استهدفت القوات الأمريكية، ليلة الأحد 30 أغسطس 2026، منصتي إطلاق إيرانيتين في جزيرة لاراك الواقعة في مضيق هرمز، بعد رصد الحرس الثوري الإيراني وهو يستعد لإطلاق صواريخ محملة بألغام بحرية باتجاه المضيق.
وأعلن الحرس الثوري الإيراني وقوع الهجوم، مشيرًا إلى مقتل وإصابة عدد من مقاتليه ومدنيين، من دون تقديم حصيلة دقيقة، متعهدًا بالرد ومعاقبة المسؤولين عن الهجوم. كما تحدثت وسائل إعلام إيرانية عن سماع انفجار قوي بالقرب من الجزيرة قبل اتضاح طبيعة الهجوم.
وبحسب المعلومات المتاحة حتى الآن، أن الضرب قد تم تنفيذها بواسطة طائرات أمريكية مسيرة، مع احتمال غير مؤكد، باستخدام وسائل أخرى.
التقدير المبدئي:
تشير المعطيات المتاحة إلى أن الضربة الأمريكية كانت استباقية ومحدودة، وتركزت على هدف تكتيكي محدد هو منع تنفيذ عملية محتملة لإعادة زرع ألغام بحرية في مضيق هرمز، بما يمكن أن يعيد تهديد حركة الملاحة الدولية.
وتكتسب الضربة أهميتها من توقيتها وموقعها. فإذا كانت الولايات المتحدة قد تمكنت بالفعل من رصد الاستعداد الإيراني قبل إطلاق الصواريخ، ثم ضرب منصات الإطلاق، فهذا يشير إلى استمرار المراقبة الأمريكية للنشاط العسكري الإيراني داخل نطاق المضيق وقدرتها على الانتقال من الرصد إلى الاستهداف خلال فترة زمنية قصيرة.
كما أن استهداف منصتي إطلاق قالت القيادة المركزية الأمريكية إن الحرس الثوري كان يستعد لاستخدامهما لإطلاق صواريخ محملة بألغام بحرية، يوضح أن واشنطن تتعامل مع خطر إعادة تلغيم المضيق باعتباره تهديدًا مباشرًا لحرية الملاحة، وليس مجرد نشاط عسكري إيراني داخلي.
وفي رأيي، تدعم هذه العملية، إلى حد كبير، تقديرين سابقين لنا قمنا بطرحهما:
الأول: أن الحصار البحري والاقتصادي والعقوبات الاقتصادية، هم جزء من الحرب الأمريكية الهجين ضد إيران، ومكملين للعمل العسكري الأساسي الذي لم ولن ينقطع، فالمرحلة الحالية اقتصادية وهي مكملة للعمليات العسكرية ولا تنفصل عنها.
الثاني: أن الولايات المتحدة تخطط لتطهير المضيق، خلال مرحلة مؤقتة، وهي انتزاع السيطرة عليه من إيران، وحاليَا تعمل على درء أي تهديد إيراني موجه لحركة الملاحة فيه، كترتيبات أساسية لتحرير المضيق بشكل نهائي.
وبهذا المعنى، يمكن النظر إلى الضربة باعتبارها جزءًا من عملية أوسع تهدف إلى فرض حرية ملاحة عملية ومستدامة في المضيق، وتقليص قدرة إيران على استخدامه كأداة للضغط أو الابتزاز الاستراتيجي.
من ناحية أخرى يجب أن ننظر لأهمية جزيرة لاراك:
تكتسب جزيرة لاراك أهمية عملياتية من موقعها القريب من ممرات الملاحة في مضيق هرمز، بما يسمح باستخدامها كنقطة متقدمة للمراقبة أو نشر قدرات تهدد حركة السفن داخل المنطقة. ولذلك فإن استهداف منصات إطلاق الألغام فيها يحمل دلالة تتجاوز الهدف التكتيكي إلى حرمان إيران من قدرة متقدمة على تهديد الملاحة من موقع جغرافي حساس.
الجانب العملياتي:
تكشف العملية، إذا تأكدت تفاصيلها، عن استمرار أهمية التفوق الأمريكي في مجالات الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع والاستهداف الدقيق.
فاستهداف منصات محددة، ليلًا وفي منطقة بحرية شديدة الحساسية، يتطلب قدرات متقدمة في اكتشاف الهدف وتحديده ومتابعته، إلى جانب القدرة على تنفيذ الضربة بدقة وتقليل الأضرار الجانبية.
ومع ذلك، لا توجد حتى الآن معلومات علنية كافية تسمح بالجزم بنوع الوسائل القتالية والإلكترونية والاستخباراتية الأمريكية التي شاركت في العملية، وتبقى طائرات القتال الأمريكية المنتشرة في المنطقة بأنواعها وطائرات EA-18G Growler لمهام الحرب الإلكترونية، وطائرات RQ-4 Global Hawk أو E-3 Sentry التي توفر معلومات الاستطلاع والإنذار في الحسبان. فهذه المنظومات جزء من القدرات الأمريكية المتاحة في المنطقة، ومن الممكن نظريًا أن تشارك عناصر منها في مثل هذه العمليات، لكن نسبتها إلى ضربة لاراك تحديدًا تحتاج إلى أدلة أو إعلان رسمي.
