يشهد سوق الطاقة الآسيوي تغيرات متسارعة بفعل اضطراب الإمدادات الخليجية وتصاعد الحاجة إلى تنويع مصادر الاستيراد، بالتزامن مع توسع صادرات الطاقة الأمريكية. وتبحث هذه الرؤية مدى تأثير هذا التطور على موقع الخليج في السوق الآسيوية، وحدود قدرة الولايات المتحدة على زيادة حصتها، وما إذا كانت التحولات الحالية تمثل استجابة مؤقتة للأزمة أم بداية لتغير أكثر استدامة في خريطة إمدادات الطاقة إلى آسيا.
أولًا: التقدير العام:
زادت مشتريات عدد من الدول الآسيوية من النفط الأمريكي، لتعويض اضطراب الإمدادات الخليجية وتنويع مصادرها. لكن زيادة المشتريات تختلف عن تجاوز الاعتماد على الخليج؛ فالبيانات المتاحة تدعم حدوث إحلال جزئي، دون إثبات تحول آسيوي شامل أو دائم للاعتماد الكامل على الولايات المتحدة لاستيراد النفط.
١. حجم التحول وحدوده:
ارتفعت صادرات الخام الأمريكي عالميًا خلال ٦ أشهر (يناير – يوليو ٢٠٢٦) من حوالي ٨١٤ مليون إلى ٩٦٦ مليون برميل، بزيادة ١٨٫٧٪، تعادل نحو ٧١٧ ألف برميل يوميًا. وهذه الزيادة تشمل جميع الأسواق، ولا تخص آسيا وحدها.
وتجاوزت الشحنات الأمريكية إلى آسيا ٢٫٥ مليون برميل يوميًا في مايو. لكن إجمالي الصادرات الأمريكية تراجع من ٥٫٧٣ مليون برميل يوميًا في مايو إلى ٣٫٥٦ مليون في يوليو، بما يرجح ارتباط جزء من الزيادة بظروف الأزمة وتوافر الإمدادات المنافسة.
٢. موقع الخليج:
قدرت بيانات منشورة خلال سبتمبر حصة الشرق الأوسط بنحو ٥٢٪ من واردات الخام الآسيوية، مقابل قرابة ٥٨٪ قبل الحرب. وهذه تقديرات للشرق الأوسط، تشمل دولًا خارج مجلس التعاون، وليست حصيلة نهائية للسنة.
لذلك لا تسمح هذه الأرقام بحساب انتقال دقيق للحصة من الخليج إلى الولايات المتحدة، لاختلاف الفترات والتعريفات. لكنها تشير إلى بقاء الإمدادات الشرق أوسطية أكبر بفارق واضح.
٣. اختلاف الأسواق الآسيوية:
اليابان توسع بدائلها لتقليل تركز مصادرها، وكوريا الجنوبية تزيد المشتريات من مورد أمريكي قائم منذ سنوات. وللخام الأمريكي موقع قوي سابق للأزمة في تايوان، بينما تشارك تايلاند وسنغافورة في التنويع بدرجات متفاوتة.
أما الصين والهند فتشتريان من مصادر متعددة، وتتأثر قراراتهما بالسعر والعقوبات والعلاقات السياسية. ولا يصح تعميم سلوك اليابان وكوريا وتايوان على آسيا كلها دون احتساب هذين السوقين.
٤. الخام والمصافي:
أبرز الخامات الأمريكية المصدرة إلى آسيا، مثل WTI Midland، خفيفة ومنخفضة الكبريت. ووصف الخام الأمريكي بأنه ثقيل تعميم غير صحيح.
يمكن للمصافي القائمة استيعاب درجات مختلفة باستخدام المزج وتعديل التشغيل، وقد تحتاج إلى تطوير بعض الوحدات عند تغيير خليط الخام بدرجة كبيرة. إنشاء مصافٍ جديدة ليس شرطًا تلقائيًا.
كذلك يستمر استيراد الولايات المتحدة للخام رغم ضخامة إنتاجها وتصديرها؛ لأن بعض مصافيها مهيأة لمعالجة خامات أثقل. ولذلك يجب التمييز بين حجم الإنتاج، وإجمالي الصادرات، وصافي التجارة، وملاءمة الخام للمصافي.
٥. الطاقة الأحفورية الأمريكية:
يشمل الدور الأمريكي النفط الخام، والمنتجات المكررة، والغاز الطبيعي المسال، وغازات البترول المسالة، والفحم. وهذه أسواق مختلفة، ولا يجوز جمعها في مؤشر واحد للاعتماد الآسيوي.
الغاز الطبيعي المسال يوسع خيارات آسيا إلى جانب قطر وأستراليا وموردين آخرين، لكنه يحتاج محطات استقبال وإعادة تغويز وعقود وترتيبات نقل. ولا يمثل بديلًا مباشرًا للنفط المستخدم في النقل والصناعة.
