أولًا: الإطار العام وتطور الموقف

تضع الهجمات الحوثية على السعودية، والتهديدات المتزايدة للملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، مصر أمام اختبار يتعلق بالتزاماتها تجاه حليف إقليمي رئيسي، وحماية مصالحها الوطنية، وحدود المشاركة العسكرية خارج أراضيها. وقد اكتسب هذا الاختبار أهمية إضافية بعد إعلان الرئيس عبد الفتاح السيسي، في 17 أكتوبر 2026، استعداد مصر للدفاع عن السعودية على طلب الرياض، مع الالتزام بالإجراءات الدستورية اللازمة.

ووفق التقارير المتداولة في 19 أكتوبر، تأجل التصويت البرلماني بشأن تفويض المشاركة العسكرية إلى 26 أكتوبر، بما يعني أن الاستعداد السياسي المصري قائم، بينما يظل التنفيذ مرتبطًا باستكمال الإجراءات الدستورية، وطبيعة المطلب السعودي، واتفاق الطرفين على طبيعة المهمة.

وتتزامن هذه التطورات مع استمرار قدرة الحوثيين على تنفيذ هجمات مؤثرة، ومنها الهجوم المبلغ عنه على معسكر للقوات الحكومية اليمنية بمحافظة شبوة في 19 أكتوبر، والذي أشارت تقارير أولية إلى سقوط عشرات القتلى والمصابين فيه، مع بقاء بعض تفاصيله محل روايات متعارضة.

وأرى أن تقييم المشاركة المصرية يتطلب التمييز بين حماية الأراضي السعودية ومنشآتها الحيوية، وحسم الحرب ضد الحوثيين داخل اليمن. فلكل هدف متطلباته العسكرية وتكاليفه ومعايير نجاحه، كما ينبغي مقارنة تكلفة المشاركة ومخاطرها بتكلفة الامتناع عنها وانعكاساتها على المصالح المصرية، خصوصًا أمن البحر الأحمر وقناة السويس.

ثانيًا: الموقف المصري وحدود المشاركة العسكرية

يمثل الاستعداد المصري للدفاع عن السعودية رسالة طمأنة للمملكة وردعًا للحوثيين، ويؤكد أهمية أمن السعودية في الحسابات المصرية. غير أن هذا الاستعداد لا يعني تلقائيًا الانخراط في عمليات هجومية داخل اليمن. فقد تشمل المشاركة مهام الدفاع الجوي والصاروخي، ومكافحة المسيرات، والإنذار المبكر والاستطلاع، والتأمين البحري. وقد تتضمن اشتباكات قتالية مباشرة مع وسائل الهجوم الحوثية، دون أن تستلزم تنفيذ عمليات هجومية أو برية داخل اليمن.

وتنظم المادة 152 من الدستور المصري إرسال القوات المسلحة في مهمة قتالية خارج حدود الدولة، بما يشمل أخذ رأي مجلس الدفاع الوطني وموافقة مجلس النواب بأغلبية ثلثي أعضائه. ويظل تحديد حجم القوات ومناطق انتشارها ومهامها وقواعد اشتباكها خاضعًا لترتيبات تنفيذية مستقلة. كما أن المشاركة المصرية المحتملة لا تستلزم الانضمام إلى اتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان. ويمكن تقديم الدعم عبر ترتيبات ثنائية مع الرياض، مع التنسيق العملياتي مع القوات الحليفة الموجودة في مسرح العمليات، والمحافظة على استقلال القرار العسكري المصري.

ثالثًا: اتفاق مكة وحسابات الأطراف الإقليمية

يمثل اتفاق مكة، المعلن في أغسطس 2026، إطارًا للتعاون الدفاعي بين السعودية وتركيا وباكستان، دون تحديد عدو مشترك بعينه. وتسعى السعودية من خلاله إلى تعزيز أمنها وتقاسم الأعباء الدفاعية، بينما تهتم تركيا بتوسيع دورها الإقليمي، وتوازن باكستان بين علاقاتها الدفاعية مع المملكة وأولوياتها الأمنية والاقتصادية.

وتتوقف فاعلية الاتفاق على الانتقال من الالتزامات السياسية إلى التنسيق العسكري الفعلي، بما يشمل القيادة والسيطرة، وتبادل المعلومات، وتوزيع المهام، والاستدامة اللوجستية. ولا يعني وجود ترتيبات ثنائية بين أعضائه اكتمال تشغيل الاتفاق باعتباره قيادة عسكرية موحدة.

