عندما سقطت الموصل عام 2017 ثم فقد تنظيم داعش آخر معاقله الإقليمية في سوريا بعد ذلك بعامين ساد اعتقاد واسع بأن المشروع الذي أطلق عليه التنظيم اسم الخلافة قد انتهى عملياً وأن التنظيم دخل مرحلة الانحسار الاستراتيجي غير أن السنوات اللاحقة كشفت عن مسار مختلف تماماً فلم يؤد انهيار الدولة المكانية إلى انهيار التنظيم بل دفعه إلى إعادة هيكلة نفسه وفق نموذج أكثر مرونة يعتمد على الشبكات العابرة للحدود بدلاً من السيطرة على الأرض

وفي خضم هذه التحولات برز فرع داعش في الصومال باعتباره أحد أكثر الفروع إثارة للاهتمام داخل المنظومة الجهادية العالمية فعلى الرغم من محدودية حجمه العسكري مقارنة ببعض الفروع الأخرى نجح التنظيم في بناء شبكة مالية ولوجستية متطورة جعلت منه لاعباً محورياً داخل الهيكل العالمي لداعش وبات اسم مكتب الكرار يتكرر بصورة متزايدة في التقارير الأمنية والاستخباراتية بوصفه أحد أهم مراكز إدارة الموارد والتحويلات المالية داخل التنظيم

لكن اختزال دور مكتب الكرار في كونه مجرد مؤسسة مالية قد يحجب جانباً أكثر أهمية يتعلق بالتحولات البنيوية التي يشهدها داعش نفسه فالمكتب لا يقتصر دوره على جمع الأموال وتحويلها بل يؤدي وظائف تتجاوز ذلك إلى إعادة توزيع الموارد وربط الفروع المختلفة وتحديد أولويات الدعم وهو ما يجعله أقرب إلى مؤسسة مركزية داخل التنظيم منه إلى مجرد قناة تمويل

ومن هنا تنطلق فرضية هذه الدراسة التي ترى أن داعش الصومال لا يمثل مجرد فرع إقليمي بل يعكس ظهور نموذج جديد يمكن وصفه بالدولة الجهادية بلا أرض حيث أصبحت الشبكات المالية تقوم بوظائف كانت تؤديها سابقاً المؤسسات المرتبطة بالخلافة المكانية

نهاية الخلافة وبداية الدولة الشبكية

اعتمدت قوة داعش خلال سنوات صعوده على السيطرة المباشرة على الأراضي وما وفرته من موارد مالية وبشرية وإدارية لكن هذا النموذج حمل في داخله نقطة ضعفه الرئيسية فبمجرد خسارة الأرض فقد التنظيم جزءاً كبيراً من قدرته على العمل بنفس الطريقة

ومع انهيار الخلافة المكانية بدأ التنظيم في تطوير نموذج جديد يقوم على اللامركزية وتوزيع الوظائف بين الفروع المختلفة فلم تعد القيادة المركزية في حاجة إلى إدارة كل شيء بشكل مباشر بل أصبح بإمكانها الاعتماد على عقد تنظيمية متخصصة تتولى أدواراً محددة داخل الشبكة العالمية

وفي هذا السياق لم تعد القوة تقاس بحجم الأراضي أو عدد السكان بل بقدرة الفرع على أداء وظائف استراتيجية تخدم التنظيم ككل وهنا بدأ صعود داعش الصومال ومكتب الكرار.

لماذا الصومال؟

قد يبدو اختيار الصومال كمركز لهذا التحول أمراً مفاجئاً لكن البيئة الصومالية وفرت مجموعة من المزايا الاستثنائية

فالدولة تعاني هشاشة مزمنة منذ عقود كما يعتمد جزء كبير من الاقتصاد على النقد وأنظمة الحوالة غير الرسمية وتنتشر فيها شبكات تجارية وتهريب عابرة للحدود تمتد إلى القرن الإفريقي واليمن والخليج

 

كما أن موقع الصومال عند مدخل البحر الأحمر وخليج عدن يمنحه أهمية استراتيجية في حركة التجارة والاتصالات الإقليمية وهو ما وفر بيئة مثالية لبناء شبكات مالية يصعب تتبعها أو تعطيلها بالكامل

مصادر الأموال

تعتمد الشبكة المالية المرتبطة بداعش الصومال على مجموعة متنوعة من الموارد

في مقدمتها الإتاوات التي تفرض على التجار وشركات النقل وبعض الأنشطة الاقتصادية المحلية

كما يستفيد التنظيم من شبكات التهريب التي تنشط في نقل الوقود والبضائع والأفراد عبر مناطق مختلفة من القرن الإفريقي

وتلعب التبرعات والتحويلات الفردية دوراً مكملاً في توفير الموارد المالية وإن كان تأثيرها أقل من الإيرادات المحلية

وتشير بعض التقديرات كذلك إلى استخدام شركات صغيرة وأنشطة تجارية كواجهات تسمح بإخفاء الموارد وإعادة دمجها داخل الاقتصاد المحلي

وتكمن أهمية هذه الموارد في تنوعها وليس فقط في حجمها لأن هذا التنوع يمنح التنظيم قدرة أكبر على التكيف مع الضغوط والعقوبات

