من زاوية أخرى.. دول مختلفة ومصالح متقاطعة
تحديث: الثلاثاء 20 أكتوبر 2026
تفرض الهجمات الحوثية المتصاعدة ضد السعودية إعادة تقييم الترتيبات الدفاعية الإقليمية والدولية، في ضوء استمرار الشراكة العسكرية مع الولايات المتحدة، وتعدد المساهمات الأوروبية، والخطوات التنفيذية لاتفاق مكة بين السعودية وتركيا وباكستان، والاستعداد المصري لتوسيع المشاركة العسكرية في حماية المملكة، فضلًا عن التقارير المتعلقة بمساعدة استخباراتية إسرائيلية.
وتكشف هذه التطورات عن اتجاه سعودي نحو بناء شبكة دفاعية متعددة الجنسيات، تتفاوت فيها طبيعة المساهمات وحدود الالتزامات، دون أن ترتقي بالضرورة إلى تحالف عسكري تحت قيادة عمليات موحدة ومعلنة.
ومن وجهة نظري، تكمن أهمية هذا التحول في القيمة العسكرية المضافة لكل دولة، ومدى تكامل القدرات وتوافق المصالح، بجانب عدد الدول المشاركة. كما يتطلب التقييم الفصل بين حماية الأراضي السعودية وحسم الحرب داخل اليمن، وبين الالتزامات السياسية وتنفيذها العملياتي، وبين تبادل المعلومات الاستخباراتية والمشاركة القتالية المباشرة.
أولًا: تطورات الموقف
الهجمات الحوثية والرد السعودي
استمرت الهجمات الحوثية بالصواريخ والمسيرات ضد المدن والمطارات والمنشآت الحيوية السعودية، وتقارير عن خسائر بشرية واضطرابات في حركة الطيران، بما يوضح امتداد التهديد إلى الاقتصاد والحياة المدنية. وتواصل السعودية عمليات الدفاع الجوي والصاروخي، بالتوازي مع دعم القوات الحكومية اليمنية، خصوصًا على الساحل الغربي وباب المندب.
وفي 19 أكتوبر، استهدف الحوثيون معسكرًا لتدريب القوات الحكومية اليمنية في محافظة شبوة بثلاثة صواريخ باليستية، وفقًا لمصادر محلية، مما أسفر عن مقتل 53 شخصًا وإصابة نحو 200. وأعلن الحوثيون مسؤوليتهم، مدّعين أن المعسكر كان يُدار بواسطة قوات سعودية، دون تأكيد مستقل لهذا الادعاء. ويكشف الهجوم عن استمرار قدرة الحوثيين على تنفيذ ضربات مؤثرة ضد القوات المناهضة لهم، بما قد يعقّد العمليات الحكومية الرامية إلى استعادة المناطق الخاضعة لسيطرتهم.
اتفاق مكة
شهد اجتماع 5 أكتوبر بين السعودية وتركيا وباكستان خطوات معلنة للانتقال إلى تنفيذ الالتزامات الدفاعية وتوفير القوات والقدرات المتفق عليها، دون إعلان اكتمال الانتشار أو إنشاء قيادة عمليات مشتركة. ويظل الوجود العسكري الباكستاني السابق للاتفاق مختلفًا عن أي مهام أو قدرات جديدة تنشأ بموجبه، كما لا يعني التعاون الدفاعي التركي بالضرورة نشر قوات قتالية داخل السعودية.
الموقف المصري
شاركت مصر في التحالف الذي قادته السعودية منذ عام 2015، بمساهمات بحرية وجوية، خصوصًا في تأمين الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب، دون تدخل بري واسع داخل اليمن.
وفي أكتوبر 2026، أعلنت استعدادها لاتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية السعودية، مع استكمال المتطلبات الدستورية. وأكد مجلس الدفاع الوطني المصري في 18 أكتوبر دعم المملكة، دون إعلان التشكيل النهائي أو مهام القوات المحتملة.
وفي 19 أكتوبر، أشارت تقارير إلى توقع إجراء تصويت برلماني خلال الأسبوع التالي بشأن تفويض القوات المسلحة المصرية بالمساهمة في الدفاع عن السعودية إذا طلبت المملكة ذلك. ويظل تحديد طبيعة المشاركة وحجم القوات ومهامها مرهونًا باستكمال الإجراءات الدستورية والقرارات التنفيذية.