وفي المقابل، تسعى إيران إلى تقليص عزلتها ومنع تشكل ترتيبات أمنية إقليمية موجهة ضدها. وقد رحب الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان باتفاق مكة في أغسطس، وأبدى في سبتمبر استعداد بلاده للمشاركة في هذا المسار، دون إعلان طلب عضوية رسمي أو قبول التزامات دفاعية محددة. وقد يمنح الدعم الإيراني للحوثيين طهران نفوذًا سياسيًا وعسكريًا مهمًا، لكنه لا يثبت سيطرتها على جميع قراراتهم. ويظل الاختبار الحقيقي لجدية الانفتاح الإيراني هو مدى استعداد طهران لاستخدام نفوذها لوقف الهجمات، ومدى استجابة الحوثيين بصورة يمكن التحقق منها.

رابعًا: الحوثيون: أهداف التصعيد وقدرات الاستنزاف

أرى أن الهدف السياسي الأشمل للحوثيين يتمثل في تثبيت سلطتهم داخل اليمن وتعزيز فرص الاعتراف بها، بينما تمثل الهجمات العسكرية والاستنزاف الاقتصادي والتهديد البحري أدوات لزيادة نفوذهم وتحسين شروط التفاوض. ويتداخل ذلك مع أهدافهم الإقليمية وعلاقتهم بإيران، دون افتراض تطابق كامل بين مصالح الطرفين. وتظل قدرة الحوثيين على استمرار الهجمات عامل ضغط مؤثر، لكنها لا تضمن تحقيق الاعتراف الدولي أو انتزاع التنازلات المطلوبة، كما أن استمرار الاستنزاف قد يدفع خصومهم إلى توسيع العمليات العسكرية ضدهم، بما يرفع تكلفة التصعيد على الجماعة نفسها.

وفي ضوء تطورات الصراع اليمني، والهجمات على السعودية والملاحة في البحر الأحمر، أرى أن الحوثيين يسعون إلى تحقيق ثمانية أهداف رئيسية مترابطة، تتداخل فيها الحسابات العسكرية والسياسية والاقتصادية والإقليمية:

