإسلاميين، سواء “الإخوان” المدعومين من قطر وتركيا، أو “السلفيين” المدعومين من دول الخليج، مع الوضع في الاعتبار أن ذلك كان بقبول ودعم من إدارة أوباما.. حيث استغل بوتين وقتها بطء الأمريكيين في تقويض داعش في سوريا، فقرر التدخل العسكري فوراً للقضاء على داعش من جانب، وإطالة مدة حكم الأسد من جانب آخر.
 
وجائت اللحظة التي صبر عليها طويلاً بوتين، وهي يأس أردوجان تماماً من استمرار التحالف مع المعسكر الغربي وإسرائيل والعربي السني، ليس فقط بعد قيام القوات الإسرائيلية بقتل نشطاء أتراك على باخرة المساعدات الإنسانية التركية مرمرة للفلسطينيين، ولكن بعد إصرار الولايات المتحدة وإسرائيل على دعم إنفصال الدولة الكردية والذي بالتأكيد سيقسم كل من تركيا وسوريا والعراق.. فنجح بوتين في إيجاد عدو مشترك وهو (الأكراد ومن يدعموهم) ، وهدف مشترك وهو تماسك الدولة التركية والعراقية والذي يعاون بالطبع على تماسك الدولة التركية، وهو ما يأتي تماماً في صالح إيران في حربها ضد العرب السنة في اليمن وضد إسرائيل إذا لزم الأمر في سوريا.. وبعد أن نجحت روسيا في مهامها الأولية في سوريا، والذي أدي لإضعاف النفوذ الأمريكي والعربي السني عقدت مؤتمر “سوتشي” في نوفمبر 2017 بحضور زعماء روسيا وإيران وتركيا كقوى جوار إقليمي دون تواجد عربي واحد لتقرير مصير سوريا.
 
عقب ذلك، نجد أردوجان اليوم يشن هجوماً عسكرياً ضد الأكراد السوريين على الحدود التركية في مدينة “عفرين” شمال سوريا، وذلك بعد إعلام كل من روسيا وسوريا وإيران والولايات المتحدة، بهدف إنشاء منطقة عازلة كاملة على الحدود التركية الجنوبية داخل سوريا، وفي نفس الوقت تقوم القوات الحكومية السورية بشن هجوم على “هيئة فتح الشام” جبهة النصرة سابقاً” في إدلب جنوب غرب “عفرين” مستغلة الهجوم التركي المدبر.. وبنجاح العمليتين تزداد فرص بقاء بشار الأسد مع وحدة الأراضي السورية، وتقل فرص الأكراد في الإنفصال، ويقل معها النفوذ الأمريكي السعودي في سوريا.
 
3- الدور المصري الحالي من منظور روسيا:
تستقبل مصر دعوة بوتين للمشاركة في مؤتمر “سوتشي” القادم خلال الأسبوع الأخير من شهر يناير، كأول دولة عربية يدعوها المعسكر الشرقي لإقرار مصير سوريا.. الموضوع بالطبع ليس لأن روسيا ترى “أن مصر هي القوى العظمى صاحبة دوائر النفوذ الكبرى بالمنطقة والتي تسيطر بنفوذها على كافة أرجاء الشرق الأوسط لحل مشاكله”، وغير ذلك مما إعتاد أن يردده إعلامنا.. ولكن الواقع أنه في الوقت الذي يحاول فيه المعسكر الغربي أن يوجه الدور الإقليمي المصري ليكون في شمال أفريقيا وطبقاً للهدف المطلوب منها بتأمين الساحل الجنوبي للمتوسط شمال أفريقيا، وبالتالي يؤمن الساحل الشمالي للمتوسط جنوب أوروبا، تحاول روسيا إشراك مصر موجدة دورا لها في نقاش مستقبل سوريا، خاصة أن المسير الروسي يتسق مع الموقف المصري “الداعم للحل السياسي في سوريا بما يحفظ كيان ووحدة الدولة السورية، وأن مصر أعلنت مراراً دعمها للمفاوضات الجارية تحت رعاية الأمم المتحدة بجنيف على أساس مرجعيات الحل السياسي في سوريا وأهمها القرار 2245, مع الترحيب بأية مبادرات أخرى مطروحة طالما تأتي لتعزيز هذا الإطار”، ومنها المبادرة الروسية في هذا الشان.. على صعيد آخر ترى روسيا مصر على انها خطوة تالية لها بعد سوريا لفرض نفوذها جنوب المتوسط.
 
سيد غنيم
 
شارك