كما عزز التنسيق السياسي بين مصر والسعودية وتركيا وباكستان، ضمن مجموعة R4، التضامن مع المملكة، دون أن يعني قيام تحالف عسكري رباعي.
الولايات المتحدة
تظل الشريك العسكري الرئيسي للسعودية في التسليح والاستخبارات والتدريب والدفاع الجوي والصاروخي، رغم عدم عضويتها الرسمية في التحالف السعودي ضد الحوثيين. وسبق أن نفذت عمليات عسكرية مستقلة ضد الحوثيين، بما في ذلك ضربات عام 2025. وتبقى احتمالات التدخل مجددًا مرتبطة بتطور التهديدات للمصالح الأمريكية والسعودية، دون اعتبار التصريحات السياسية قرارًا ببدء عمليات جديدة.
إسرائيل
تحدثت تقارير منذ سبتمبر، وأخرى في 18 أكتوبر، عن اتصالات سعودية إسرائيلية بوساطة أمريكية ومساعدة استخباراتية محتملة تتعلق بالإنذار المبكر والمعلومات عن الأهداف الحوثية. لكن لا تتوافر معلومات علنية كافية لإثبات حجم هذه المساعدة أو استخدامها العملياتي، أو نشر قوات ومنظومات دفاعية إسرائيلية داخل المملكة.
كما ربط ترامب في تصريحات 16 أكتوبر بين المساعدة الإسرائيلية وإمكان تقدم التطبيع، دون إعلان سعودي بتغيير الموقف السياسي أو قبول مشاركة قتالية إسرائيلية.
الترتيبات البحرية متعددة الجنسيات في البحر الأحمر
تتعدد الترتيبات العسكرية البحرية في البحر الأحمر وباب المندب وخليج عدن، وتشمل القوة البحرية المشتركة 153 (CTF-153)، وعملية حارس الازدهار (Prosperity Guardian)، وعملية أسبيدس الأوروبية (ASPIDES)، إلى جانب عملية بوسيدون آرتشر (Poseidon Archer) الأمريكية البريطانية التي تستهدف القدرات العسكرية الحوثية.
كما أُعلن عن ائتلاف بحري جديد بقيادة السعودية وبمشاركة 14 دولة، بهدف تعزيز أمن الممرات البحرية وحماية التجارة وإمدادات الطاقة، مع استمرار الحاجة إلى التحقق من اكتمال تشكيله وانتشاره وترتيبات قيادته.
وتختلف هذه الترتيبات في طبيعة المهام والقيادة وقواعد الاشتباك، مما يجعل التنسيق بينها عاملًا مهمًا لتحسين حماية الملاحة ومنع ازدواجية الجهود.
ثانيًا: تصنيف الدول وفق طبيعة المشاركة
دول شاركت سابقًا وتغيرت طبيعة مشاركتها
- مصر: شاركت منذ عام 2015 بقوات بحرية وجوية، وارتبط دورها بأمن البحر الأحمر وباب المندب. ويجري حاليًا بحث احتمال توسيع مشاركتها إلى مهام دفاعية جديدة لحماية السعودية.
- الإمارات: شاركت منذ عام 2015، ثم تغير حجم تدخلها المباشر، مع استمرار علاقاتها المؤثرة بالقوى اليمنية المحلية.
- البحرين: شاركت في عمليات التحالف، مع استمرار ارتباط دورها العسكري بالتعاون الدفاعي الخليجي وعلاقاتها الأمنية الوثيقة بالسعودية.
دول ذات مشاركة دفاعية مستمرة
- الولايات المتحدة: توفر القدرات الرئيسية في الاستخبارات والإنذار المبكر والدفاع الصاروخي والقيادة والسيطرة والتسليح.
- اليونان: تشارك منذ عام 2021 ببطارية باتريوت وأطقم تشغيلها، واستمرت مهمتها خلال الأزمة الحالية.
- باكستان: تحتفظ بتعاون عسكري ووجود عسكري سابق لاتفاق مكة، مع احتمال إضافة مهام وقدرات جديدة.
- بريطانيا: تواصل التعاون العسكري والتدريب والتسليح والدعم الدفاعي.
دول أعلنت أو بدأت تعزيز مساهماتها
- فرنسا: اتجهت إلى تعزيز الدعم الدفاعي بأفراد ومعدات وقدرات إضافية، مع ضرورة التمييز بين الإعلان واكتمال الانتشار العملياتي.