  1. إثبات القدرة، وذلك باستمرار القدرة على تنفيذ الهجمات بالصواريخ والمسيرات والوسائل البحرية، رغم الضربات الأمريكية والبريطانية والإسرائيلية والسعودية، وإثبات القدرة على تعويض بعض الخسائر وتجديد وسائل الهجوم، بما يمكّنها من المحافظة على المبادأة لحفظ صورة الجماعة قوة عسكرية يصعب تحييدها بصورة مستدامة.
  2. انتزاع الاعتراف السياسي وتعزيز شرعية السلطة، وذلك بتوظيف النفوذ الميداني والقدرة على التأثير في الأمن الإقليمي لفرض التعامل مع الحوثيين باعتبارهم طرفًا رئيسيًا في تحديد مستقبل اليمن، والسعي تدريجيًا إلى تكريس سلطتهم كأمر واقع، ثم الحصول على اعتراف عربي وإسلامي ودولي أوسع باعتبارهم السلطة الممثلة للدولة اليمنية. ويظل الاعتراف الرسمي هدفًا سياسيًا غير مضمون، حتى مع اتساع الاتصالات والمفاوضات المباشرة معهم.
  3. الضغط على السعودية لانتزاع تنازلات سياسية واقتصادية، وذلك برفع تكلفة استمرار المواجهة وتهديد المنشآت الحيوية والمطارات وقطاع الطاقة والاستثمار، لدفع الرياض إلى قبول ترتيبات أكثر ملاءمة للحوثيين، تشمل وقف العمليات العسكرية، وتخفيف القيود على الموانئ والمطارات، وتسوية مطالب الرواتب والموارد والإيرادات، وتحسين شروط الاتفاق السياسي والأمني المحتمل.
  4. تعزيز السيطرة الداخلية وإضعاف الخصوم اليمنيين، وذلك بالمحافظة على تماسك الجماعة وتعبئة أنصارها وترسيخ سلطتها في المناطق الخاضعة لها، مع استنزاف القوات الحكومية اليمنية وإضعاف قدرتها على استعادة المبادأة. ويهدف ذلك إلى تحسين الموقف الميداني والتفاوضي للحوثيين، وإعاقة بناء سلطة يمنية منافسة قادرة على تهديد سيطرتهم.
  5. استنزاف الدفاعات ورفع التكلفة العسكرية والاقتصادية على الخصوم، وذلك بتوظيف الهجمات المتكررة، وبعضها منخفض التكلفة نسبيًا، لإجبار السعودية وشركائها على استهلاك الذخائر الاعتراضية وتخصيص موارد إضافية للحماية والجاهزية. ويشمل الضغط إرباك الأنشطة الاقتصادية ورفع تكاليف التأمين والتشغيل وإضعاف الثقة في استقرار البيئة الاستثمارية، مع إدراك أن نجاح بعض الهجمات قد يحقق تأثيرًا اقتصاديًا يتجاوز أثرها العسكري المباشر.
  6. توظيف البحر الأحمر وباب المندب كورقة ضغط دولية، وذلك باستثمار القدرة على تهديد الملاحة والتجارة وإمدادات الطاقة لزيادة أهمية الحوثيين في الحسابات الأمنية للدول الإقليمية والقوى الكبرى، ورفع تكلفة تجاهل مطالبهم. كما يمنحهم ذلك وسيلة للتأثير غير المباشر في مصالح الدول المعتمدة على الممر البحري، بما فيها مصر، من خلال اضطراب حركة السفن عبر قناة السويس.
  7. تعزيز الدور الإقليمي ضمن المواجهة الأوسع مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وذلك بتوظيف الارتباط بالقضية الفلسطينية والخطاب المناهض لإسرائيل والولايات المتحدة لتعزيز الحضور السياسي والإعلامي، وإظهار الحوثيين قوة قادرة على التأثير خارج اليمن. وتتقاطع هذه التحركات مع مصالح إيران في الضغط على خصومها الإقليميين وواشنطن، مع احتفاظ الحوثيين بأهداف يمنية خاصة ودرجة من الاستقلال في قراراتهم.
  8. تحسين شروط التفاوض ومنع فرض تسوية غير مواتية، وذلك باستخدام التصعيد لإعادة تشكيل حسابات السعودية والحكومة اليمنية والوسطاء الدوليين، ومنع استبعاد الحوثيين من ترتيبات مستقبل اليمن أو فرض تنازلات عليهم دون مقابل. ويشمل ذلك محاولة الحصول على مكاسب سياسية واقتصادية وأمنية قبل أي اتفاق إقليمي أوسع قد يقلص أوراق الضغط التي يمتلكونها، خصوصًا في ظل احتمال تغير حسابات إيران وعلاقاتها بالولايات المتحدة ودول الخليج.

خامسًا: رسالة صنعاء إلى مصر واحتمالات التصعيد

تعكس الرسالة التي وجهها رئيس مجلس النواب في صنعاء، الخاضع لسلطة الحوثيين، إلى مجلس النواب المصري في 17 أكتوبر، محاولة لمنع اتساع الدعم العسكري للسعودية. فقد صورت المشاركة المصرية المحتملة باعتبارها دخولًا في الحرب على اليمن، وحذرت من تداعياتها على أمن مصر واستقرارها الداخلي. وفي تقديري، تجمع الرسالة بين الضغط السياسي والردع المبطن، وتسعى إلى التأثير في الرأي العام المصري عبر توظيف الاعتبارات المرتبطة بالصراع اليمني والعلاقات مع إسرائيل. كما أن صدورها عن مؤسسة خاضعة لسيطرة الحوثيين لا يمنحها صفة تمثيل جميع الأطراف اليمنية.

وقد يؤدي استهداف القوات المصرية، إذا شاركت دفاعيًا، إلى رفع تكلفة التصعيد على الحوثيين واستدعاء إجراءات عسكرية إضافية ضدهم. غير أن ذلك يظل احتمالًا مشروطًا بطبيعة الهجوم وتقدير القاهرة للمصالح والمخاطر، ولا يضمن تراجع الحوثيين أو هزيمتهم.

