لواء دكتور سيد غنيم
زميل الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية
رئيس معهد شؤون الأمن العالمي والدفاع
أستاذ زائر بالناتو والأكاديمية العسكرية الملكية ببروكسل

  1. أولاً: مقدمة:

    أحاول في هذه الرؤية إثبات أنه بجانب الصراعات التقليدية سواء السعودي/الخليجي الإيراني أو الإسرائيلي الإيراني أو التنافس السعودي الإماراتي وهو الأكثر حساسية ودقة في منطقة الخليج العربي، يبدو لي في الأفق صراعًا على شكل النظام الإقليمي القادم، هل سيكون قائماً على محور إيراني عقائدي ويتمثل في (الهلال الشيعي)، أم على محور سعودي حضاري (الهلال السعودي)؟

    هذا التحول من منظور أيديولوجي عقائدي في الأساس إلى منظور جيوسياسي حضاري.

    أوضح هنا أن الإمارات في رأيي تمثل قوة شبكية مرنة تستهدف الموانئ ومناطق الاستثمار عبر الحدود، مقابل السعودية والتي تمثل قوة حضارية تقليدية صلبة برية تعتمد على تماسك الدول والحدود.

    لا أتطرق في فكرتي إلى أن السعودية ستحل محل إيران عسكرياً، وتحارب منافسيها ومن ضمنهم الإمارات، إلا إنني أحاول استبدال فكرة النفوذ الطائفي بمنطلقات الشرعية الإسلامية والحضور العربي والرعاية الاقتصادية، وهو ما يتسق مع توجهات الرياض في المصالحات، وخطابها الإسلامي الجديد، وإعادة تمركزها في اليمن وسوريا ولبنان وفلسطين والسودان. وأتوقع العراق.

في ظل الصراع الإسرائيلي الإيراني والتنافس السعودي الإماراتي الحاليين والتنافس السعودي الإسرائيلي المتوقع، ومع إصرار إيران على البقاء مع موائمات إيرانية محددة على المستوى الإقليمي، مع تركيا ومصر والسعودية وقطر والجزائر وباكستان من جانب، ومع الإمارات من جانب آخر، والاحتفاظ بالعلاقات الإيرانية المتميزة الموثوقة مع سلطنة عمان، وفي ظل تزايد نفوذ السعودية على حساب الإمارات، أتصور أن هناك مخطط سعودي لإحلال الهلال الشيعي الإيراني المار باليمن جنوبً، وسوريا ولبنان شمالاً مع التواصل مع فلسطين والعراق جنوبًا والعراق في القلب، في طريقه لتنافس سعودي إسرائيلي مستقبلاً.

ثانيًا: أهم أبعاد الخلاف السعودي الإماراتي:

لتناول الخلاف السعودي الإماراتي يجب اعتبار ثلاث أبعاد رئيسية:

  1. منظور الأمن، حيث تنظر كل من السعودية والإمارات للأمن من زاويتين مختلفتين:
  • السعودية (العملاق الإقليمي): ترى الأمن أنه منطقة مستقرة دولها متماسكة تحقق الأمن والإزدهار للداخل السعود، وتحقق الطموحات الداخلية والإقليمية، ومن ثم تسعى السعودية لضمان حدود آمنة ثابتة لدولتها ولدول المنطقة الحيوية محل الاهتمام والمصالح.
  • الإمارات (الأخطبوط): تنظر للأمن من خلال الممرات الملاحية والمضايق والموانئ، ولذا تسعى بشكل متواصل للوصول لها والاستثمار فيها. وهنا تختفي أهمية الحدود الثابتة بين الدول، وهو ما يسبب إزعاج للسعودية التي تعتبر هذه الحدود والدول المتماسكة أعماقًا استراتيجية تحق استقرارها وتماسكها.
  1. التنافس بين الزعيمين:

وهو مرتبط بأمور تعود لشخصية كل من محمد بن سلمان ومحمد بن زايد، وعمرهما السني وطبيعة العلاقات بينهما، والتي كانت عبارة عن تلميذ أصغر سنًا ومرشده الأكبر سنًا.