- تركيا: تتطور مساهمتها الدفاعية والفنية والاستخباراتية واللوجستية في إطار العلاقات الثنائية واتفاق مكة، دون تأكيد علني كافٍ لنشر قوات قتالية تركية داخل المملكة أو تنفيذ عمليات هجومية في اليمن.
دولة تشير التقارير إلى مساهمة استخباراتية محتملة لها
- إسرائيل: تتركز المساعدة المبلغ عنها في الإنذار والمراقبة والمعلومات المتعلقة بالقدرات الحوثية، دون دليل علني كافٍ على المشاركة القتالية المباشرة أو الاندماج في قيادة مشتركة.
ثالثًا: مواقف دول مجلس التعاون الخليجي
تتفق دول المجلس على أهمية أمن السعودية ورفض الهجمات الحوثية، لكنها تختلف في مصالحها داخل اليمن واستعدادها لتحمل أعباء عسكرية إضافية.
- السعودية: تسعى إلى حماية السكان والمنشآت والاقتصاد واستعادة الردع، مع دعم القوات الحكومية اليمنية والموازنة بين التصعيد والتهدئة.
- الإمارات: تدعم أمن المملكة، مع مراعاة مصالحها في اليمن والبحر الأحمر، وأرجح تفضيلها التعاون الدفاعي والاستخباراتي والبحري على العودة إلى تدخل بري واسع.
- البحرين: يُرجح استمرار دعمها السياسي والعسكري للسعودية ضمن قدراتها والترتيبات الخليجية القائمة.
- الكويت: تميل إلى التضامن الخليجي والمساهمات الدفاعية والمعلوماتية واللوجستية، مع تجنب العمليات الهجومية الواسعة.
- قطر: تجمع بين دعم أمن السعودية والمحافظة على دورها الدبلوماسي وجهود خفض التصعيد.
- عُمان: الأولوية لأمن حدودها مع اليمن والوساطة والتهدئة، ومن غير المرجح مشاركتها في عمليات هجومية ضد الحوثيين.
وأرى أن اختلاف هذه المواقف يسمح بتوزيع الأدوار بين الدفاع والدعم اللوجستي والوساطة، دون اشتراط مشاركة متماثلة من الدول.
رابعًا: تداخل المصالح والمفارقات الجيوسياسية
اليونان وتركيا
تشارك اليونان فعليًا في الدفاع الجوي عن السعودية، بينما تتطور المساهمة التركية في إطار مختلف، رغم خلافاتهما في بحر إيجة وشرق المتوسط. وتستفيد الرياض من علاقاتها بالطرفين دون تبني خلافاتهما، لكن ذلك لا يضمن التنسيق العسكري المباشر بينهما.
الولايات المتحدة وأوروبا
تتقاطع مصالحهما في حماية الطاقة والملاحة والاستقرار، مع اختلاف حسابات النفوذ والصناعات الدفاعية. وتظل المساهمات الأوروبية مكملة للقدرات الأمريكية، وليست بديلًا عنها.
تركيا وباكستان
تجمعهما عضوية اتفاق مكة، لكن تركيا تهتم بتوسيع نفوذها وصادراتها الدفاعية، بينما توازن باكستان بين التزاماتها تجاه السعودية وعلاقاتها مع إيران. وقد ينعكس ذلك على اختلاف استعداد البلدين لتولي مهام قتالية جديدة.
السعودية وإسرائيل
تتقاطع مصالحهما في الحد من التهديد الحوثي وحماية الملاحة، لكن ذلك لا يعني تطابق أهدافهما السياسية. وقد تسعى إسرائيل إلى توظيف التعاون الأمني لدفع التطبيع، بينما توازن السعودية بين الفائدة العسكرية والحساسية السياسية المرتبطة بالقضية الفلسطينية وعلاقاتها الإقليمية.
مصر والشركاء الآخرون
ترتبط مصالح مصر بأمن السعودية والبحر الأحمر وباب المندب وقناة السويس، دون أن يعني ذلك تطابق أهدافها العسكرية مع جميع الشركاء. ويمكنها تنفيذ مهام دفاعية ضمن ترتيبات ثنائية مستقلة، دون الانضمام إلى اتفاق مكة. كما أن احتمال وصول معلومات إسرائيلية عبر قنوات أمريكية لا يعني قيام قيادة مصرية إسرائيلية مشتركة.