سادسًا: التحديات العملياتية للمشاركة المصرية

أرى أن نجاح أي مشاركة مصرية يتوقف على معالجة ستة تحديات رئيسية:

  1. اتساع مسرح العمليات: يصعب توفير دفاع شامل عن جميع الأراضي والمنشآت السعودية، مما يتطلب تحديد الأهداف الحيوية ذات الأولوية، وإعداد شبكة إنذار وتصدٍّ متكاملة تعتمد أساسًا على القدرات السعودية، وتعززها قدرات الحلفاء وفق الاحتياجات الفعلية.
  2. تكامل القيادة والسيطرة: يتطلب التنسيق بين الرادارات وطائرات الإنذار المبكر ووحدات الدفاع الجوي السعودية والحليفة ربطًا فعالًا للمعلومات وتوزيعًا واضحًا للمهام وقواعد الاشتباك، خصوصًا مع اختلاف مصادر التسليح والتكنولوجيا.
  3. الاستدامة القتالية واللوجستية: تستلزم مواجهة الهجمات المتكررة توفير مخزونات كافية من الذخائر والصواريخ الاعتراضية وقطع الغيار، وآليات لاستعواض المستهلك والمحافظة على الجاهزية الفنية والبشرية طوال مدة المهمة.
  4. التأمين البحري: يمكن للقطع البحرية المصرية تعزيز حماية الموانئ السعودية والملاحة، شريطة ملاءمة قدراتها للتهديدات الصاروخية والمسيرات والزوارق غير المأهولة والألغام، وتكاملها مع الدفاعات الساحلية والجوية.
  5. المحافظة على الدفاع عن مصر: قد يؤثر نقل وحدات نوعية، خصوصًا منظومات الإنذار المبكر والدفاع الصاروخي والقطع البحرية الحديثة، في توزيع القدرات الدفاعية المصرية، مما يفرض تحديد حجم المشاركة ومدتها والاحتياطيات اللازمة للمهام الأصلية.
  6. حدود المهمة واحتمالات التصعيد: يجب تحديد القيادة المسؤولة وصلاحيات استخدام القوة وقواعد الاشتباك وإجراءات التعامل مع استهداف القوات المصرية، مع اشتراط قرار مستقل لأي انتقال إلى عمليات هجومية داخل اليمن.

ومن ثم، يتمثل التحدي العملياتي الأكبر في تحقيق التوازن بين فاعلية الدفاع عن الأهداف السعودية ذات الأولوية، واستدامة القوات المصرية دون إضعاف الدفاع عن البلاد، ومنع تحول المهمة إلى حرب استنزاف مفتوحة.

الموقف الأمريكي وحسابات الاستنزاف

تملك الولايات المتحدة قدرات متقدمة في الاستطلاع والإنذار المبكر والدفاع الجوي والصاروخي والعمليات الهجومية، لكنها توازن بين دعم السعودية وحماية مصالحها المباشرة وتكلفة العمليات ومخاطر التصعيد مع إيران. وقد أظهرت الحملات الأمريكية السابقة ضد الحوثيين إمكانية تدمير أهداف وتقليل وتيرة الهجمات، مع استمرار صعوبة القضاء بصورة مستدامة على قدرات الجماعة، خصوصًا مع امتلاكها وسائل إطلاق متحركة ومخزونات موزعة وشبكات إمداد قابلة لإعادة التنظيم.

وأرجح استمرار واشنطن في تعزيز الدعم الدفاعي للسعودية، مع الاحتفاظ بخيار الضربات الهجومية المحدودة إذا تعرضت القوات أو المصالح الأمريكية أو المنشآت السعودية الحيوية أو الملاحة في باب المندب لتهديدات كبيرة. أما الحملة الهجومية الواسعة والمستمرة داخل اليمن فتظل أقل احتمالًا بسبب تكلفتها ومحدودية ضمانات نجاحها.

ويفرض ذلك على مصر عدم افتراض مشاركة هجومية أمريكية واسعة، وضرورة الاتفاق مسبقًا على مستويات الدعم الاستخباراتي والفني واللوجستي المتاحة لقواتها.

سابعًا: حسابات المشاركة العسكرية المصرية: الأهداف والحدود والتكلفة

يثير احتمال مشاركة مصر عسكريًا في الدفاع عن السعودية تساؤلات بشأن طبيعة المهمة وحدودها، والقدرة على مواجهة الهجمات الحوثية، ومخاطر التصعيد والاستنزاف. وأرى أن تقييم القرار يتطلب التمييز بين حماية الأراضي والمنشآت السعودية وحسم الحرب داخل اليمن، مع تحديد الأهداف العسكرية والقدرات المطلوبة، ومقارنة تكلفة المشاركة بتكلفة الامتناع عنها.