  1. الارتكاز الإسلامي:
  • تعتبر السعودية الإسلام أحد ارتكازات القوة السعودة الرئيسية بجانب النفط والمشروعات الكبرى والتحول التكنولوجي، فعلى الأراضي السعودية نجد مهد الإسلام والكعبة والمدينة المنورة، مما يجعل السعودية قبل سنوية وموسمية للحجاج والمعتمرين ومركزًا للعالم الإسلامي الذي تسعى السعودية لقيادته ضمن محاور عالمية أخرى كـ “(وبك+”) واستيطان التكنولوجيا والصناعات الدفاعية العالمية. ومن المحتمل أن تستغل السعودية الارتكاز الإسلامي في تحقيق نفوذها في كافة مناطق الهلال السعودي المحتمل بديلاً عن إيران، كأحد ارتكازات قوتها ونفوذها في المنطقة.
  • أما الإمارات فتتصدى لتوسعات الإسلام السياسي سواء الإخوان المسلمين أو الطوائف السلفية الجهادة أو الشيعية.

وفي هذا البعد بالذات، تحقق السعودية قبولاً عربيًا وإسلاميًا يضمنه شعوب هذه الدول على حساب الإمارات.

ثالثًا: اعتبارات وجب حسبانها:

  1. توسع النفوذ السعودية في اليمن والعمل على اتمام خروج الإمارات منها وكذا من محيطها في البحر الأحمر ومضيق بابا المندب.
  2. الدور السعودي المتزايد والقوي في سوريا لدعم الحكومة السورية المؤقتة المشكلة من تنظيمات إسلامية.
  3. تزايد الدور السعودي في لبنان والأراضي الفلسطينية، لدعم الحكومة اللبنانية الناشئة واستعادة القضية الفلسطينية من منظور عربي، دون تصنيف حزب الله تنظيمًا إرهابيًا وكذا الفصائل الفلسطينية.
  4. الدوري السعودي الذي يعمل في سودان من أجل حسم الموقف لصالح الحكومة السودانية الإسلامية ضد ميليشيات قوات الدعم السريع.
  5. مساعي السعودية لحصول على حق الأولية للولايات المتحدة على حساب الولايات المتحدة وعلى رأسهم إسرائيل.
  6. بدء السعودية في تعديل رؤيتها 2023، بتحويل بوصلة بعض مشروعاتها الكبرى التي استثمرت فيها في إطار هذه الرؤية لصالح مشروعات أخرى تتسق مع ما سبق.

رابعًا: العلاقات السعودية الإيرانية والعلاقات السعودية الإسرائيلية:

كنت قد وضحت في رؤى سابقة أن الهدف الاستراتيجي الأساسي لإسرائيل خلال العامين الماضيين، ولا يزال، هو إعادة تشكيل ميزان القوى الإقليمي لصالحها، وذلك بالدرجة الأولى عن طريق إضعاف إيران، التي تعتبرها منافسها الرئيسي على المدى الطويل. ويهدف تقويض إيران إلى إزالة القيد الرئيسي على الهيمنة الإقليمية الإسرائيلية.

مع ذلك، فإن لعدة جهات فاعلة إقليمية رئيسية – السعودية ومصر وتركيا وباكستان – مصلحة هيكلية في منع انهيار إيران. ليس ذلك بدافع التوافق مع طهران، بل لأن إيران تُشكل ثقلاً استراتيجياً موازناً يساعد في الحفاظ على نظام إقليمي متعدد الأقطاب ويُحد من الهيمنة الإسرائيلية.