كما أن البروبان والإيثان الأمريكيين يدعمان الصناعات البتروكيماوية. وبالتالي قد يتزايد الارتباط الآسيوي بالطاقة الأمريكية بوتيرة أسرع من زيادة الاعتماد على خامها وحده. أما الفحم فله سوق مستقل تحكمه الجودة والتكلفة وسياسات الكهرباء والبيئة.
٦. دوافع التحول وحدوده:
تجمع المشتريات الأمريكية بين تأمين الإمدادات، والسعر النهائي بعد النقل والتأمين والتكرير، والاعتبارات التجارية والسياسية. لكن التوسع تقيده مسافة النقل، والكميات المتاحة للتصدير، واختلاف الخامات، ومنافسة المشترين الآخرين. كما أن إنتاج النفط الصخري يحتاج استثمارًا وحفرًا متواصلين، فلا تمثل الطاقة الإنتاجية الأمريكية بديلًا احتياطيًا يمكن تشغيله فورًا لتعويض أي انقطاع خليجي. وتنويع الموردين لا يلغي مخاطر السوق العالمية: اضطراب الخليج يرفع الأسعار وتكاليف الشحن حتى للدول التي تشتري الخام الأمريكي.
ثانيًا: الانعكاسات على الخليج:
١. أرجح زيادة المنافسة على الأسواق الآسيوية، مع ضغط لتحسين الأسعار وموثوقية التسليم. وتساعد منافذ التصدير السعودية والإماراتية خارج هرمز في الاحتفاظ بالمشترين، فتقليل الاعتماد على المضيق لا يعني بالضرورة تقليل شراء النفط الخليجي. كما أن التنويع الآسيوي يشمل كندا والبرازيل وغيرهما، فلا تذهب كل خسارة خليجية إلى الولايات المتحدة.
٢. زادت أهمية الولايات المتحدة في مزيج الطاقة الآسيوي، وحدث إحلال جزئي للخام الأمريكي محل إمدادات خليجية متعطلة. لكن لا توجد أدلة كافية على تجاوز الاعتماد الآسيوي على النفط الأمريكي للاعتماد على الخليج. وأرجح استمرار حصة أمريكية أكبر لدى بعض الدول بعد الأزمة، مع استعادة الخليج جزءًا من حصته عند استقرار الملاحة وتنافسية الأسعار. والاختبار الحقيقي هو استمرار ارتفاع الحصة الأمريكية والعقود طويلة الأجل بعد زوال الاضطراب، وليس ارتفاع الشحنات أثناءه فقط.
ثالثًا: مناورات ترمب:
١. يعمل ترمب على جعل الولايات المتحدة موردًا أكبر ومنافسًا أقوى للخليج، من خلال توسيع الإنتاج والتصدير، وربط الاتفاقات التجارية بمشتريات واستثمارات في الطاقة الأمريكية. لكن ذلك لا يثبت وجود خطة قابلة للتنفيذ لإحلالها محل الخليج كمورد رئيسي للعالم.
٢. توجد مؤشرات على استخدام أدوات الضغط التجاري والسياسي لتوجيه الطلب نحو الطاقة الأمريكية. أما تعمد إحداث اضطرابات الخليج بهدف تحويل المشترين إلى النفط الأمريكي، فلا تتوافر أدلة موثوقة تثبته. يجب الفصل بين أثر قراراته، واستغلال هذا الأثر، والقصد الأصلي وراء القرار.
٣. اضطراب الخليج قد يفيد بعض المنتجين والمصدرين الأمريكيين، لكنه يرفع أيضًا تكلفة الطاقة داخل الولايات المتحدة ويضر المستهلكين ويحمّل ترمب تكلفة سياسية؛ لذلك لا يمكن افتراض أن واشنطن تستفيد منه بالكامل.
٤. نقدر أن ترمب يسعى بوضوح لتوسيع حصة الطاقة الأمريكية ونفوذها، وقد يستثمر اضطرابات الخليج لتسريع ذلك. لكن وصفه بأنه يصنع هذه الاضطرابات لهذا الغرض تحديدًا يتجاوز الأدلة المتاحة.
٥. بشكل عام، تشير التطورات الحالية إلى تسارع تنويع آسيا لمصادر الطاقة واتساع موقع الولايات المتحدة داخل هذا المزيج، دون أن يصل ذلك حتى الآن إلى إزاحة الدور المحوري للخليج. وسيُحدد الأثر طويل الأجل بمدى تحول مشتريات الأزمة إلى عقود واستثمارات ومسارات إمداد دائمة بعد استقرار الملاحة، وبقدرة دول الخليج على المحافظة على تنافسية الأسعار وموثوقية الإمداد وتقليل مخاطر نقاط الاختناق البحرية.
دكتور سيد غنيم