طبيعة المشاركة وحدودها

تختلف مهام الدفاع الجوي والصاروخي ومكافحة المسيرات والإنذار المبكر والتأمين البحري عن العمليات الهجومية الهادفة إلى حسم الحرب داخل اليمن. وقد تتضمن المشاركة الدفاعية اشتباكات قتالية مباشرة مع وسائل الهجوم الحوثية، دون أن تستلزم تنفيذ عمليات هجومية أو برية داخل اليمن. كما يمكن تنفيذ المشاركة في إطار ترتيبات دفاعية ثنائية مع السعودية، دون الانضمام إلى اتفاق مكة. ولا يعني مجرد وجود قوات مصرية على أراضي دولة حليفة دخولها تلقائيًا في جميع مواجهاتها، إذ تتحدد طبيعة المشاركة وفق المهام الفعلية وأوامر العمليات وقواعد الاشتباك، وما قد يترتب عليها من آثار عسكرية وقانونية.

فاعلية الدفاع وحدود مواجهة الحوثيين

أثبتت سنوات الحرب صعوبة تحقيق الحسم العسكري ضد الحوثيين، مع استمرار إمكانية تقليل تأثير هجماتهم على السعودية. ويُقاس نجاح المهمة الدفاعية بمستوى حماية الأهداف الحيوية وخفض الخسائر والمحافظة على الجاهزية واستمرارية الأنشطة، حتى مع استمرار بعض الهجمات. كما أن نجاح الاعتراض لا يعني القضاء على القدرات الهجومية الحوثية أو منع تجديدها.

وفي المقابل، فإن قدرة الحوثيين على الاستنزاف لا تمنع ارتفاع تكلفة التصعيد عليهم. فإذا استهدفوا القوات المصرية بسبب مشاركتها الدفاعية، فقد يستدعي ذلك ردًا عسكريًا إضافيًا. ويظل هذا الاحتمال مرتبطًا بطبيعة الاعتداء وحسابات الأطراف، دون افتراض أن المشاركة المصرية ستؤدي إلى هزيمة الحوثيين أو ضمان تراجعهم.

تكلفة المشاركة وتكلفة الامتناع

تشمل تكلفة المشاركة نقل القوات وتشغيلها وتأمينها، واستهلاك الذخائر وقطع الغيار، واحتمالات الخسائر، وتأثير الانتشار الخارجي في الجاهزية الدفاعية داخل مصر. وتتزايد هذه الأعباء إذا امتدت المهمة أو استخدم الحوثيون هجمات متكررة منخفضة التكلفة نسبيًا لاستنزاف الدفاعات.

وفي المقابل، قد تترتب على الامتناع عن المشاركة تكاليف سياسية تتعلق بالعلاقات المصرية السعودية ومصداقية الالتزامات المتبادلة، فضلًا عن استمرار المخاطر التي تهدد المصالح المصرية، خصوصًا أمن البحر الأحمر والملاحة عبر قناة السويس.

ومع ذلك، فإن المشاركة في الدفاع عن السعودية لا تضمن وحدها إنهاء التهديدات البحرية أو استعادة انتظام الملاحة عبر باب المندب، وهو ما يتطلب ترتيبات أمنية مستقلة. ولذلك ينبغي مقارنة تكلفة المشاركة ومخاطر التصعيد والاستنزاف بتكلفة الامتناع عنها، مع مراعاة احتمالات النجاح والنتائج المتوقعة لكل بديل.

الشكل الأرجح للمشاركة المصرية وشروط نجاحها

أرجح، مع طلب السعودية الدعم وموافقة القيادة السياسية المصرية بعد استكمال الإجراءات الدستورية، أن تقتصر المشاركة الأولية على قدرات نوعية في الدفاع الجوي والصاروخي ومكافحة المسيرات والاستطلاع والإنذار المبكر، وربما التأمين البحري، دون البدء بنشر تشكيلات برية كبيرة للقتال داخل اليمن. ويتوقف نجاح هذه المشاركة على وضوح المهمة وأهدافها، وتكامل القيادة والسيطرة مع القوات السعودية والحليفة، وتأمين الإمداد واستعواض الذخائر، والاتفاق على التمويل ومدة الانتشار وقواعد الاشتباك وضوابط التصعيد، مع المحافظة على جاهزية القوات المسلحة المصرية لمهامها الأصلية.