خامسًا: التقييم الاستراتيجي
طبيعة النموذج الدفاعي السعودي
أرى أن السعودية تتجه نحو تنويع الشراكات وتقاسم الأعباء، مع استمرار الاعتماد على الولايات المتحدة في القدرات الرئيسية، خصوصًا الاستخبارات والإنذار المبكر والدفاع الصاروخي والقيادة والسيطرة. ويمنح هذا النموذج الرياض مرونة سياسية وعسكرية، لكنه يزيد تعقيد التنسيق بين قوات تختلف في مهامها ومنظوماتها وقواعد اشتباكها وحدود التزاماتها.
ومن ثم، فإن التحدي لا يتمثل في إنشاء تحالف موحد بالضرورة، وإنما في تحقيق التكامل العملياتي بين مساهمات وطنية مستقلة. ويمتد هذا التحدي إلى المجال البحري، حيث تتعدد القوات والعمليات الدولية والإقليمية في البحر الأحمر وباب المندب. وقد يعزز الائتلاف البحري السعودي الجديد دور المملكة في تنسيق أمن الملاحة، بشرط إضافة قدرات عملياتية فعلية وتحقيق التنسيق مع الترتيبات القائمة، دون ازدواجية في المهام أو تعارض في القيادة وقواعد الاشتباك.
اتفاق مكة واختبار القيمة المضافة
لا أرى أن توقيع الاتفاق أو استمرار الوجود العسكري الباكستاني السابق يكفيان لإثبات تفعيله عملياتيًا. والمعيار الحقيقي هو ما أضافه من قوات وقدرات ومهام جديدة، ومدى تطور التخطيط والتنسيق والقيادة والسيطرة.
وتشير تقارير إلى احتمال تطور المشاركة الباكستانية، بما في ذلك طائرات مقاتلة وعمليات جوية ضد أهداف حوثية، بينما تتركز المساهمة التركية المعلنة بدرجة أكبر في الدعم الدفاعي والفني والاستخباراتي واللوجستي. وتظل التفاصيل المتعلقة بالعمليات الجديدة بحاجة إلى تحقق مستقل.
وأرى أن تنفيذ إحدى الدول الأعضاء مهمة قتالية لا يعني تلقائيًا مشاركة بقية الأعضاء فيها، أو قيام قيادة عمليات مشتركة.
القيمة العسكرية للمشاركة المصرية
تمنح المشاركة المصرية السابقة منذ عام 2015 خبرة عملياتية وسياقًا استراتيجيًا مهمين، لكنهما لا يشكلان التزامًا تلقائيًا بمهمة جديدة. وأرجح، إذا تقررت المشاركة، أن تتركز مبدئيًا في الدفاع الجوي والصاروخي، ومواجهة المسيرات، والإنذار المبكر، والاستطلاع، والحرب الإلكترونية، وربما الدعم الجوي والبحري.
وتتوقف القيمة المضافة على نوعية القدرات المخصصة، ووضوح المهام، وقواعد الاشتباك، والقيادة والسيطرة، والاستدامة اللوجستية، ومدى استقلال القرار العسكري المصري.
وأرى ضرورة الفصل بين الدفاع عن الأراضي السعودية وبين العمليات الهجومية داخل اليمن، مع تحديد نطاق المشاركة وتكلفتها ومدتها وفق المصالح المصرية والإجراءات الدستورية.
احتمالات التدخل العسكري الأمريكي
- السيناريو الأول، توسيع المشاركة الدفاعية، وهو الأكثر احتمالًا: زيادة الدعم الاستخباراتي والإنذار المبكر والدفاع الجوي والصاروخي، وربما المشاركة المباشرة في اعتراض التهديدات الموجهة للسعودية.
- السيناريو الثاني، عمليات هجومية محدودة، وهو احتمال قائم: تنفيذ ضربات جوية أو بحرية أمريكية مستقلة ضد أهداف عسكرية حوثية، خصوصًا إذا تعرضت القوات أو المصالح الأمريكية لهجمات، أو تصاعد تهديد الملاحة والمنشآت الحيوية.
