مقدمة:
يمثل مضيق هرمز محورًا رئيسيًا للصراع الدائر بين الولايات المتحدة وإيران، ليس فقط باعتباره ممرًا حيويًا للطاقة والتجارة العالمية، بل باعتباره ساحة تتداخل فيها السيطرة العسكرية مع حرية الملاحة والضغط الاقتصادي. وتستعرض هذه الرؤية واقع السيطرة الأمريكية المتزايدة، وحدود فتح المضيق تجاريًا، والخيارات المحتملة لكل من واشنطن وطهران في المرحلة المقبلة.
الجزء الأول: “السيطرة الأمريكية على هرمز والحصار البحري على إيران“
تعكس التطورات في مضيق هرمز محاولة الولايات المتحدة الإمساك بالمبادرة وأن يكون لها اليد العليا في مضيق هرمز، ولذا كان عليها التحول إلى إدارة فعلية للملاحة وفرض الحصار على إيران، في مقابل تراجع قدرة طهران على التحكم بالممر البحري واحتفاظها بأدوات تهديد غير متماثلة.
أولًا: ينفذ عناصر القيادة المركزية الأمريكية، بقوة 50 ألف جندي منتشرون في جميع أنحاء منطقة الشرق الأوسط، مهمتين متوازيتين:
المهمة الأولى: فرض الحصار البحري على إيران:
حيث استأنفت القيادة المركزية الأمريكية في منتصف يوليو 2026 تنفيذ الحصار البحري العسكري على الموانئ الإيرانية عبر خليج عمان، بهدف تقييد حركة السفن الداخلة إلى تلك الموانئ والخارجة منها. وقد نجحت القوات الأمريكية في إعادة توجيه 75 سفينة حاولت اختراق الحصار، وتعطيل 3 سفن لم تمتثل للأوامر، وتفتيش سفينتين. ولم يسمح لأي سفينة بالدخول إلى ميناء إيراني أو الخروج منه إلا في حالات استثنائية محددة. ونتيجة لذلك، توقفت الصادرات النفطية الإيرانية من سواحلها منذ استئناف الحصار.
المهمة الثانية: فتح وتأمين ممر الملاحة الدولية عبر مضيق هرمز:
حيث نفذت القوات الأمريكية عمليات تطهير دقيقة وهادئة للممرات الملاحية الدولية في مضيق هرمز، والمحددة بنظام فصل حركة المرور المعترف به دوليًا، من الألغام البحرية التي زرعها الحرس الثوري الإيراني خلال الأشهر الماضية. وتمكنت من ذلك باستخدام مزيج من غواصات البحرية، وقوات العمليات الخاصة البحرية، والقوة الجوية الأمريكية (من الجيش والبحرية والقوات الجوية ومشاة البحرية)، وتحت ساتر أمني وعملياتي مستغلة القدرات الاستخباراتية والتكنولوجية والإلكترونية. وعلى الرغم من أن بيئة العمليات ظلت صعبة وخطيرة، باتت ممرات الشحن الدولية المعترف بها دوليًا خالية من تلك التهديدات، وزخم الحركة الملاحية في المضيق يتزايد.
ثانيًا: الإنجازات العملياتية والقوات المشاركة:
في إطار تأمين الملاحة الدولية، قدمت القوات الأمريكية المساعدة لنحو 1500 سفينة تجارية عابرة للمضيق عبر توفير حماية منسقة. كانت هذه السفن تحمل ما يقرب من 750 مليون برميل من النفط الخام متجهة إلى أسواق الطاقة العالمية.
يواصل آلاف الجنود من أفراد القيادة المركزية الأمريكية تنفيذ المهمتين بواسطة أكثر من 20 سفينة حربية ومئات الطائرات، من بينها مقاتلات F-35C وطائرات من حاملة الطائرات USS Abraham Lincoln، مع استعداد تام لمواصلة تنفيذ المهام الموكلة إليهم.
ثالثًا: إجراءات التنفيذ التكتيكية:
- الحصار: بواسطة سفن حربية (مدمرات/ فرقاطات) + طيران استطلاع (P-8 Poseidon) + غواصات للمراقبة تحت الماء، تفتيش بصري وإلكتروني للسفن المشبوهة، وإعادة توجيهها عبر الاتصال اللاسلكي أو التدخل الملاحي.
