ملحوظة: استنتاجاتي لا تتعلق بأمن أو فنيات الطيران ولا بالإرهاب.. أكتب فقط في مجال تخصصي.

أولًا: حقائق مؤكدة حتى الآن:

غادرت رحلة فلاي دبي FZ1073 إمارة دبي متجهة إلى تل أبيب في 30 سبتمبر، وعلى متنها 174 شخصًا. ووقعت مواجهة عنيفة داخل قمرة القيادة أسفرت عن إصابة كل من قائد الطائرة ومساعده.

وتدخل أفراد من طاقم فلاي دبي كانوا مسافرين على متن الطائرة لتأمينها، فيما تشير تقارير إضافية إلى احتمال مشاركة بعض الركاب أيضًا في السيطرة على الموقف. وتمت استعادة السيطرة على الطائرة وتحويل مسارها إلى تبوك في المملكة العربية السعودية، حيث هبطت بسلام.

وصنفت الإمارات الواقعة لاحقًا باعتبارها حادثًا أمنيًا خطيرًا، وفتحت تحقيقًا جنائيًا متخصصًا. والأهم أن التحقيق يشمل صراحة احتمال وجود نشاط أو دافع إرهابي، فضلًا عن احتمال وجود تخطيط أو تنسيق أو توجيه مسبق.

ثانيًا: ما حدث داخل قمرة القيادة:

تشير المعلومات المتاحة بقوة إلى أن الواقعة تجاوزت كثيرًا مجرد خلاف اعتيادي بين طيارين.

يشتبه في أن مساعد الطيار بدأ الاعتداء وقام بطعن قائد الطائرة، الذي تبين أنه هندي الجنسية. وتشير التقارير إلى أن القائد المصاب تمكن من فتح باب قمرة القيادة، مما أتاح لأفراد آخرين من الطاقم التدخل والسيطرة على مساعد الطيار.

بعد ذلك، ساعد أحد أفراد الطاقم المؤهلين، الذي كان مسافرًا على متن الطائرة، في تولي السيطرة عليها وضمان تحويلها بأمان إلى تبوك.

أما ما تردد عن أن مساعد الطيار عُماني الجنسية، فقد ورد على نطاق واسع في التقارير الإسرائيلية، لكنه لم يُؤكد رسميًا من جانب الإمارات ضمن نتائج نهائية للتحقيق.

ثالثًا: ما حدث للطائرة:

تؤكد بيانات الرحلة أن الطائرة تعرضت لفقدان مفاجئ وخطير للغاية للارتفاع، حيث أفادت التقارير بأنها هبطت نحو 14 ألف قدم في أقل من 30 ثانية قبل استقرار مسارها.

وأرسلت الطائرة أولًا رمز الطوارئ 7700، ثم الرمز 7500 الذي يشير إلى تدخل غير مشروع، قبل أن تعود إلى 7700 قبل الهبوط.

ويكتسب إرسال الرمز 7500 أهمية خاصة. فهو لا يثبت بمفرده وقوع محاولة اختطاف أو هجوم إرهابي، لكنه يدعم بقوة التقدير بأن ما حدث تجاوز مجرد خلاف شخصي داخل قمرة القيادة.

رابعًا: التقدير الإسرائيلي:

تتجه السلطات الإسرائيلية بصورة متزايدة إلى اعتبار الحادث محاولة متعمدة من جانب مساعد الطيار للاستيلاء على السيطرة على الطائرة، وربما بهدف إسقاطها.

وقد طرح مسؤولون إسرائيليون كبار علنًا احتمال وجود دافع إرهابي، وأشاروا إلى احتمال تعرض مساعد الطيار لتطرف أيديولوجي. كما عرّفت تقارير إسرائيلية المشتبه به بأنه عُماني الجنسية.