- السيناريو الثالث، حملة هجومية واسعة، وهو الأقل احتمالًا: انخراط القيادة المركزية الأمريكية في عمليات مستمرة بهدف إضعاف الحوثيين بصورة حاسمة وتغيير الموقف العسكري داخل اليمن.
وأرجح السيناريو الأول، مع احتمال الانتقال إلى الثاني إذا اتسع التهديد للمصالح الأمريكية. ولا تحتاج واشنطن إلى الانضمام رسميًا للتحالف السعودي لتنفيذ عمليات مستقلة، لكنها ستوازن بين استعادة الردع ومخاطر الاستنزاف والتصعيد مع إيران والاعتبارات الداخلية قبيل انتخابات التجديد النصفي.
الدور الإسرائيلي ومستقبل التطبيع
أرى أن الدور الإسرائيلي المحتمل ينقسم إلى ثلاثة مستويات:
- المساعدة الاستخباراتية: وتشمل الإنذار والمراقبة والمعلومات المتعلقة بالقدرات والأهداف الحوثية، وهي الأكثر قابلية للتحقق في المدى القريب.
- التعاون الدفاعي الفني: وقد يشمل تبادل الخبرات في مواجهة الصواريخ والمسيرات وتطوير الإنذار والتتبع، لكنه يتطلب ترتيبات سياسية وفنية وأمنية.
- المشاركة القتالية المباشرة: وتشمل نظريًا الاعتراض أو الضربات ضد أهداف حوثية، لكنها الأكثر حساسية سياسيًا، ولا تتوافر معلومات علنية كافية تثبت وجود ترتيبات سعودية إسرائيلية لتنفيذها.
ومن الناحية العملياتية، تختلف معلومات تحديد الأهداف عن بيانات التتبع اللازمة للاعتراض، كما أن المساعدة الاستخباراتية لا تعوض نقص الذخائر أو فجوات التغطية الدفاعية.
أما سياسيًا، فقد تسعى واشنطن وإسرائيل إلى استثمار التعاون الأمني لدفع التطبيع، لكن الرياض ليست مضطرة إلى تحويل المساعدة العسكرية إلى اعتراف دبلوماسي.
وتظل القضية الفلسطينية عاملًا رئيسيًا في الموقف السعودي، بينما قد يؤدي الإعلان عن مشاركة إسرائيلية مباشرة إلى زيادة الحساسية الإقليمية ومنح الحوثيين مادة دعائية.
ولذلك أميز بين تقاطع المصالح الأمنية، والتعاون العسكري العملياتي، والتطبيع الدبلوماسي، فالتقدم في أحدها لا يؤدي تلقائيًا إلى تحقق الآخرَين.
التكامل الدفاعي وأزمة الاستنزاف
تكشف الأزمة الحاجة إلى منظومة دفاع جوي وصاروخي متعددة الطبقات، تربط الإنذار المبكر والاستشعار والاعتراض والحرب الإلكترونية وإدارة الذخائر والاحتياطيات.
ولا يتحقق التكامل بمجرد إضافة منظومات باتريوت وثاد، بل يتطلب تنسيق قطاعات الدفاع الجوي وإجراءات الاشتباك وتبادل المعلومات في الوقت المناسب، مع تحديد سلطات القيادة والسيطرة والمحافظة على استقلال القرار الوطني.
وفي المقابل، يستطيع الحوثيون مواصلة الضغط العسكري والاقتصادي حتى دون تحقيق إصابات مؤثرة في كل هجوم، من خلال استنزاف الذخائر الاعتراضية وإجهاد المنظومات والأطقم وتعطيل حركة الطيران والمنشآت.
ولذلك، فإن ارتفاع معدلات الاعتراض لا يعني بالضرورة نجاح الردع الاستراتيجي. وتحتاج السعودية إلى الجمع بين الدفاع النشط والحماية السلبية للمنشآت وسرعة استعادة التشغيل وتقليل التكلفة الاقتصادية للهجمات.
وقد امتدت التداعيات الاقتصادية للتصعيد إلى الأنشطة الاستثمارية الكبرى، مع إعلان تأجيل مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار في الرياض يوم 19 أكتوبر، دون إعلان رسمي يربط التأجيل مباشرة بالهجمات الحوثية. ويعزز ذلك أهمية تقييم كفاءة الدفاعات السعودية وفق قدرتها على حماية استمرارية النشاط الاقتصادي، إلى جانب اعتراض التهديدات العسكرية.
