قراءة تحليلية في اتجاهات التهديد ومتطلبات الاستجابة

د. طارق جمعة

باحث في شؤون الإرهاب والأمن الإقليمي

معهد شؤون الأمن العالمي والدفاع

يظهر مؤشر الإرهاب العالمي 2025 (GTI) أن إفريقيا أصبحت أكثر مناطق العالم تضررا من الإرهاب مع تركز كبير للعمليات والضحايا في منطقة الساحل وغرب القارة، وتشير بيانات المؤشر إلى استمرار نشاط جماعات رئيسية مثل جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وتنظيم داعش وفروعه، وحركة الشباب في الصومال، إضافة إلى جماعات أخرى في حوض بحيرة تشاد مثل تنظيم داعش – ولاية غرب إفريقيا.

غير أن أهمية هذه الأرقام لا تكمن فقط في قياس حجم العنف بل في ما تكشفه عن طبيعة التهديد نفسه والذي بات أكثر ارتباطا بعوامل إقليمية واقتصادية واجتماعية وليس مجرد نشاط عسكري معزول، ومن ثم فإن قراءة المؤشر يجب أن تستخدم لفهم اتجاهات الخطر وليس فقط لترتيب الدول بحسب درجة التضرر.

أولًا: الإرهاب في إفريقيا أصبح تهديدًا إقليميًا

تشير الاتجاهات الميدانية إلى أن التنظيمات المسلحة في إفريقيا لا تعمل داخل حدود دولة واحدة بل تتحرك عبر عدة دول مستفيدة من ضعف الرقابة الحدودية واتساع المناطق غير الخاضعة للسيطرة الحكومية.

في منطقة الساحل على سبيل المثال تتحرك تلك التنظيمات بين مالي وبوركينا فاسو والنيجر وتستفيد من نفس شبكات التهريب ومسارات العبور، وفي حوض بحيرة تشاد تعمل جماعات مثل بوكو حرام وتنظيم داعش – ولاية غرب إفريقيا عبر نيجيريا والنيجر وتشاد والكاميرون.

هذا النمط يجعل أي نجاح أمني داخل دولة واحدة محدود الأثر إذا لم يكن جزءا من تنسيق إقليمي واسع، لذلك فإن الإرهاب في إفريقيا يجب التعامل معه كقضية أمن إقليمي مشترك وليس كملفات أمن داخلية منفصلة.

ثانيًا: ضعف الدولة في الأطراف أحد أسباب استمرار التهديد

في كثير من المناطق المتضررة لا يرتبط استمرار الإرهاب فقط بقوة التنظيمات المسلحة بل بضعف وجود الدولة في المناطق الطرفية والحدودية حيث تغيب الخدمات الأساسية والنظام القضائي وفرص العمل.

في هذا السياق تقوم التنظيمات المسلحة أحيانًا بدور سلطة بديلة تفرض النظام بالقوة وتحل النزاعات المحلية وتوفر الحماية مقابل المال أو الولاء، ومع الوقت تصبح هذه التنظيمات جزءا من الحياة اليومية للسكان وهو ما يجعل إزاحتها أكثر تعقيدًا.

ومن ثم فإن المواجهة الأمنية دون تحسين أوضاع الحكم المحلي وتوفير الخدمات لن تؤدي إلى استقرار دائم بل قد تخلق فراغا يعود التنظيم لملئه مرة أخرى.

ثالثًا: ارتباط الإرهاب بالاقتصاد غير المشروع

من السمات البارزة للإرهاب في إفريقيا تداخله مع أنشطة اقتصادية غير مشروعة من بينها تهريب الذهب والوقود والاتجار بالبشر والسلاح.

توفر هذه الأنشطة مصادر تمويل مستمرة للتنظيمات المسلحة كما تمنحها نفوذا على طرق التجارة والعبور، وفي هذه الحالة يصبح العنف وسيلة لحماية المصالح الاقتصادية وليس فقط لتحقيق أهداف أيديولوجية.

وبالتالي فإن استراتيجيات مكافحة الإرهاب التي لا تستهدف شبكات التمويل والتهريب ستظل غير كافية حتى لو نجحت في تقليص عدد المقاتلين مؤقتًا.

رابعًا: دور التكنولوجيا في تسريع نشاط الجماعات

رغم محدودية القدرات العسكرية المتقدمة لدى الجماعات في إفريقيا فإنها تستفيد من الأدوات الرقمية في عدد من الجوانب المهمة.

التواصل والدعاية أصبح إنتاج ونشر المواد الدعائية أسرع وأسهل وبأكثر من لغة محلية ما يسمح بالحفاظ على التأثير الإعلامي وتوسيع نطاق الوصول.