- تطهير الألغام: بواسطة غواصات + وحدات خاصة بحرية (SEALs) + مسيرات بحرية + سفن متخصصة في نزع الألغامK تطهير ضمن نظام TSS المعترف به دوليًا.
- الحماية: بواسطة حاملة طائرات (USS Abraham Lincoln) توفر غطاءً جويًا بمقاتلات F-35C؛ مشاة البحرية على السفن التجارية أو في نطاق قريب.
ومع كل ما سبق تستمر التهديدات الإيرانية المباشرة تجاه مضيق هرمز، وبما يساهم في تكدس السفن في المضيق بجانب عوامل أخرى.
الجزء الثاني (النقيض):
يحتاج الوضع في مضيق هرمز إلى التمييز بين الانفتاح العسكري للممر واستمرار تعطل الملاحة التجارية نسبيًا، نتيجة تداخل المخاوف الأمنية وارتفاع تكاليف التأمين وتحول المنطقة إلى مساحة انتظار واسعة للسفن. حيث أعلنت المنظمة البحرية الدولية (IMO) أن حوالي 400 سفينة تجارية ما زالت عالقة في محيط مضيق هرمز.
ولتوضيح ذلك، يجب توضيح الوضع الراهن في مضيق هرمز، والذي يحتاج الى تفكيك دقيق يميز بين الآتي:
- البعد العسكري الذي يشير لزيادة تدريجية لسيطرة القيادة المركزية الأمريكية على حركة الملاحة عبر هرمز في مقابل تقلص تدريجي أيضًا للسيطرة الإيرانية.
- والبعد التجاري والفني والذي يواجه تحديات تقنية ولوجستية ومخاوف شركات التأمين.
ولا يوجد تعارض بين البعدين، فمن جهة، تمكنت القيادة المركزية الأمريكية من نزع الألغام البحرية من الممرات الملاحية الدولية، وأمنت عبور نحو 1500 سفينة في المضيق خلال الأشهر الماضية تحت الحماية العسكرية المباشرة. ما يعني أن المضيق مفتوح وعسكريا.
ومن جهة أخرى، تبقى نحو 400 سفينة تجارية عالقة حول المضيق، وسبب تعلقها ليس ازدحاما اعتياديا أو عطل فني، بل ضغوط أمنية واقتصادية مركبة يمكن تفكيكها في ثلاثة محاور:
المحور الأول: مخاوف أمنية من قبل السفن العابرة. فالمضيق تحول إلى مسرح عمليات فعلي. ورغم تقلص التهديدات الإيرانية على المضيق، ما زالت السفن تشعر بمخاوف.
المحور الثاني: الارتفاع الحاد في تكاليف التأمين. فالمخاطر الأمنية دفعت شركات التأمين البحري إلى رفع أقساطها بشكل جنوني، بل وإلغاء التغطية في بعض الحالات. هذا الارتفاع يجبر شركات الشحن الكبرى على تعليق عملياتها نهائيا أو تجميد سفنها في مناطق انتظار داخل الخليج وخارجه، انتظارا لضمانات ملاحية أو ظروف افضل.
المحور الثالث: تحول المنطقة إلى منطقة انتظار كبرى. فبفعل السياسة الملاحية الحذرة، أصبح الخليج ومياهه المحيطة بمضيق هرمز فعليا منطقة تجمع ضخمة للسفن. وهنا أذكر ما ناقشناه من قبل، أن ما يوقف الملاحة ليس التهديد الإيراني بقدر ما تفرضه شركات التأمين على الملاحة عبر المضيق
ومن ثم، فإن الوضع يعبر عن ضغط أمني واقتصادي مركب. فالمضيق مفتوح عسكريا بفعل القوات الأمريكية، لكنه معلق نسبيا تجاريا بفعل المخاطر المستمرة والتكاليف المرتفعة. والسفن العالقة تنتظر ضمانات أمنية حقيقية وتكاليف تأمين معقولة.