في الوقت نفسه، يؤدي الصعود السريع للسعودية كمركز ثقل إقليمي سياسي واقتصادي إلى خلق مستوى أكبر من المنافسة. يثير النفوذ المتزايد للرياض قلقاً لدى الجهات الفاعلة الإقليمية – بما في ذلك الإمارات وتركيا ومصر وباكستان – التي تخشى الهيمنة الإسرائيلية غير المقيدة والتوسع السعودي المفرط. بالنسبة لهذه الدول، أصبح الحفاظ على إيران كقوة موازنة جزءاً من جهد أوسع لتجنب شرق أوسط أحادي القطب تهيمن عليه أي قوة واحدة.

وإيران الآن يجب أن تستغل ذلك الموقف، فهي تنفذ موائمات محددة ومنضبطة كافة الجوار الإقليمي القريب والبعيد، بل وتتبنى موائمات سعودية مع الحوثيين في اليمن، وأظن ان هناك تقارب محتمل بين السعودية والفصائل الموالية لإيران في العراق، وبما يمنح السعودية نفوذاً أكبر في العراق.

واتصور أن إيران لن تتخلى عن موقعها ونفوذها الإقليمي بسهولة، ولكنها تهيئ السعودية لمواجهة النفوذ الإسرائيلي، ثم تعود إيران لموضوعها أو تتشارك فيه مع السعودية.

خامسًا: التحديات التي قد تواجه السعودية في هذه الرؤية:

  1. مدى التنسيق الإيراني السعودي المحتمل:

فاحتمال أن إيران “تهيئ السعودية لمواجهة إسرائيل ثم تعود” يحمل قدراً من الافتراض الاستراتيجي العالي، لكنه يتطلب مستوى ثقة بين طهران والرياض غير متوفر حتى الآن. فإيران ترى نفسها مشروعاً حضارياً منافساً، لا مجرد قوة موازنة مؤقتة.

  1. البعد الشعبي والطائفي في الهلال الشيعي:

فـ”الهلال الشيعي” يشكل شبكة عسكرية وبنى اجتماعية وولاءات مذهبية وسرديات مقاومة، وتحويله إلى “هلال سعودي” يتطلب وقتاً طويلاً وأدوات ناعمة ضخمة فضلاً عن قبولاً اجتماعياً لم يترسخ بعد في العراق ولبنان واليمن لصالح السعودية بعد.


  3. حساسية الموقف الإسرائيلي:

وهو ما يؤكد ويدعم رأيي منذ أكتوبر 2023، أن تنافس سعودي إسرائيلي قادم بلا محالة، وإسرائيل، لن تسمح بصعود سعودي واسع دون صدام مباشر. لكن إسرائيل لا تقبل قوة إقليمية منافسة غير خاضعة أو تابعة لها أو حتى شريكة معها على الأقل، وستسعى إسرائيل لاحتواء أو كسر أي محور سعودي جامع إذا اقترب من فلسطين ولبنان.

سادسًا: الاحتمالات المتوقعة حالة تحرك السعودية في مسار هذه الرؤية:

  1. المحتمل جزئيًُا، أن تتحول السعودية إلى قوة مركزية جامعة في اليمن والسودان وأجزاء من سوريا والساحة السنية في لبنان وفي الأراضي الفلسطينية، لكن دون أن تُسقط النفوذ الإيراني بالكامل.
  2. الاحتمال الأقصى، يتمثل في نجاح سعودي واسع في العراق وسوريا والبحر الأحمر، مع تراجع تدريجي لإيران إلى داخل حدودها.
  3. الاحتمال الأكثر خطورة، يتمثل في تصادم سعودي إسرائيلي مبكر، أو انفجار داخلي في إحدى ساحات الهلال المستهدف، يعيد إيران بقوة.
شارك

administrator

استشاري الأمن الدوَلي والدفاع، رئيس معهد شؤون الأمن العالمي والدفاع، الإمارات العربية المتحدة، وأستاذ زائر في العلاقات الدولية والأمن الدولي في أوروبا وشرق آسيا، (مصري)