التجنيد تستخدم الرسائل الرقمية لاستهداف فئات محددة تعاني من التهميش أو الغضب المحلي وهو ما يزيد فرص الاستقطاب.

جمع المعلومات تتيح المصادر المفتوحة متابعة الأخبار والتحركات العامة للقوات واختيار توقيتات أكثر ملاءمة لتنفيذ العمليات.

هذه الأدوات لا تغير طبيعة الإرهاب لكنها تزيد من سرعته وقدرته على التكيف مع الضغوط الأمنية.

دراسات حالة

الساحل

من العمليات إلى فرض السيطرة المحلية

في بعض مناطق مالي وبوركينا فاسو لم تعد الجماعات تركز فقط على تنفيذ هجمات كبيرة بل على تحصيل الإتاوات وإغلاق المدارس وفرض قواعد سلوك على السكان.

وبذلك يتحول الإرهاب إلى نمط حكم بالقوة وليس مجرد نشاط عسكري، ما يطيل أمد الصراع حتى في حال انخفاض عدد العمليات الكبيرة.

بوركينا فاسو

أثر التوترات المجتمعية على التجنيد

تشير تقارير ميدانية إلى أن العمليات الأمنية غير المصحوبة بإصلاحات محلية أسفرت عن نزوح واسع وتوترات مجتمعية إلى جانب فقدان الثقة في مؤسسات الدولة.

وهو ما تستغله التنظيمات المسلحة لتجنيد عناصر جديدة من السكان المتضررين، وهو ما يوضح أن نجاح المواجهة الأمنية يتطلب الحفاظ على ثقة المجتمع وليس فقط تحقيق مكاسب عسكرية.

الصومال

الاقتصاد الحضري كجزء من ساحة الصراع

في الصومال تعتمد حركة الشباب على نظام واسع من الجباية والابتزاز داخل المدن ما يمنحها مصادر تمويل مستقرة.

وقد دفع ذلك الدولة إلى التركيز على تتبع الشبكات المالية إلى جانب العمليات الأمنية، لتتحول المواجهة إلى معركة تشمل الاقتصاد والتمويل والرقابة وليس فقط العمليات العسكرية.

حوض بحيرة تشاد

تهديد مشترك لأربع دول

تتحرك جماعات بوكو حرام وتنظيم داعش – ولاية غرب إفريقيا عبر الحدود بين نيجيريا والنيجر وتشاد والكاميرون مستفيدة من صعوبة السيطرة على المناطق المائية والحدودية.

ويعني ذلك أن الاستجابة الفعالة يجب أن تكون مشتركة، لأن معالجة المشكلة في دولة واحدة لا تمنع انتقالها إلى دولة أخرى.

ما الذي يعنيه ذلك لمستقبل الأمن الإقليمي؟

تشير الاتجاهات الحالية إلى استمرار انتقال الجماعات إلى مناطق جديدة وبقاء مساحات واسعة خارج السيطرة الحكومية واستمرار تمويل الجماعات عبر أنشطة غير مشروعة وتصاعد دور الفضاء الرقمي في الدعاية والتجنيد ومحدودية تأثير الحلول العسكرية وحدها.

وبالتالي فإن الخطر لا يتمثل فقط في عدد الهجمات وإنما في قدرة الجماعات على البقاء والتكيف والتوسع.

متطلبات الاستجابة الإقليمية

تعزيز التعاون الإقليمي من خلال تبادل المعلومات وتنفيذ عمليات مشتركة على الحدود والممرات الرئيسية.

ضرب شبكات التمويل والتهريب عبر تعاون مالي وقضائي عابر للحدود.

تقوية حضور الدولة في المناطق الطرفية بتحسين الأمن المحلي والخدمات والعدالة.

استخدام التكنولوجيا بشكل منظم ومسؤول لدعم التحليل المبكر وتتبع الشبكات دون الإضرار بحقوق السكان.

العمل على الوقاية المجتمعية من خلال معالجة النزاعات المحلية ودعم القيادات المجتمعية.

خاتمة

يكشف مؤشر الإرهاب العالمي 2025 أن الإرهاب في إفريقيا لم يعد ظاهرة مؤقتة أو محصورة في دول بعينها بل أصبح تحديا إقليميا يتغذى على ضعف الدولة والاقتصاد غير المشروع والقدرة العالية على التكيف.

ومن ثم فإن تحقيق الاستقرار يتطلب الانتقال من ردود الفعل قصيرة المدى إلى سياسات طويلة الأجل تقوم على بناء أمن إقليمي مستدام يعالج أسباب التهديد وليس فقط مظاهره.

شارك

administrator