المعايير الحاكمة للقرار المصري

أرى أن المشاركة الدفاعية النوعية المحدودة، إذا ثبتت الحاجة إليها، قد تحقق توازنًا مناسبًا بين دعم السعودية وحماية المصالح المصرية وتجنب الاستنزاف. ويظل القرار مرهونًا بتحديد الهدف العسكري، وملاءمة القوات والوسائل لتحقيقه، والتكلفة المقبولة، وحدود المخاطر، والنتائج العسكرية والسياسية المتوقعة.

وتتمثل الأولوية في تحقيق دفاع فعال عن الأهداف السعودية المحددة، مع المحافظة على استقلال القرار المصري، وإخضاع أي توسيع للمهمة لتقييم وقرار مستقلين، ووضع معايير دورية لقياس النتائج وتحديد استمرار المشاركة أو تعديلها أو إنهائها.

وأتوقع أن تكون هذه الاعتبارات، وفي مقدمتها حساب تكلفة المشاركة وتكلفة الامتناع عنها، محل دراسة دقيقة لدى الجهات المصرية المختصة.

ثامنًا: الاستنتاجات

  1. يمثل الاستعداد المصري للدفاع عن السعودية رسالة سياسية وعسكرية، بينما يظل التنفيذ مشروطًا باستكمال الإجراءات الدستورية وتحديد مهمة واضحة. ويمكن تنفيذ المشاركة عبر ترتيبات ثنائية دون الانضمام إلى اتفاق مكة.
  2. تستطيع المشاركة الدفاعية المصرية المحدودة تعزيز حماية أهداف سعودية حيوية، لكنها لن تضمن وقف الهجمات الحوثية أو حسم الحرب داخل اليمن. وتتحدد فاعليتها بتكامل القدرات واستدامتها ووضوح معايير النجاح.
  3. تمنح قدرة الحوثيين على تجديد بعض وسائل الهجوم ومواصلة الاستنزاف الجماعة قدرة على فرض تكاليف مستمرة، لكنها لا تمنحها حصانة من ارتفاع تكلفة التصعيد، خصوصًا إذا استهدفت قوات دول إضافية.
  4. يسعى الحوثيون إلى توظيف الهجمات والضغوط السياسية لتعزيز نفوذهم وانتزاع اعتراف أوسع بسلطتهم. وتندرج رسالتهم إلى مصر ضمن محاولة منع اتساع الدعم العسكري للسعودية ورفع تكلفته السياسية.
  5. تمتلك إيران نفوذًا مهمًا لدى الحوثيين، ويشكل انفتاحها المعلن على اتفاق مكة فرصة لاختبار استعدادها للمساهمة في التهدئة. ويظل وقف الهجمات بصورة قابلة للتحقق المعيار الأهم لجدية هذا المسار.
  6. يرجح استمرار الدعم الدفاعي الأمريكي للسعودية مع احتمال تنفيذ ضربات هجومية محدودة، بينما تظل الحملة الواسعة داخل اليمن أقل احتمالًا. ومن ثم، يجب ألا تعتمد مصر في تخطيط مشاركتها على افتراض تدخل أمريكي هجومي شامل.
  7. تتمثل المصلحة المصرية في حماية أمن السعودية والبحر الأحمر وقناة السويس، مع المحافظة على الجاهزية الدفاعية الوطنية وتجنب الاستنزاف. ويقتضي ذلك مقارنة تكلفة المشاركة بتكلفة الامتناع عنها وفق أهداف محددة ومخاطر مقبولة.

