تعتبر مصانع الصلب في ماريوبول من أحد أكبر مصانع التعدين في أوروبا، حيث تساهم بقوة في دعم اقتصاد أوكرانيا. وأهم تلك المصانع، مصنع الصلب “آزوفستال – Azovstal”، والمملوك لشركة “ميتينفيست – Metinvest” الأوكرانية العملاقة للصلب، والتي تمتلك أيضاً مصنعاً آخر قريب منه بماريوبول يدعى مصنع “إيليتش” لأعمال الحديد والصلب.

ويعمل مصنع آزوفستال للصلب بطاقة أكثر من 40 ألف عامل من اهالي ماريوبول التي يبلغ تعدادها حوالي (450) ألف مواطن، أي أن العاملين بالمصنع يمثلوا نسبة حوالي (10%) من أهالي المدينة الساحلية الواقعة جنوب شرق أوكرانيا وتطل على بحر آزوف، حيث اعتاد المصنع أن يضخ أكثر من (4) ملايين طن من الفولاذ الخام سنوياً. واليوم، تحول المصنع والمدينة الصناعية المترامية الأطراف وبما تحتويه من شبكة من الأنفاق تحت الأرض إلى مأوى ومعقل نهائي لآلاف المقاتلين الأوكرانيين، بما في ذلك العديد من كتائب آزوف. وما يلفت النظر، أن وزارة الدفاع الروسية كررت مطالبتها للمقاتلين الأوكرانيين داخل المنشأة بإلقاء أسلحتهم، والاستسلام. وفي كل مرة ينقضي الموعد النهائي دون أي استسلام واضح. والسبب، أنه يوجد تحت المدينة الصناعية للمصنع، توجد مدينة أخرى تحتوي على نظام اتصالات، كما أن المصنع وما يحتويه مصمم لتحمل القصف والحصار وبما يرفع القدرات التحصينية لمنشآته، كما أنه حالة تكليف قوات للاحتماء به والدفاع عنه، فإنها يمكنها القتال والدفاع من داخله، حتى لو كان حجم هذه القوات أقل بكثير من القوات المكلفة بمهاجمته. وقد تم بناء آزوفستال أوائل الحقبة السوفيتية وأعيد بناؤه لاحقاً بعد أن تركها الاحتلال النازي لماريوبول بين عامي 1941 و 1943 في حالة خراب. ويشغل حجم المصنع حالياً أربعة أميال مربعة على طول الواجهة البحرية للمدينة.

وأرجح أن العناصر الأوكرانية المحتمية بـ “آزوفستال” قد قامت مسبقاً، ومع توقع الهجوم الروسي في فبراير الماضي، بتخزين أسلحة وزخائر مختلفة الأنواع بكميات ضخمة، متضمنة وسائل الدفاع الجوي، فضلاً عن المؤن والمياه بكميات كبيرة للغاية، وهو ما يجعل استيلاء القوات الروسية عليه انتصاراً كبيراً للكرملين في هذا التوقيت بالذات.

وطبقاً لتقارير وتصريحات مسؤولين وآراء محللين، فإن الروس يستخدمون “قنابل ثقيلة” في آزوفستال نظرا لحجمه الكبير وكبر عدد ورشه وارتفاع قدرات تحصيناته. وهو في رأيي ما جعل القيادة العامة للقوات المسلحة الروسية تيأس من استسلام القوات المدافعة عن المصنع، وتبدأ فوراً معركة الهجوم على دونباس والي بدات ليلة 18/ 19 أبريل في استعجال من القوات الروسية في محاولة لتحقيق انتصاراً حاسماً قبل عيد النصر الروسي يوم 09 مايو، والذي اعتبره مغامرة جديدة غير محسوبة جيداً من القيادة العسكرية الروسية. ولا اخفي أنني وفريق العمل ندرس حالياً السيناريوهات الروسية المحتملة حالة عدم حسم العملية العسكرية في دونباس مع عدم اكتمال العملية العسكرية في ماريوبول وتحديداً عدم استسلام آلاف المقاتلين بمصنع آزوفستال.

وكما تكمن أهمية مدينة ماريوبول لدونتيسك بشكل خاص ولروسيا بشكل عام، فإن الاستيلاء عليها سيمنح القوات الروسية جسراً برياً بين روسيا وشبه الجزيرة القرم، حيث تكمن أهمية آزوفستال فيما يقدمه للاقتصاد الأوكراني في السلم وما يقدمه للقوات الأوكرانية في الحرب من تحصينات ومخازن متعددة واسعة وشبكة أنفاق ووسائل اتصال. الأمر الذي طوره مدوني مواقع التواصل الاجتماعي إلى شائعات خيالية تضمنت إيواء الأسلحة النووية والبيولوجية مع وضع الناتو والولايات المتحدة وماكرون وغيرها في تلك التخيلات التي لم تؤيدها وكالة أنباء واحدة، سواء روسية أو غربية أو غيرهم.

وقد اقتحمت القوات الروسية مصنع إيليتش الأصغر خلال الأسبوع الثاني من شهر أبريل، وجدير بالذكر أن شركة ميتينفيست المالكة للمصنع أعلنت في بيان رسمي لرويترز إنها “لن تعمل أبدا تحت الاحتلال الروسي”، رغم أن صاحب المصانع والشركة،س والذي يعد الأغنى في اوكرانيا، كان مختلفاً بشكل كبير مع الرئيس الأوكراني زلينسكي.

دكتور سَــــيْد غُنــــيْم
زميل أكاديمية ناصر العسكرية العليا
رئيس معهد شؤون الأمن العالمي والدفاع – أستاذ زائر بالناتو والأكاديمية العسكرية ببروكسل

المصادر:
مصادر معلنة دولية.
مصادر خاصة.

شارك

administrator

استشاري الأمن الدوَلي والدفاع، رئيس معهد شؤون الأمن العالمي والدفاع، الإمارات العربية المتحدة، وأستاذ زائر في العلاقات الدولية والأمن الدولي في أوروبا وشرق آسيا، (مصري)