معهد شؤون الأمن العالمي والدفاع:
القسم الأمني والعسكري
دكتور سَــــيد غُنــــيم
زميل أكاديمية ناصر العسكرية العليا
رئيس معهد شؤون الأمن العالمي والدفاع
الأستاذ الزائر بالناتو والأكاديمية العسكرية الملكية ببروكسل
 
السردية الدارجة حاليًا تقول أن الحرب الإيرانية شكلت اختباراً حقيقياً للنموذج الأمني الذي هيمنت عليه الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب الباردة. فعلى الرغم من نجاح واشنطن في توجيه ضربات عسكرية واسعة النطاق ضد البنية النووية والعسكرية الإيرانية، فإن الأحداث أظهرت في الوقت نفسه حدود القدرة الأمريكية على توفير مظلة أمنية كاملة لحلفائها الإقليميين. وقد كشفت الهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة التي استهدفت منشآت وقواعد عسكرية ومراكز اقتصادية في المنطقة عن استمرار هشاشة البنية الأمنية الإقليمية، رغم الوجود العسكري الأمريكي الكثيف. كما عززت الحرب من قناعة العديد من دول المنطقة بضرورة تنويع الشراكات الأمنية وعدم الاعتماد الحصري على الولايات المتحدة باعتبارها الضامن الوحيد للأمن الإقليمي. وبالتالي، يتجه الشرق الأوسط تدريجياً نحو نموذج أمني أكثر تعددية يعتمد على مزيج من الشراكات الثنائية والمتعددة الأطراف خاصة مع تزايد عدم الثقة في قدرة الولايات المتحدة على ضمان الأمن كما كان سابقًا، مع تزايد الاعتماد على القدرات الوطنية في مجالات الدفاع الجوي والصاروخي والأمن السيبراني.
إلا أنني أرها سردية مبالغ فيها. نعم، الحرب أظهرت أن الوجود العسكري الأمريكي الكبير لا يمنع بالكامل تعرض الحلفاء لهجمات صاروخية ومسيرات، وهو ما استقرأته وعملت حسابه دول الخليج بالفعل منذ مدة، حيث عززت خلال السنوات الأخيرة تنويع شراكاتها الدفاعية مع قوى متعددة، مع استمرار التعاون الوثيق مع واشنطن، وهناك اتجاه واضح نحو زيادة القدرات المحلية بنقل تكنولوجيا دول متقدمة كالجمهورية الكورية وغيرها، إلا أن الاستثمار في الدفاع الجوي والصاروخي والأمن السيبراني ما زال مطلوبًا بشدة من الولايات المتحدة خصيصًا. وعندما نقول أن الولايات المتحدة تميل إلى تقليل الانخراط العسكري المباشر طويل الأمد مع الحفاظ على القدرة على التدخل السريع والشراكات الإقليمية، فهو ليس بالأمر الجديد، إذن أن الرئيس الأميركي الديمقراطي الأسبق، هو أول من بدأ من خلال سياسته الواقعية في فترته الرئاسية الثانية إلى التحول إلى استراتيجية “القيادة من الخلف”، والتي تنتهج نفس المضمون.
وعلى أي حال سأوضح بشكل أكثر توسعًا قراءتي للتحول في النموذج الأمني الإقليمي للمنطقة:
ربما نتفق على أن الصراع الدائر حول إيران لم يعد مجرد مواجهة ثنائية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، بل تطور إلى تنافس أوسع على شكل النظام الأمني الإقليمي في الخليج. هذا التحول نقل مركز الثقل من “إدارة الصراع” إلى إعادة صياغة الترتيبات الإقليمية للمنطقة”.
في هذا السياق، تسعى الولايات المتحدة إلى إعادة ضبط الاستراتيجية الأمريكية “Offshore Balancing”، من خلال حضور أقل كلفة وأكثر انتقائية، مع الحفاظ على القدرة على التأثير.
في المقابل، انتقلت إيران من هدف مجرد “البقاء” إلى “البقاء بنظام الحرس الثوري الإيراني قويًا راسخًا، يرتكز على إخراج الولايات المتحدة من الخليج، وبناء نظام أمني إقليمي إيراني خال من التدخلات الخارجية، ونفوذ إيراني مباشر وغير المباشر في منطقة الخليج والشرق الأوسط”.