تاسعًا: الآفاق المستقبلية

  1. أتوقع استمرار السعودية في تعزيز دفاعاتها وتوسيع التعاون مع شركائها، بالتوازي مع اختبار فرص التهدئة، مع بقاء التسوية الشاملة للصراع اليمني أكثر تعقيدًا من التوصل إلى ترتيبات لوقف الهجمات على المملكة.
  2. إذا استُكملت الإجراءات الدستورية، فأرجح مشاركة نوعية محدودة في الدفاع الجوي والصاروخي ومكافحة المسيرات والإنذار المبكر والتأمين البحري، مع استبعاد البدء بتشكيلات برية كبيرة للقتال داخل اليمن.
  3. سيواصل الحوثيون على الأرجح الضغط العسكري والإعلامي على السعودية والدول المساندة لها، مع احتمال تكثيف الهجمات لاستنزاف الدفاعات. أما استهداف القوات المصرية فقد يرفع تكلفة المواجهة عليهم ويدفع القاهرة إلى إعادة تقييم حدود مشاركتها.
  4. ستظل فاعلية اتفاق مكة مرتبطة بمدى قدرة السعودية وتركيا وباكستان على تحويل التفاهمات السياسية إلى تنسيق عسكري عملي. وقد تتعاون مصر مع دول الاتفاق دون الانضمام إليه.
  5. قد تحاول إيران توظيف نفوذها لدى الحوثيين لتحقيق تهدئة تعزز موقعها التفاوضي. وفي المقابل، قد يؤدي استمرار الهجمات وإيقاع خسائر كبيرة إلى توسيع العمليات الهجومية ضد الحوثيين، مع زيادة مخاطر التصعيد والاستنزاف.

عاشرًا: توصيات استراتيجية لمصر

  1. تحديد المهمة وحدودها، حيث تتولى رئاسة الجمهورية ووزارة الدفاع، بالتنسيق مع السعودية، الاتفاق على الأهداف المطلوب حمايتها، ونوع القوات ومناطق عملها، والمدة الأولية وقواعد الاشتباك وشروط إنهاء المهمة، لضمان ارتباط المشاركة بأهداف دفاعية محددة وقابلة للتحقيق.
  2. إعطاء الأولوية للمشاركة النوعية، حيث تتولى القيادة العامة للقوات المسلحة تقييم الاحتياجات السعودية، واختيار القدرات المصرية المناسبة لسد الثغرات في الإنذار المبكر والدفاع الجوي والصاروخي ومكافحة المسيرات والتأمين البحري، لتحقيق أكبر فاعلية بأقل حجم ممكن من القوات والموارد.
  3. ضمان التكامل العملياتي، بأن تتفق القيادات العسكرية المصرية والسعودية على ترتيبات القيادة والسيطرة وتبادل المعلومات وتنسيق الاشتباكات، مع اختبار توافق المنظومات قبل التشغيل، لضمان سرعة الاستجابة وتدقيق التنسيق.
  4. تأمين الاستدامة والمحافظة على الجاهزية المصرية، بأن تتفق وزارتا الدفاع في البلدين على التمويل والإمداد واستعواض الذخائر والصيانة والدعم الفني، مع تحديد حدود الانتشار الخارجي والاحتياطيات اللازمة للدفاع عن مصر، لمنع الاستنزاف والمحافظة على القدرة الدفاعية الوطنية.
  5. ضبط التصعيد واستقلال القرار، بأن يحدد مجلس الدفاع الوطني والقيادة العامة للقوات المسلحة إجراءات التعامل مع استهداف القوات المصرية، ويشترط تقييمًا وقرارًا مستقلين قبل أي انتقال إلى عمليات هجومية داخل اليمن، لمنع التوسع غير المحسوب في المهمة.
  6. الفصل بين دعم السعودية واتفاق مكة، بأن تعطي رئاسة الجمهورية ووزارتا الخارجية والدفاع الأولوية للتعاون الثنائي مع السعودية، مع التنسيق الضروري مع الدول الحليفة، وإخضاع أي بحث بشأن عضوية اتفاق مكة لتقييم مستقل، للمحافظة على مرونة السياسة الخارجية المصرية.
  7. ضمان أمن وحماية البحر الأحمر وقناة السويس، بأن تعزز القوات المسلحة ووزارة الخارجية وهيئة قناة السويس التنسيق الأمني والبحري والإنذار المبكر، وتعد خططًا للتعامل مع اضطراب الملاحة والتأمين والشحن، لحماية المصالح المصرية المباشرة.
  8. دعم التهدئة والتسوية السياسية، بأن تنسق وزارة الخارجية مع السعودية وعُمان والأطراف المعنية لدعم ترتيبات قابلة للتحقق لوقف الهجمات، واختبار جدية الدور الإيراني، وتشجيع التسوية اليمنية، لتقليل احتمالات استمرار المواجهة.
  9. التقييم الدوري للمشاركة، بأن تعتمد القيادة العامة آلية منتظمة لقياس حماية الأهداف والجاهزية والخسائر واستهلاك الذخائر والتكلفة الاقتصادية، وتقدم نتائجها للقيادة السياسية، لاتخاذ قرارات الاستمرار أو التعديل أو إنهاء المهمة.