ومع ذلك، تظل هذه تقديرات إسرائيلية في انتظار اكتمال التحقيقات الإماراتية والسعودية. وعلى وجه الخصوص، لم يُحسم بصورة قاطعة حتى الآن الدافع الدقيق، أو وجود ارتباطات خارجية محتملة، أو الهدف الذي كان مساعد الطيار يسعى إلى تحقيقه في حال تمكنه من السيطرة على الطائرة.

خامسًا: الموقف الإماراتي:

لم تقلل الإمارات من خطورة الحادث، ولم تختزله في مجرد خلاف بين طيارين. كانت البيانات الأولية متحفظة بصورة متعمدة، واكتفت بتأكيد وقوع حادث أثناء الرحلة وتحويل مسار الطائرة وهبوطها بسلام. إلا أن الإجراءات الرسمية اللاحقة وسعت نطاق القضية بدرجة كبيرة.

ويبحث التحقيق الإماراتي حاليًا فيما إذا كان العنف داخل قمرة القيادة مرتبطًا بنشاط أو دافع إرهابي، وما إذا كان هناك أي تخطيط أو تنسيق أو توجيه مسبق.

وهذا تطور مهم. فقد تقلصت بذلك المسافة بين الموقفين الإسرائيلي والإماراتي: إسرائيل تتعامل بالفعل مع الإرهاب باعتباره فرضية جدية، بينما تحقق الإمارات رسميًا في هذا الاحتمال دون أن تصل بعد إلى نتيجة نهائية.

سادسًا: ما تم إثباته وما لم يثبت حتى الآن:

ثبت بدرجة عالية من الثقة وقوع حادث عنيف داخل قمرة القيادة، وإصابة الطيارين، وتعرض الطائرة لفقدان مفاجئ وخطير للارتفاع، وإرسال رمز 7500 الخاص بالتدخل غير المشروع، وتدخل أفراد آخرين مؤهلين من الطاقم، واستعادة السيطرة على الطائرة، ثم هبوطها بسلام في تبوك.

وتبقى المسألة الأساسية غير المحسومة هي النية. هل كانت عملية إرهابية مخططة استهدفت الرحلة تحديدًا لأنها متجهة إلى إسرائيل؟ هل كان مساعد الطيار يعتزم إسقاط الطائرة، أم اختطافها، أم تغيير مسارها، أم مجرد الاستيلاء على السيطرة عليها خلال مواجهة عنيفة؟ وهل كان يتصرف منفردًا، أم كان هناك تخطيط أو توجيه خارجي مسبق؟

هذه الأسئلة لا تزال قيد التحقيق.

سابعًا: تقييمي المبدئي:

لم يعد التوصيف الأولي للحادث باعتباره مجرد مشاجرة بين طيارين كافيًا لتفسير الأدلة المتاحة. التقدير الأقوى في هذه المرحلة هو أن مساعد الطيار يبدو أنه اعتدى عمدًا على قائد الطائرة وحاول الاستيلاء على السيطرة عليها، مما أوجد تهديدًا مباشرًا وربما كارثيًا للرحلة.

أما التقدير الإسرائيلي بأن الأمر ربما كان محاولة إرهابية لإسقاط الطائرة وقتل ركابها، فقد أصبح فرضية جدية. والأهم أن الإمارات نفسها تحقق رسميًا الآن في احتمال وجود دافع إرهابي أو تخطيط مسبق. ومع ذلك، لم يُحسم بعد بصورة قاطعة الدافع الإرهابي أو الهدف النهائي لمساعد الطيار.

وعليه، فإن التوصيف الأكثر دقة في الوقت الراهن هو “محاولة عنيفة على ما يبدو للاستيلاء على السيطرة على طائرة أثناء تحليقها، تضمنت اعتداءً على قائدها وشكلت تهديدًا مباشرًا لسلامة الطائرة، مع استمرار التحقيق لتحديد ما إذا كانت الواقعة تمثل محاولة إرهابية مخططة لإسقاط الطائرة”.

هذا التوصيف أدق من اعتبار الحادث مجرد خلاف بين طيارين، وفي الوقت نفسه يتجنب الاستنتاج المبكر بأن وقوع عمل إرهابي قد ثبت بصورة نهائية.