على الجانب الآخر، يبرز مشروع سعودي يسعى لإعادة تشكيل التوازن الإقليمي بطرح بديل مضاد للنفوذ الإيراني، مستندًا إلى ارتكازات القوة السعودية (الارتكاز الاقتصادي متمثل في المشروعات الضخمة وأوبك+ – الارتكاز الديني)، مع محاولة توظيف تحرك جماعي مع قوى إقليمية مثل تركيا وباكستان ومصر. لكن هذا المسار يواجه قيودًا واضحة، كالتقارب المؤقت مع إيران لخفض التصعيد، واستقلالية القرار التركي، وتحفظ مصر على الأطر الأيديولوجية.
في المقابل، وفي ضوء هذا التباين بين النهجين الإيراني والسعودي، يظهر المشروع الإماراتي والذي يتبنى مقاربة مختلفة تقوم على نموذج غير أيديولوجي (شبكي وبرجماتي)، يعتمد على الاقتصاد المتنوع، والشراكات الدولية، والتكامل مع قوى نوعية في المنطقة، بما في ذلك الدول المنخرطة في الاتفاق الإبراهيمي.
وبالنسبة لبقية دول الخليج، فتتحرك بمنطق التحوط والاحتواء، مع الحفاظ على هامش مناورة واسع.
وهنا لدينا أربع مشاريع لترتيبات أمنية جديدة في المنطقة، وهي:
1. مشروع إيراني إقليمي (100%) قائم بذاته منذ عام 1979، مصمم للهيمنة على منطقة الخليج والشرق الأوسط، لا يمتلك تحالفات دولية حقيقية، ولكنه يستند على نفوذ بالوكلاء.
2. مشروع أمريكي دولي إقليمي قائم في الخليج منذ عام 1991، يمتلك أضخم قوة عسكرية وتحالفات، اعتمد على تواجد كثيف في المنطقة، لتحجيم إيران من جانب ومكافحة الإرهاب من جانب آخر، وبما يحفظ التوازن بين التلويح بالقوة وبين الموائمات مع الخصوم، ما أظهر بنسبة (50%) مهدد لإيران، حيث إنه يهدف لأمن الملاحة والطاقة في الشرق الأوسط في مواجهة إيران كأحد أهم الخصوم، ورغم ذلك اعتادت واشنطن ألا تهدف لتقويض إيران لتحقيق، وذلك لتحقيق هدف أميركي أهم، وهو الحفاظ على التوازن الاستراتيجي في المنطقة، وبما يحقق الاستقرار المرجو ويخدم الاستراتيجية الأمريكية الأكبر دوليًا، وهو الصياغة الأمريكية للأمن الإقليمي، والتي تقوم عليها المنطقة. إلا أن وجود ترمب كسر هذه المعادلة، ليرفع نسبة التهديد ضد إيران إلى (100%). ومع تطور الأحداث تعود تدريجيًا إلى الـ(50%) مع محاولة إيرانية لتقويضها لأكثر من ذلك مستغلة أخطاء الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، لدرجة محاولة إخراج القوات الأمريكية بالكامل من المنطقة.
3. مشروع إماراتي إقليمي (100% منافس للمشروع الإيراني)، وهو نموذج شبكي برجماتي، ويمتلك اقتصاد متنوع يعتمد على الإنتاج، واستثمارات دولية وإقليمية، وعلاقات قوية مع قوى نوعية إقليمية مع إسرائيل.
4. مشروع سعودي إقليمي (50% من جهوده منافس للمشروع الإماراتي)، وهو نموذج أيديولوجي كمي قوي، يرتكز على اقتصاد ضخم مبني على الموارد والاستثمارات الكبرى، والقيادة الدينية، وأوبك، وعلاقات قوية مع باكستان، ومحاولة جذب تركيا ومصر.
ملحوظة: المشروعين الثاني والثالث، يبدو متكاملين في عهد ترمب، الأمر الذي قد لا ينطبق بشكل كامل حالة معاودة العمل في إطار الاستراتيجية لأمريكية الأساسية.
شارك

administrator

استشاري الأمن الدوَلي والدفاع، رئيس معهد شؤون الأمن العالمي والدفاع، الإمارات العربية المتحدة، وأستاذ زائر في العلاقات الدولية والأمن الدولي في أوروبا وشرق آسيا، (مصري)