دكتور سيد غنيم، دكتوراه الفلسفة في العلوم السياسية – رئيس IGSDA

الثلاثاء 30 مارس 2021

“حصة مصر من مياه النيل خط أحمر، والأمر قد يؤدي لأن تشهد المنطقة حالة عدم استقرار لا يتخيلها أحد”.

ما سبق أحد تصريحات الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اليوم ٣٠ مارس خلال مُؤتمر صحافي عقده بمركز تابع لهيئة قناة السويس في الإسماعيلية.

الجزء الأخير من تصريح السيسي الذي قال فيه “الأمر قد يؤدي لأن تشهد المنطقة حالة عدم استقرار لا يتخيلها أحد” أزعم أنه قال هذه الجملة ارتباطاً بأن العلاقات بين دول منطقة القرن الأفريقي متوترة، والنزاعات بينها قديمة ومليئة بالقضايا والتناقضات، ناهيك عن الانقسام الصومالي والتوتر العسكري الدائر حديثاً بين السودان وأثيوبيا والقديم بين أثيوبيا وأريتريا، وظروف جنوب السودان شديدة الصعوبة، والتمرد في الداخل الأثيوبي والتهاب اليمن.. كل ذلك يعرض المنطقة لزيادة الاشتعال وتزايد المتضررين. ولا ننسى أنه حالة تأثر مضيق باب المندب والبحر الأحمر بالتصعيد المحتمل لن يهدد ذلك الأمن القومي المصري فقط، ولكنه أيضاً سيهدد شريان الملاحة الرئيسي في العالم.

بالنظر للموقف العسكري لكل من مصر وأثيوبيا.. من فيهما أكثر استعداداً للحرب؟

في الوقت الذي تواجه فيه مصر تهديد الإرهاب بجانب كم من الهشاشة المتراكمة في الداخل، نجد التهاب الأوضاع والفشل الزريع في الدول المحيطة بأثيوبيا وظهور التمرد في داخلها يعتبرا أشد تهديداً لها. كما أن مقارنات القوة ترجح بالتأكيد كفة دولة ميزانية دفاعها عشرين ضعف ميزانية خصمها الجنوبي في العام الواحد. هل تتخيل جيش دولة ميزانيته حوالي عشرة مليارات دولار في آخر سنة في مواجهة جيش دولة أخرى نفقاته حولي 500 مليون دولار؟ ناهيك عن المقارنة في حجم ونوعية الطائرات المقاتلة والمقاتلة القاذفة بين البلدين، وهي الأهم في ظروف مثل هذه، فضلاً عن حجم القطع البحرية لدى مصر والتي يمكنها تحقيق المساندة عن بعد معين.

لا شك أن ما يحدث بين مصر وتركيا من مفاوضات وتهدئة للموقفين السياسي والأمني في منطقة شرق المتوسط وفي ليبيا يخفف أعباء كثيرة جداً عن مصر، حيث لا يمكن لمصر أن تكون أكثر قوة وبأس جنوباً في اتجاه أثيوبيا دون تسوية الموقف في الشمال مع تركيا أو تهدئته على الأقل.

السؤال الأهم: لمن يوجه الرئيس المصري رسالته اليوم؟

أزعم أن ما قاله السيسي اليوم يحمل رسالة واضحة ولكنها ليست لأثيوبيا وحدها، فأثيوبيا تعلم ما قاله من قبل ولا تحتاج رسائل جديدة تنبهها.. الرسالة أظنها موجهة لبعض دول المنطقة أصحاب المصالح في القرن الأفريقي والبحر الأحمر، وعلى رأسها دول اعتادت أن تكون الأقرب والأعز لمصر.. ولا أظن أنها رسالة استعداء ولكن ربما تنبيه أو تحذير من عواقب حرب يمكن أن تنشب بين مصر وأثيوبيا في منطقة مشتعلة ذاتياً. والأكثر خطورة من الحرب هو الإجراءات التي قد تتخذها مصر مع، وتجاه، ومن خلال الجوار الأثيوبي. والرسالة أيضاً تبدو موجهة للقوى الكبرى تنبيهاً للأضرار المحتملة لمصالحها في القرن الأفريقي والبحر الأحمر. فالصين تصرف مبالغ طائلة لصالح توسعاتها في القرن الأفريقي، والولايات المتحدة تتصدي لها بكل السبل، وروسيا أغرقت دول شرق أفريقيا بالسلاح. أي أن الطين لا ينقصه بله، ففي حالة الحرب بين البلدين ستنتشر الفوضى دون عودة قريبة للهدوء. وفي الوقت الذي ستنتعش فيه روسيا نسبياً من تجارة السلاح، ستزداد الولايات المتحدة ارتباكاً، وأزعم أن الصين ستكون الخاسر الأكبر.

عندما صرح السيسي في يونيو 2020 بشأن الأزمة الليبية والتدخل التركي في أراضيها أن (سرت – الجفرة) خطاً أحمر، يبدو أن الضوء الأخضر كان أكثر وضوحاً عن الموقف تجاه أثيوبيا، حيث استناد السيسي لم يكن على قوته العسكرية ومتطلبات الأمن القومي المصري فقط، ولكن أيضاً لاطمئنانه لقوة الضغوط الأمريكية والروسية والأوروبية على تركيا وحكومة السراج لكي تراجع تركيا عسكرياً تجنباً لعدم الاستقرار المنتظر في ليبيا وشرق المتوسط حالة حدوث حرب بين الجانبين، فجميع الدول أصحاب المصالح ستكون خاسرة. يبدو أن السيسي هذه المرة (في الموقف الأثيوبي) قد أطلق تصريحه “أن الأمر قد يؤدي لأن تشهد المنطقة حالة عدم استقرار لا يتخيلها أحد” بهدف حث القوى الكبرى والإقليمية والدول الفاعلة أصحاب المصالح في القرن الأفريقي والبحر الأحمر، وتحديداً الولايات المتحدة والصين وروسيا وتركيا وإيران وإسرائيل والسعودية والإمارات أن تتعامل مع أثيوبيا كما تم التعامل من قبل مع تركيا منذ أقل من عام، أو على الأقل عدم الاستمرار في تقديم الدعم لأثيوبيا أو التنسيق الإيجابي معها، فمياه النيل أهم قضايا الأمن القومي المصري ولا يمكن التهاون فيها بأي شكل مهما كانت النتائج.


Share:

administrator