ثامنًا: ادعاءات المؤامرة:

تداولت أوساط في إسرائيل والأراضي الفلسطينية وبعض الدول العربية ادعاءات بأن الحادث كان مدبرًا أو مفتعلًا من جانب إسرائيل، أو من جانب إسرائيل والإمارات معًا.

لم تظهر أدلة موثوقة تدعم أيًا من الادعاءين. وحتى الآن، لا توفر بيانات الرحلة أو البيانات الرسمية أو مسار التحقيقات أساسًا واقعيًا يسمح بالتعامل مع نظريات المؤامرة هذه باعتبارها تفسيرًا مثبتًا أو ذا مصداقية للحادث.

تاسعًا: الاستنتاجات والتوقعات:

1. المستفيدون والخاسرون:

قد تظهر إسرائيل باعتبارها المستفيد السياسي المباشر إذا تأكد الدافع الإرهابي. فالحادث سيعزز حجتها بأن التهديدات التي يتعرض لها المواطنون الإسرائيليون تمتد إلى خارج ساحات القتال التقليدية، وأنها تتطلب إجراءات أمنية أشد حتى على خطوط الطيران التي تربط إسرائيل بدول إقليمية صديقة.

في المقابل، تواجه الإمارات وفلاي دبي التحدي الأكبر على مستوى السمعة، خصوصًا فيما يتعلق بفحص خلفيات العاملين، وأمن قمرة القيادة، وكيفية وصول شخص يحتمل أن تكون لديه دوافع متطرفة إلى موقع بهذه الحساسية. وقد تواجه عُمان أيضًا ضغوطًا سياسية وإعلامية إذا تأكد رسميًا أن المشتبه به عُماني الجنسية وأن دوافعه أيديولوجية.

لكن نجاح القائد والطاقم في السيطرة على الموقف يحد بدرجة كبيرة من الأضرار. فعدم سقوط ضحايا بين الركاب وإنقاذ الطائرة يتيح للإمارات إمكانية تحويل الحادث من إخفاق أمني إلى دليل على فعالية إدارة الأزمة، بشرط شفافية التحقيق واتخاذ إجراءات تصحيحية مقنعة.

2. كيف يمكن أن يستفيد نتنياهو:

يمكن لنتنياهو استخدام الحادث لتعزيز روايته الأمنية: “الإسرائيليون يظلون أهدافًا خارج إسرائيل، والتطرف الأيديولوجي يمثل تهديدًا مستمرًا عابرًا للحدود، وبالتالي تحتاج إسرائيل إلى إجراءات أمنية استثنائية”.

كما يمكنه استخدام الحادث لتبرير تشديد فحص أطقم شركات الطيران الأجنبية المتجهة إلى إسرائيل، وزيادة المشاركة الإسرائيلية في الترتيبات الأمنية الخاصة بالرحلات الدولية القادمة إليها.

وسياسيًا، يمكن أن يدعم الحادث حجته الأوسع بأن الوضع الأمني الحالي لإسرائيل تفرضه التهديدات الخارجية المستمرة، وليس مجرد خيار سياسي.

3. كيف يمكن أن يستفيد معارضو نتنياهو:

يمكن لمعارضي نتنياهو في الداخل بناء رواية معاكسة تقريبًا: أن الحادث يعكس تصاعد العداء لإسرائيل دوليًا، وأن سياسات نتنياهو أسهمت في زيادة عزلة إسرائيل. كما يمكن للدول والقوى السياسية المعادية لإسرائيل تصوير الحادث باعتباره مظهرًا آخر لتزايد الغضب الشعبي تجاه إسرائيل، خصوصًا في أعقاب الصراعات الإقليمية الأخيرة.

