معهد شؤون الأمن العالمي والدفاع:
القسم الأمني والعسكري
دكتور سَــــيد غُنــــيم
زميل أكاديمية ناصر العسكرية العليا
رئيس معهد شؤون الأمن العالمي والدفاع
الأستاذ الزائر بالناتو والأكاديمية العسكرية الملكية ببروكسل
 
ترتكز الاستراتيجية العسكرية الروسية بعد أكثر من أربع سنوات من الحرب على الاستنزاف الطويل من خلال ضرب الصناعات العسكرية الأوكرانية، وتدمير الدفاعات الأمامية بالقنابل الثقيلة، والاستيلاء التدريجي على الأرض ولو ببطء شديد (ولو استعادت أوكرانيا بعض الأراضي). وتهدف الاستراتيجية العسكرية الروسية هذه ضد أوكرانيا لتحقيق الآتي:
1. تآكل القدرات الأوكرانية، بشن قصفات صاروخية مستمرة ضد البنية التحتية والطاقة للبلاد، معتمدة على العمق الجغرافي والاقتصادي الروسي لتحمل تكاليف الحرب.
2. تكثيف الدفاع الجوي للدفاع عن الأهداف الاستراتيجية الحيوية في العمق الروسي، وبما يضمن أن تبقى ساحة القتال محصورة في أوكرانيا وأن العاصمة الروسية آمنة.
3. السيطرة الجوية التقليدية في الجبهة الأمامية، دون إعطاء اهتمام كبير لتهديد المسيرات الأوكرانية بصفتها سلاح تكتيكي لا يؤثر على أهداف استراتيجية.
4. رهان عامل الوقت، بأن الإرهاق الغربي والإرهاق الأوكراني الداخلي سيجبر أوروبا وأوكرانيا على التفاوض بشروط موسكو.
5. أما الرهان السياسي الأكبر والأهم، فهو على الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، حيث استهدف بوتن جذب ترمب لصفه، باقناعه بأنها الجانب الأقوى المنتصر وأن أوكرانيا هي الجانب الأضعف المهزوم، وهو ما حاول تنفيذه خلال لقائهما في آلاسكا في منتصف أغسطس 2025 واتفق مع ترمب على الضغط على زلينسكي لكي يتنازل عن كل دونباس وشبه جزيرة القرم ومحطة زابورودجيا للطاقة. واستمر بوتن في محاولاته في هذا الشأن من خلال عناصر محددة في إدارة ترمب كـ”ويتكوف” و”كوشنر”.
في المقابل، لم يقبل زلينسكي أي من ذلك، وزاد الدعم الأوروبي له رغم توقف الدعم الامريكي تماما منذ تولي ترمب منصبه. وهنا ألاحظ تطور في الاستراتيجية العسكرية الأوكرانية ضد روسيا – بدلاً من الدفاع عن الأرض تقوم أوكرانيا بتصدير الحرب إلى العمق الروسي لجعل التكلفة متبادلة ولكن بتأثير أشد وغير محتمل – حيث تعمل أوكرانيا على تصعيد الحرب إلى العمق الروسي من خلال 4 محاور:
1. التحول الكمي في الحرب الجوية غير المتماثلة (إغراق العمق الروسي بالمسيرات الأوكرانية)، حيث قد تصل كمية المسيرات تستخدمها أوكرانيا ضد موسكو 1000 مسيرة يوميًا، بزيادة حوالي 10 أضعاف.
2. استنزاف وشل/ إرباك/ تشتيت قدرات الدفاع الجوي الروسية على جبهة تمتد آلاف الكيلومترات، وقصف البنية العسكرية واللوجستية.
3. استهداف الإرادة السياسية الروسية، من خلال استهداف شخص ومعنويات الرئيس الروسي نفسه، وهو بدوره بهدف إقناع النخبة الروسية بأن الحرب لم تعد آمنة في العمق، وإحداث شرخ بين بوتين ومستشاريه العسكريين عبر تهديد مركز القرار مباشرة.
تكتيكيًا، تنفذ أوكرانيا استراتيجيتها بتكرار نموذج السيطرة على سماء القرم وعلى ممراتها البحرية بالمسيرات الجوية والبحرية، والذي نجحت فيه أوكرانيا مؤخرًا، ليطبق على نطاق موسكو الجوي، وذلك بفتح ممر جوي آمن نحو موسكو.
وإن صح تقديري، أتوقع أن تواجه أوكرانيا التحديات التالية:
1. هذا الحجم الهائل من المسيرات الأوكرانية المحتمل استخدامها يوميًا ضد العمق الروسي سيقابل تحديات لوجستية مثل استمرار القدرة على التصنيع والاستيراد من الحلفاء، وتحدي التوجيه والتمويه والصيانة، ما قد يقلل من الفعالية الفعلية للضربات ومعدلها اليومي.
2. رغم شدة تأثير الضربات المتوقعة، إلا أن موسكو محمية بطبقات دفاع جوي أعقد بكثير من القرم.
3. ستواجه أوكرانيا قصف روسي أشد، ردًا على هجماتها، سيؤثر على قدرات دفاعاتها ضد الصواريخ، خاصة حالة عدم سرعة تليية حلفائها لمطالبها من منظومات الدفاع الصاروخي. من ناحية أخرى، ستزيد روسيا من التلويح باحتمال تصعيد نووي تكتيكي ضد القوات الأوكرانية.
شارك

administrator

استشاري الأمن الدوَلي والدفاع، رئيس معهد شؤون الأمن العالمي والدفاع، الإمارات العربية المتحدة، وأستاذ زائر في العلاقات الدولية والأمن الدولي في أوروبا وشرق آسيا، (مصري)