معهد شؤون الأمن العالمي والدفاع:

  • فريق خبراء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
  • القسم العسكري

لواء دكتور سيد غنيم

زميل الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية

رئيس معهد شؤون الأمن العالمي والدفاع

قائمة المصادر

مصادر علنية باللغة العربية

  1. وكالة الأنباء السعودية (واس)، البيان المشترك لقمة مكة المكرمة للدفاع المشترك بين المملكة وتركيا وباكستان، 7 أغسطس 2026.
  2. وكالة الأنباء السعودية (واس)، الرئيس الأمريكي يرحب بتوقيع اتفاقية مكة للدفاع المشترك بين المملكة وتركيا وباكستان، 17 أغسطس 2026.
  3. الجزيرة نت، اتفاق مكة للدفاع المشترك.. أمانة عامة بالرياض وأمين عام باكستاني لمدة 3 أعوام، 31 أغسطس 2026.
  4. وكالة تسنيم الدولية للأنباء، بزشكيان خلال لقاء رئيس الوزراء الباكستاني: اتحاد الدول الإسلامية سيحول دون تمادي الكيان الصهيوني، 31 أغسطس 2026.
  5. الجزيرة نت، بزشكيان: مستعدون لحل أزمة اليمن والسعودية يمكن أن تكون محور وحدة المسلمين، 26 سبتمبر 2026.
  6. يورونيوز عربية، اتفاق سعودي تركي باكستاني على إنشاء أمانة عامة خلال أول اجتماع دفاعي في إطار اتفاق مكة، 31 أغسطس 2026.
  7. وكالة سبأ للأنباء – صنعاء، رئيس مجلس النواب يوجه رسالة لنظيره المصري بشأن الأنباء عن عقد جلسة طارئة لمجلس النواب المصري، 17 أكتوبر 2026.
  8. الجزيرة نت، أحمد درويش، اتفاقية مكة.. ملامح تحالف أمني جديد في المنطقة، 17 أغسطس 2026.

مصادر علنية باللغة الإنجليزية

  1. Reuters. (17 October 2026). “Egypt’s Sisi Seeks Parliament’s Backing to Help Defend Saudi Arabia if Asked.”
  2. The National. Hamza Hendawi. (17 October 2026). “El Sisi Seeks Parliamentary Approval to Defend Saudi Arabia if Asked.”
  3. Associated Press. (17 October 2026). “Houthi Strikes on Saudi Arabia Show the Yemeni Rebels’ Growing Strength.”
  4. Associated Press. (13 October 2026). “Why Saudi Arabia Has Struggled to Defend Itself Against the Houthis’ Recent Attacks.”
  5. Associated Press. (12 October 2026). “Saudis Probe How Defense Systems Failed to Stop Deadly Houthi Attack on Riyadh Airport.”
  6. Al Jazeera English. (26 September 2026). “Pezeshkian Says Iran ‘No Longer Trusts Talks with Washington’.”
  7. Financial Times. (16 October 2026). “What Do the Houthis Want?”
  8. The Guardian. (12 October 2026). “Why Are the Houthis Attacking Saudi Airports and How Are the Missiles Getting Through?”
  9. United Nations Security Council. (2025). Final Report of the Panel of Experts on Yemen, S/2025/650.
  10. United Nations Security Council. (2024). Final Report of the Panel of Experts on Yemen, S/2024/731.

مصادر أخرى

  • مصادر خاصة دبلوماسية وعسكرية وإقليمية، أكتوبر 2026، غير منشورة.
شارك

administrator

استشاري الأمن الدوَلي والدفاع، رئيس معهد شؤون الأمن العالمي والدفاع، الإمارات العربية المتحدة، وأستاذ زائر في العلاقات الدولية والأمن الدولي في أوروبا وشرق آسيا، (مصري)