معهد شؤون الأمن العالمي والدفاع:
القسم الأمني والعسكري
دكتور سَــــيد غُنــــيم
زميل أكاديمية ناصر العسكرية العليا
رئيس معهد شؤون الأمن العالمي والدفاع
الأستاذ الزائر بالناتو والأكاديمية العسكرية الملكية ببروكسل
من أهم المعايير التي تجعل الدولة الفاعلة تمتلك مشروع استراتيجي (رؤية طويلة الأمد – أدوات دبلوماسية واقتصادية وعسكرية وثقافية – شبكة تحالفات – إرادة حقيقية مستدامة وقدرة على تشكيل البيئة الإقليمية – امتداد جغرافي يتجاوز حدود الدولة ليؤثر في محيطها الإقليمي أو الدولي – مؤسسات داعمة – مرونة وقدرة على التكيف مع ثبات الأهداف الاستراتيجية – …).
كما ذكرت في رؤية سابقة، عندما نتحدث عن مشاريع استراتيجية في منطقة الخليج العربي، فالمقصود هنا أربع مشاريع، وهي إيران والولايات المتحدة والإمارات والسعودية.
على مستوى الشرق الأوسط، لدينا مشروع دولي وهو الولايات المتحدة، وثلاث مشاريع إقليمية متنافسة، وهي إيران وتركيا وإسرائيل بالطبع، وهناك مشروع إقليمي رابع، ولكنه كامن بعد المقاطعة ضد قطر عام 2017، وهو المشروع القطري، والذي ظهر بقوة في دعم التيار الإسلامي (الإخوان المسلمين) خلال ثورات الربيع العربي وحتى الآن. المشروعين الإسرائيلي والتركي كما ذكرت مجالهما الحيوي يشمل الشرق الأوسط ومحيطه، دون تركيز حقيقي في الخليج، إلا إنهما أيضًا ليست منفصلين عنه بشكل تام.
بالنسبة للهند والصين وروسيا، أرى أن الهند شريك ممكن للإمارات بشكل عام، دون دور مباشر في المشروع الإماراتي يحقق هدف أمني مشترك في الخليج. فالهند تضيف وزن في الاقتصاد والتكنولوجيا والأمن البحري وسلاسل الإمداد، مع تجنب الانخراط في محاور صدامية ضد إيران أو الصين، وبالطبع السعودية. لذا فإن دورها داعم للشبكة الإماراتية، دون عداء حقيقي ضد أطراف أخرى، ربما عدا باكستان طالما وجدت.
أما الصين فأرى أنها ستسعى إلى التواجد والتأثير من خلال الاقتصاد، والطاقة، والتكنولوجيا، والموانئ، مع تجنب تحمل أعباء الضمان الأمني المباشر.
أما روسيا، فحضورها سيبقى محدود وانتقائي مقارنة بالولايات المتحدة، بسبب انشغالها في أوروبا وتراجع مواردها النسبية. حيث أرى إن روسيا ستحتفظ بعلاقات مع إيران وبعض الشركاء الإقليميين، لكنها لن تكون من صانعي النظام الأمني الجديد للخليج، فقط لاعب داعم أو معرقل أو موازن، في ملفات محددة، وحسب الموقف.
وأتصور أن من أهم التأثيرات التي يجب دراستهما في هذا السياق، التأثير على التطبيع الإيراني السعودي والتأثير على التطبيع الإسرائيلي الإماراتي.
عند تناول التطبيع الإيراني السعودي، نجد أن السعودية لم تعد تتعامل مع إيران باعتبارها تهديدًا يستوجب المواجهة المباشرة، لكنها ما زالت تراها التهديد الأمني الأكبر، وخصماً إقليمياً يجب احتوائه داخل حدوده. وإيران بدورها تريد كسر الحصار الخليجي الإسرائيلي، والأقرب هنا إفشال محاولات التطبيع الإسرائيلي السعودي بأي شكل، وترسيخ فكرة التطبيع الإيراني السعودي التي وضعت الصين حجر أساسه في نهاية العام 2021. ولكن التطبيع الإيراني السعودي ظل سطحياً، لا تحالف أمني ولا تنسيق نفطي حقيقي، ولا حل للملفات العالقة (اليمن، البحرين، الجزر)، وكأنه هدنة استراتيجية دون ترتيبات استراتيجية حقيقية، وهو بذلك يصعب التقارب الإيراني السعودي على المديين المتوسط والبعيد.