الدفاع عن السعودية وحسم الحرب داخل اليمن
يمكن تعزيز حماية الأراضي والمنشآت السعودية عبر تطوير الدفاعات وتكامل القدرات، لكن تغيير الموقف العسكري داخل اليمن يتطلب شروطًا مختلفة.
وأرى أن حسم الحرب يحتاج إلى قوات يمنية قادرة على استعادة المبادأة العملياتية، وقيادة فعالة، وتنسيق بين التشكيلات المختلفة، ودعم جوي مستدام، وتصور سياسي وأمني لمرحلة ما بعد العمليات.
ولا يكفي الدعم الجوي وحده لتحقيق الحسم، كما أن الانقسامات بين القوى المناهضة للحوثيين تحد من نتائج المساهمات العسكرية الخارجية.
حسابات التصعيد والتهدئة
قد تدفع الهجمات التي تتسبب في خسائر سعودية كبيرة إلى توسيع العمليات داخل اليمن، لكن ذلك يحمل مخاطر الاستنزاف واتساع الحرب.
وتؤثر إيران في حسابات الأطراف باعتبارها داعمة للحوثيين، دون افتراض سيطرتها الكاملة على قراراتهم العملياتية. كما قد يؤدي تدخل أمريكي أو إسرائيلي مباشر إلى زيادة الترابط بين الجبهة اليمنية والمواجهة الإقليمية الأوسع.
وأرى أن الرياض مطالبة بالموازنة بين تكلفة التدخل وتكلفة الامتناع عنه، مع المحافظة على المسارات الدبلوماسية القادرة على الحد من التصعيد.
سادسًا: الاستنتاجات
- تتجه السعودية إلى بناء شبكة دفاعية متعددة الجنسيات، مع استمرار الولايات المتحدة باعتبارها الشريك الرئيسي، دون وجود أدلة علنية كافية على قيام قيادة عمليات موحدة تشمل جميع المشاركين.
- تتحدد فاعلية النموذج الدفاعي السعودي بالقيمة العسكرية المضافة والتكامل العملياتي بين المساهمات الوطنية والترتيبات البحرية متعددة الجنسيات، ومدى التنسيق بين القوات القائمة والائتلاف البحري الجديد، بجانب عدد الدول المشاركة وحجم الالتزامات السياسية المعلنة.
- يمثل اتفاق مكة إطارًا لتطوير التعاون الدفاعي، لكن تقييم تفعيله يتطلب التحقق من القوات والقدرات والمهام الجديدة، وليس الاكتفاء بالوجود العسكري السابق أو القرارات التنفيذية.
- تتميز مصر بمشاركة عسكرية سابقة في التحالف منذ عام 2015، ومصالح مستمرة في أمن البحر الأحمر وباب المندب، ما يجعل استعدادها الحالي احتمالًا لتوسيع دور قائم إلى مهام دفاعية جديدة.
- تستطيع الولايات المتحدة توسيع مشاركتها الدفاعية أو تنفيذ ضربات مستقلة ضد الحوثيين دون الانضمام رسميًا للتحالف السعودي، بينما يظل التزامها بحملة واسعة لحسم الحرب داخل اليمن أقل احتمالًا.
- لا تثبت التقارير المتعلقة بالمساعدة الاستخباراتية الإسرائيلية قيام تحالف سعودي إسرائيلي أو مشاركة قتالية مباشرة، كما لا يؤدي التعاون الأمني المحتمل تلقائيًا إلى التطبيع الدبلوماسي.
- يتيح اختلاف مواقف دول الخليج توزيع الأدوار الدفاعية والدبلوماسية، لكنه لا يضمن مشاركة عسكرية متماثلة أو توافقًا كاملًا بشأن العمليات داخل اليمن.
- يظل الدفاع عن السعودية مختلفًا عن حسم الحرب في اليمن، بينما يمثل استمرار الهجمات الحوثية مصدرًا للاستنزاف العسكري والاقتصادي، حتى مع تحسن كفاءة الاعتراض.
سابعًا: التوقعات
- سيستمر الحوثيون في استخدام الصواريخ والمسيرات لاستنزاف الدفاعات السعودية وإبقاء الضغوط على الاقتصاد والمنشآت الحيوية.
- ستواصل السعودية توسيع شراكاتها الدفاعية، مع تطور متفاوت في المساهمات الأوروبية والتركية والباكستانية، وبقاء الولايات المتحدة الشريك الرئيسي.