ويبقى تساؤل ملح: ما سبب استمرار الشعور بأن المضيق ليس حر حتى الآن؟
والإجابة تكمن في أن الاستراتيجية الأمريكية تتجاوز مجرد تحرير الممر، لتكون مبنية على تحويل المضيق من ورقة في يد إيران للضغط على العالم، إلى ورقة في يد الولايات المتحدة للضغط على إيران وحلفائها ومن يتعاون معها. وهذا يعني أن الصراع تحول إلى صراع على امتلاك مفاتيح الإغلاق كهدف حالي لكل من إيران والولايات المتحدة، أمام هدف نهائي، وهو السيطرة الكاملة على المضيق (كهدف لإيران)، في مقابل تحرير تحرير المضيق بشكل كامل (كهدف للمتحدة). إذ تدرك واشنطن صعوبة فتح المضيق فعلياً من خارج الخليج العربي أمام دولة تصر على السيطرة عليه من الداخل، فبات الهدف هو السيطرة الأمريكية الكاملة عليه أولاً، مما يفرض ضغطاً هيكلياً ومستمراً على حركة التجارة الدولية، حتى لو انعكس هذا الضغط بشكل أو بآخر على المصالح العالمية.
الجزء الثالث: التوقعات من الجانبين:
في ضوء هذا الوضع، يُرجح استمرار الولايات المتحدة في تعزيز سيطرتها الأمنية والاقتصادية على المضيق، مقابل انتقال إيران إلى أساليب أكثر مرونة وغير متماثلة للتهرب من الحصار واستنزاف القوات الأمريكية ورفع تكلفة استمرار سيطرتها.
أولاً: الخطوات الأمريكية التالية المحتملة:
- استمرار الحصار البحري وتشديد الرقابة على الموانئ الإيرانية، وبما يقلص تمامًا حركة مرور السفن الإيرانية.
- توسيع التحالف البحري الدولي لضمان أمن الممرات مما قد يتبقى من ألغام أو يمكن زرعه مجددًا.
- زيادة الضغط الدبلوماسي والاقتصادي لإجبار إيران على التفاوض.
- الحفاظ على جاهزية عالية لمنع إمكانية أي تصعيد إيراني (ألغام جديدة أو هجمات بالوكالة).
ثانيًا: التغيرات النوعية المحتملة في الإجراءات الإيرانية لمواجهة المهمتين الأمريكيتين في هرمز:
- التهرب من الحصار البحري، حيث ستلجأ إيران إلى تصدير نفطها عبر موانئ دول الجوار البرية والبحرية (العراق، عُمان) باستخدام ناقلات تبدل أعلامها وهوياتها، أو عبر خطوط الأنابيب العابرة للحدود، لتفادي رقابة الأسطول الأمريكي المباشر.
- استنزاف القدرات الأمريكية في المضيق، ففي حالة عدم القدرة على إنشاء حقول ألغام بحرية جديدة، قد تنتقل إيران إلى زراعة ألغام متفرقة ومتنقلة (محمولة أو ذاتية التشغيل) في أوقات متباعدة، بهدف إجبار القوات الأمريكية على عمليات تطهير مستمرة تستنزف مواردها اللوجستية.
- تنفيذ إجراءات الحرب غير المتماثلة، حيث ستصعد إيران من استخدام الزوارق السريعة الانتحارية، والمسيرات البحرية والجوية، والغواصات الصغيرة، لاستهداف السفن الحربية والتجارية في آن واحد، ما يصعب مهمة الفصل بين المهام الدفاعية والهجومية للأسطول الأمريكي.
- استخدام الوكلاء لرفع تكلفة الاحتفاظ بالحصار، حيث ستحاول إيران حث وكلائها (الحوثيون، فصائل العراق) لتوجيه ضربات صاروخية ومسيرة على المصالح الأمريكية والإقليمية لإجبار واشنطن على تشتيت قواتها بين خليج عمان ومضيق هرمز والقواعد البرية والبحر الأحمر.
- الضغط الإعلامي والإنساني الإيراني من خلال إرسال قوافل سفن مدنية أو إنسانية صوب الموانئ الإيرانية، مصحوبة بتغطية إعلامية واسعة، لإحراج القوات الأمريكية أمام الرأي العام الدولي عند محاولة اعتراضها أو إعادة توجيهها.
معهد شؤون الأمن العالمي والدفاع:
- فريق خبراء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
- القسم العسكري
لواء دكتور سيد غنيم
زميل الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية
رئيس معهد شؤون الأمن العالمي والدفاع
المصادر:
- مصدر علنية.
- مصادر خاصة.