وبالمقارنة، نجد التطبيع الإسرائيلي الإماراتي مشروع فعلي ذو إجراءات تنفذ على الأرض. فالإمارات اعتبرت إسرائيل شريك تكنولوجي عسكري استخباراتي يفيد في تحقيق مشروعها الإقليمي.
والفرق الجوهري بينهما، أن التطبيع الإيراني السعودي يهدف ويخطط لتقليل التكاليف على إيران ومعسكرها، أما التطبيع الإسرائيلي الإماراتي فهو يهدف ويخطط لـبناء القدرات ومواجهة التحديات.
وهنا يجب ألا نغفل المشروع القطري الكامن الذي ذكرته من قبل، أن قوته كانت مبنية على المشروع المشترك القطري التركي.
وهنا نجد ثلاثة محاور من المشاريع:
المحور الأول “خليجي”، كما ذكرت من قبل بجانب الولايات المتحدة ثلاث مشاريع في الخليج:
– إيران.
– الولايات المتحدة.
– الإمارات.
– السعودية.
المحور الثاني “شرق أوسطي منفرد”، ويتضمن، بجانب المشروع الأمريكي الأكبر، ثلاث مشاريع منفصلة:
– إيران.
– إسرائيل.
– تركيا.
المحور الثالث “شرق أوسطي مشترك”، ويتضمن مشروعين مشتركين:
– تركي قطري (كامن).
وبالنظر لإسرائيل والإمارات، ما زال لم يصل الأمر لمشروع موحد بين البلدين، بل هو تقاطع استراتيجي واسع يتجاوز المستوى الإقليمي.
جدير بالذكر في هذا المحور أن هناك مشروعين مشتركين متنافسين على المستوى الدولي بين الولايات المتحدة والصين، وهما:
– مشروع أميركي إسرائيلي خليجي/ عربي.
– مشروع صيني إيراني خليجي/ عربي.
وهما مشروعان مستهدفان على المستوى الدولي كل في مواجهة الآخر، الإقليمي بواسطة كل من الولايات المتحدة والصين كمتنافسين، وعلى المستوى الاقليمي بواسطة كل من إسرائيل وإيران. إلا إن تحدياتهما كبيرة لعدة اعتبارات.
ومما سبق أميل للمسميات الآتية في الوقت الحالي:
– الراعين: الولايات المتحدة والصين. ورغم أن روسيا ليست راعيًا لأي مشروع إلا أنها لا تخرج من المعادلة.
– الأطراف الرئيسية غير العربية: إسرائيل وإيران.
– الأطراف الرئيسية العربية: السعودية والإمارات، والاثنان يتحركان في فضاء لم يعد الأمريكيون يحددون قواعده بالكامل. الفارق الوحيد في الآلية في الأطراف الفاعلين، أن الصين تعتمد على وحدة خليجية متوافقة معها لتحقيق مشروعها والخلاف السعودي الاماراتي يعيقه. ورغم أن الولايات المتحدة وإسرائيل تميلان لنفس الموقف، إلا أن الولايات المتحدة يمكنها عمل ترتيبات ثنائية مع دول الخليج وبما يحقق أهدافها. أما إيران فتستفيد من الخلاف بين الدولتين الخليجيتين، ولن تقبل توافقهما إلا تحت راية مشروعها.
– النظر بدقة في الفرق بين ما يسمى بالتحالفات الإقليمية، وبين ما يمكن تسميته بالتكتلات الأمنية غير الرسمية والتي تعتمد على التنسيق الميداني واللوجستي وليس الدفاع المشترك المنصوص عليه في معاهدات، وهي عادة لا تتجاوز الإجراءات الدبلوماسية والأمنية المحدودة، وهنا أشير إلى التقارب المؤقت بين (باكستان وتركيا والسعودية ومصر)، والذي لن يكون مستدامًا، كما لن يكون الشكل السائد للنظام الأمني الجديد.