وهنا تظهر معركة مهمة على تفسير الحادث. يستطيع نتنياهو تقديمه كدليل على أن إسرائيل تواجه عداءً مستمرًا يستوجب سياسات أمنية أكثر تشددًا، بينما يستطيع خصومه تقديم الواقعة نفسها باعتبارها دليلًا على أن سياساته تولد مزيدًا من العداء تجاه الإسرائيليين وتزيد عزلة إسرائيل دوليًا.

لكن لا يمكن إثبات أيٍّ من التفسيرين استنادًا إلى تصرفات فرد واحد. فقد يُستغل الحادث سياسيًا في الاتجاهين، لكنه لا يستطيع بمفرده إثبات اتجاهات الرأي العام العالمي تجاه إسرائيل.

4. كيف يمكن أن تستفيد إيران من الحادث:

يمكن لإيران أن تحقق من الحادث فوائد سياسية وإعلامية بالدرجة الأولى، وليس مكاسب استراتيجية مباشرة. فقد تستخدم طهران الحادث للقول إن معارضة السياسات الإسرائيلية تتجاوز الجماعات التقليدية المرتبطة بإيران، وإن العداء لإسرائيل بات يظهر بصورة مستقلة داخل قطاعات من المجتمعات العربية والإسلامية. كما يمكن للإعلام الإيراني استخدام الواقعة لتأكيد أن تطبيع العلاقات الرسمية بين إسرائيل والحكومات العربية لا يعني بالضرورة وجود قبول شعبي لإسرائيل.

لكن الاستغلال الإيراني المباشر للحادث ينطوي على مخاطر. فإذا ظهرت أدلة على تورط إيراني أو تحريض أو روابط عملياتية، فسيتحول الحادث بصورة حادة من فرصة دعائية إلى عبء خطير على طهران، خصوصًا أنه يتعلق بطائرة مدنية أقلعت من الإمارات. لذلك تحقق إيران أكبر استفادة إذا تمكنت من استثمار الرواية سياسيًا وإعلاميًا مع بقائها منفصلة بصورة واضحة عن أي صلة مباشرة بالحادث.

5. التصرف الأمثل المحتمل من الإمارات:

يتمثل أقوى رد إماراتي في الجمع بين أعلى درجات مصداقية التحقيق والحزم المؤسسي. حيث ستعمل الإمارات على حسم الدافع بصورة قاطعة، والتعاون الوثيق مع السعودية والسلطات الدولية المختصة بالطيران، وتجنب التبني المبكر للرواية الإسرائيلية، وفي الوقت نفسه عدم رفضها تلقائيًا.

إذا ثبت الدافع الإرهابي، فسيكون من مصلحة أبوظبي الإعلان عنه بوضوح، وملاحقة أي شخص متورط، والتحقيق في الشبكات المحتملة أو التوجيه الخارجي، وإجراء مراجعة شاملة لعمليات اختيار الطيارين وفحص خلفياتهم وتقييمهم النفسي، وآليات اكتشاف التهديدات الداخلية، وإجراءات أمن قمرة القيادة.

أما إذا لم يثبت الدافع الإرهابي، فينبغي نشر قدر كافٍ من الأدلة لتوضيح الأساس الذي استند إليه هذا الاستنتاج.

ويجب أن يكون الهدف الإماراتي الأساسي منع الأطراف الخارجية من احتكار تفسير الحادث؛ سواء من خلال الرواية السياسية لنتنياهو، أو الدعاية المعادية لإسرائيل، أو نظريات المؤامرة.

ولا شك أن إجراء تحقيق مستقل وموثوق، تتبعه إجراءات تصحيحية واضحة وملموسة، سيمنح الإمارات أفضل قدرة على إدارة تداعيات الحادث، بدلًا من السماح للحادث وروايات الآخرين بشأنه بتحديد مسار الموقف.

دكتور سيد غنيم

شارك

administrator

استشاري الأمن الدوَلي والدفاع، رئيس معهد شؤون الأمن العالمي والدفاع، الإمارات العربية المتحدة، وأستاذ زائر في العلاقات الدولية والأمن الدولي في أوروبا وشرق آسيا، (مصري)