- قد تتطور الإجراءات التنفيذية لاتفاق مكة تدريجيًا، مع اختلاف استعداد تركيا وباكستان لتولي مهام قتالية جديدة، خصوصًا داخل اليمن.
- سيستمر الدعم الأمريكي الدفاعي، مع احتمال تنفيذ ضربات هجومية محدودة إذا تعرضت المصالح الأمريكية أو الملاحة أو المنشآت السعودية الحيوية لتهديدات كبيرة، بينما تظل الحملة الواسعة أقل احتمالًا.
- إذا اكتملت إجراءات المشاركة المصرية الجديدة، فستكون دفاعية ومتخصصة، ضمن ترتيبات تحافظ على استقلال القرار المصري وتستفيد من الخبرة العسكرية السابقة.
- أرجح استمرار التعاون الاستخباراتي السعودي الإسرائيلي المحتمل بصورة محدودة وغير مباشرة، دون انتقال سريع إلى مشاركة قتالية معلنة أو تطبيع دبلوماسي كامل.
- سيستمر التضامن الخليجي مع السعودية، مع تفاوت المساهمات العسكرية والدبلوماسية وفق مصالح كل دولة وقدراتها.
- قد تتوسع العمليات داخل اليمن إذا تعرضت السعودية لخسائر كبيرة، لكن فرص الحسم ستظل محدودة دون تحسن فعالية القوات اليمنية المناهضة للحوثيين وتنسيقها. وقد تزيد الخسائر الكبيرة التي تتعرض لها القوات الحكومية اليمنية من الحاجة إلى إعادة تنظيمها وتعزيز حمايتها قبل توسيع العمليات الهجومية.
- ستتنامى الحاجة إلى الدفاع الجوي والصاروخي المتكامل ومواجهة المسيرات منخفضة التكلفة، مع استمرار محاولات التهدئة وتجنب اتساع المواجهة مع إيران.
ثامنًا: على الصعيدين الاستراتيجي والعملياتي، سيكون على الدول المشاركة الآتي
- تحديد أهداف المشاركة متعددة الجنسيات بدقة، والفصل بين حماية السعودية ودعم العمليات العسكرية داخل اليمن، بما يمنع التوسع غير المحسوب في المهام.
- إنشاء آلية تنسيق عملياتي متعددة الجنسيات، تحدد قطاعات المسؤولية وتبادل المعلومات وإجراءات الاشتباك، مع المحافظة على استقلال القيادة الوطنية لكل دولة، وتنسيق المهام البحرية بين الائتلاف السعودي الجديد والقوة 153 وعملية حارس الازدهار وأسبيدس، بما يمنع ازدواجية الجهود ويحسن حماية الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب.
- إعطاء الأولوية لمنظومة دفاع جوي وصاروخي متعددة الطبقات، تجمع بين الإنذار المبكر والاعتراض والحرب الإلكترونية والحماية السلبية، مع إدارة مستدامة للمخزون الدفاعي.
- تقييم القيمة العسكرية المضافة لاتفاق مكة والمساهمات الخارجية بصورة دورية، وفق القدرات الجديدة التي دخلت الخدمة والنتائج العملياتية التي حققتها.
- سيكون على مصر أن تربط المشاركة الجديدة بمهمة دفاعية محددة، وإطار قانوني واضح، وقواعد اشتباك معتمدة، وترتيبات قيادة وسيطرة مستقلة، مع تحديد مدة المهمة وتكلفتها وآليات مراجعتها أو إنهائها، والاستفادة من الخبرة المصرية السابقة في عمليات التحالف وأمن البحر الأحمر، وإعداد القوات والقدرات المختارة وفق متطلبات الدفاع عن الأراضي والمنشآت السعودية.
- الفصل بين تبادل المعلومات الاستخباراتية وترتيبات القيادة المشتركة، خصوصًا عند التعامل مع معلومات قد يكون مصدرها إسرائيل، وتجنب ربط المساعدة الأمنية بالتطبيع بصورة تلقائية.
- عدم الاعتماد على الدعم الجوي وحده لحسم الحرب داخل اليمن، مع إعطاء الأولوية لتحسين قيادة القوات اليمنية المناهضة للحوثيين وتنسيقها وربط الأهداف العسكرية بتصور سياسي قابل للتنفيذ.