مكتب الكرار أكثر من مركز مالي

يُنظر عادة إلى مكتب الكرار باعتباره جهازاً مسؤولاً عن إدارة الأموال لكن هذا الوصف لا يعكس حقيقة دوره داخل التنظيم

فالمكتب يشارك في جمع الموارد وإعادة توزيعها وتحديد أولويات الإنفاق وربط الفروع المختلفة ببعضها البعض

كما يؤدي دوراً تنسيقياً بين عدد من الشبكات التابعة لداعش داخل إفريقيا وخارجها

وبذلك يصبح أقرب إلى مؤسسة مركزية تدير العلاقات والموارد داخل التنظيم لا مجرد قناة لتحويل الأموال

كيف تنتقل الأموال؟

تعتمد الشبكة المالية لداعش الصومال على عدة آليات

أهمها نظام الحوالة التقليدي الذي يسمح بنقل الأموال عبر شبكة من الوسطاء بعيداً عن النظام المصرفي الرسمي

كما تستفيد من خدمات الدفع الإلكتروني عبر الهاتف المحمول المنتشرة داخل الصومال

وفي بعض الحالات يتم نقل الأموال نقداً عبر وسطاء أو من خلال شبكات التهريب

كما تستخدم بعض الأنشطة التجارية لإخفاء طبيعة التحويلات الحقيقية وتوفير غطاء قانوني ظاهري لبعض العمليات المالية

أين تذهب الأموال؟

لا تبقى الأموال داخل الصومال بل يتم توجيهها إلى عدة مسارات

في مقدمتها تمويل العمليات العسكرية وشراء الأسلحة والذخائر ومعدات الاتصالات

كما تستخدم لدفع الرواتب والحوافز للمقاتلين والقيادات والعناصر اللوجستية

وتخصص موارد إضافية للتجنيد والاستقطاب والإعلام والدعاية ونقل العناصر بين مناطق النشاط المختلفة

لكن الجانب الأكثر أهمية يتمثل في إعادة توزيع جزء من هذه الموارد على فروع أخرى تابعة للتنظيم داخل إفريقيا بما في ذلك شبكات مرتبطة بداعش وسط إفريقيا وداعش موزمبيق

وهنا يتحول مكتب الكرار من مؤسسة لجمع الأموال إلى مركز لإدارة الموارد على مستوى التنظيم العالمي

العلاقة مع داعش خراسان

تكشف العلاقة بين مكتب الكرار وداعش خراسان عن تطور مهم داخل الهيكل التنظيمي لداعش

فبينما يمثل فرع خراسان أحد أكثر الفروع نشاطاً من الناحية العملياتية يمثل مكتب الكرار نموذجاً للإدارة المالية واللوجستية

وتشير هذه العلاقة إلى أن التنظيم لم يعد يعتمد على مركز واحد يجمع كل الوظائف بل بات يوزعها بين أقاليم مختلفة وفقاً للقدرات والموارد المتاحة لكل منها

كيف غيّر مكتب الكرار مفهوم الولاية؟

في الأدبيات التقليدية كان وزن الولاية داخل داعش يقاس بحجم الأراضي التي تسيطر عليها أو عدد المقاتلين العاملين فيها

لكن تجربة داعش الصومال تطرح معياراً مختلفاً

فالولاية قد تصبح مركزية بسبب قدرتها على إدارة الموارد وربط الشبكات وليس بسبب سيطرتها الجغرافية

وبهذا المعنى أعاد مكتب الكرار تعريف مفهوم الولاية داخل التنظيم وحولها من وحدة ميدانية إلى عقدة استراتيجية داخل الشبكة العالمية

الدولة الجهادية بلا أرض

تكشف تجربة داعش الصومال عن ميلاد نموذج جديد من التنظيمات المتطرفة

نموذج لا يحتاج إلى عاصمة أو حدود أو سيطرة إقليمية واسعة

بل يعتمد على شبكات مالية واتصالية موزعة جغرافياً وقادرة على أداء وظائف الدولة دون امتلاك أرض

وفي هذا النموذج تصبح إدارة التدفقات المالية أكثر أهمية من إدارة المدن وتصبح السيطرة على الشبكات بديلاً عن السيطرة على الجغرافيا

سيناريوهات 2030

السيناريو الأول يتمثل في استمرار صعود النموذج الشبكي وتحول مكتب الكرار إلى أحد أهم مراكز النفوذ داخل داعش

السيناريو الثاني يقوم على نجاح الضغوط الدولية في استهداف الشبكات المالية وتقليص قدرة المكتب على إدارة الموارد

أما السيناريو الثالث فيفترض تطور الروابط بين داعش الصومال وداعش خراسان وفروع أخرى بما يؤدي إلى ظهور شبكة جهادية أكثر ترابطاً وتوزيعاً للوظائف على المستوى العالمي

تكمن أهمية داعش الصومال في أنه يقدم لمحة مبكرة عن شكل التنظيمات الجهادية في مرحلة ما بعد الخلافة فبينما ركزت التجارب السابقة على السيطرة على الأرض يبدو أن التنظيم يتجه اليوم نحو نموذج يقوم على إدارة الشبكات والموارد والعلاقات العابرة للحدود ومن هذا المنظور قد لا يكون مكتب الكرار مجرد مركز مالي بل أحد أهم المؤشرات على التحول التاريخي الذي يشهده تنظيم داعش منذ سقوط دولته المكانية

شارك

administrator