- المحافظة على مسارات التهدئة والاتصال الدبلوماسي بالتوازي مع تعزيز الدفاعات، بما يقلل احتمالات اتساع الحرب والاستنزاف طويل المدى.
تاسعًا: الخلاصة النهائية
أرى أن السعودية تتجه نحو نموذج دفاعي متعدد الجنسيات، يقوم على تنويع الشركاء وتقاسم الأعباء، مع المحافظة على الشراكة الأمريكية باعتبارها الركيزة الرئيسية.
وتكمن قوة هذا النموذج في مرونته وتعدد مصادر الدعم، بينما يتمثل تحديه الأساسي في تحويل المساهمات المختلفة إلى قدرات متكاملة ومستدامة، رغم تباين مصالح الدول وحدود التزاماتها.
وتبرز مصر باعتبارها شريكًا عسكريًا ذا مشاركة سابقة ومصالح استراتيجية مباشرة في أمن البحر الأحمر وباب المندب، مع احتمال توسيع دورها إلى مهام دفاعية جديدة لحماية السعودية.
وفي تقديري، فإن الاختبار الحقيقي، بجانب عدد الدول المستعدة للدفاع عن السعودية، يكمن في قدرتها على تحقيق قيمة عسكرية ملموسة، دون فرض التزامات سياسية أو عملياتية تتجاوز الأهداف المحددة.
ويبقى التحدي الأهم أمام الرياض هو استعادة الردع وحماية الاقتصاد والمجتمع، دون الانزلاق إلى حرب استنزاف طويلة لا تضمن حسم الصراع داخل اليمن.
معهد شؤون الأمن العالمي والدفاع:
- فريق خبراء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
- القسم العسكري
لواء دكتور سيد غنيم
زميل الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية
رئيس معهد شؤون الأمن العالمي والدفاع
المصادر
- مصادر خاصة.
- مصادر علنية.
المصادر العلنية
- Ministry of Foreign Affairs of Pakistan. (5 October 2026). Joint Statement: Emergency Meeting of the Strategic Political and Defense Committee of the Makkah Alliance for Defense, Riyadh.
- Al Jazeera English. (5 October 2026). Türkiye, Pakistan Agree Saudi Arabia Military Deployment Under Mecca Pact.
- Al Jazeera English. (11 August 2026). What Are Saudi Arabia, Türkiye and Pakistan’s Joint Military Capabilities?
- Reuters. (19 October 2026). Houthi Attack Kills 53 at Yemen Government Training Camp, Officials Say.
- Associated Press. (19 October 2026). Houthi Rebels Strike Yemen’s Government Forces, Killing at Least 53.
- Reuters. (19 October 2026). Egypt Delays Vote on Military Support for Saudi Arabia Until October 26.
- The Wall Street Journal. (19 October 2026). Saudi Arabia’s Military Limitations Are Being Exposed by Houthi Attacks.
- Financial Times. (15 October 2026). What’s at Stake in the Saudi-Houthi Conflict? The Rachman Review.
- Combined Maritime Forces. (2026). Combined Task Forces: CTF 150, CTF 151, CTF 152, CTF 153 and CTF 154.
- U.S. Naval Forces Central Command. Combined Maritime Forces: Mission, Membership and Operational Structure.
- Australian Department of Defence. (26 March 2025). RAN Passes Baton on Red Sea Mission.
- Australian Department of Defence. (24 April 2025). Australia Hands Over Command to Egypt.
- U.S. Naval Forces Central Command Public Affairs. (12 June 2023). Egypt Turns Over Command of Multinational Red Sea Task Force.
- Council of the European Union. (23 February 2026). Red Sea: Council Extends the Mandate of Operation ASPIDES to Safeguard Freedom of Navigation.
- Council of the European Union. (30 March 2026). Maritime Security: Council Updates Mandates of EU Naval Operations ASPIDES and ATALANTA.
- European External Action Service. (27 May 2026). EUNAVFOR ASPIDES Mandate.
- European External Action Service. About the Operation EUNAVFOR ASPIDES.
- The Guardian. (19 October 2026). Houthi Attack Kills 53 in Biggest Single Loss of Life Since Yemen Civil War Reignited.
- Confidential Sources. Non-Public Information and Expert Consultations Concerning Regional Military Developments and Defense Cooperation.