“رد إيراني فوري على استهداف جزيرة لاراك” – صباح الإثنين 31 أغسطس 2026:
استهدفت إيران قواعد أمريكية بعد غارات أمريكية على جزيرة لاراك، والتي جاءت عقب محاولة النظام الإيراني زرع ألغام في مضيق هرمز. وأعلن الجيش الأردني إسقاطه 8 صواريخ اخترقت المجال الجوي للمملكة ليلًا. في غضون ذلك، ادعت إيران شن هجوم بطائرة مسيرة على قاعدة المنهاد الجوية في الإمارات قبل فجر اليوم 31 أغسطس، وهو ما نفته وزارة الدفاع الإماراتية صباح اليوم، كما أعلن الحرس الثوري الإيراني إسقاطه مسيرة أمريكية طراز MQ-9 فوق مضيق هرمز.
الرأي:
ارتباطًا بما تقدم، أرى أن حجم الرد الإيراني يؤكد أنها نفذت ما يمكن اعتباره سيناريو رد معد مسبقًا، بمواجهة جزء صغير جدًا من المنظومة العسكرية الأمريكية في المنطقة وبشكل انتقائي، حيث إن إيران ردت خلال ساعات، لكنها اختارت أهدافًا محدودة بدلًا من ضربة كبيرة مباشرة، ما يؤكد أن القرار مركزي ومدروس، وليس رد فعل عصبي.
وهذا الرد الانتقائي قد يعني أن إيران ما زالت تفكر وتخطط وتدير، أي أنها لا تزال تملك مركزية القرار وتدير تصعيدها بذكاء لإبقاء قدرتها على المناورة للوصول إلى تفاوض لاحق، مع تحذير (يبدو أقل حدة مما سبق) للدول الحليفة. وليست جثة تحتضر وأعضاؤها تضرب عشوائيًا في كل اتجاه بأسلوب “عليا وعلى أعدائي”. وفي نفس الوقت، ومن حجم رد الفعل ومدى التأثر الذي تم رصده، لا يعني أيضًا امتلاك إيران القدرة على التماثل في قوة الرد، بل يشير لحدود قدراتها العملياتية، والدليل حجم الوسائل الهجومية الإيرانية المستخدمة، وحجم التأثير الناتج، بجانب تكذيب الإمارات.
وهنا بجب أن أعود أسبوعين للوراء، يوم 15 أغسطس، حيث صرح “أحمد راستينه” عضو هيئة رئاسة اللجنة الثقافية في البرلمان الإيراني، بـ”تحول الاستراتيجية العسكرية الإيرانية من الدفاع إلى الهجوم”، وربط ذلك مباشرة بالاستعداد لمواجهة الولايات المتحدة. وفي 26 أغسطس، صرح المتحدث باسم الجيش الإيراني محمد أكرمينيان: “النهج العسكري الإيراني الجديد يتضمن استجابات أسرع، وعملاً استباقياً، واستخدام معدات وتكتيكات جديدة”. وهذا ما لم يحدث عدا الاستجابة السريعة، ولكن ليس بنفس التأثير أو القوة، ولكنها تعمدت إظهار سرعة الرد والقدرة على الرد المحسوب. وهذا بالنسبة لي يؤكد فكرة أن إيران مصرة على سرديتها التي تتضمن فكرتها الأساسية “تحمل إيران الضربات من أكبر قوة في العالم يعتبر صمود، والرد الفوري عليها ولو كان دون تأثير هو في حد ذاته تماثل.. وكلاهما تعتبره إيران انتصار مكرر”. ولكن هنا لا تظهر إيران استباقية أو تكتيكات جديدة أو تأثير رادع في ضرباتها. وأظن أن الولايات المتحدة ترصد ذلك بعناية في إطار خطتها التي في رأيي تتلخص في “قتل النظام الإيراني تدريجيًا من خلال استنزاف وضغط عسكري/ اقتصادي متدرج”.
وأخيرًا، لاحظت قيام الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بنشر فيديو مخلق بالذكاء الاصطناعي، وبعلق علبه “جزيرة خارك الإيرانية تدمر بالكامل وتتحول إلى أنقاض”، وهو في رأيي، بجانب أنه يمثل سردية دعائية هجومية يحاول ترم طب من خلالها تقويض سردية الصمود الإيرانية، فهو تمهيد للرأي العام الأمريكي والدولي لتقبل فكرة تدمير البنية التحتية الإيرانية، وتقويض لتأثير الرد الإيراني على الداخل الإيراني.
معهد شؤون الأمن العالمي والدفاع:
- فريق خبراء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا
- فريق الباحثين المشاركين
لواء دكتور سيد غنيم
زميل الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية
رئيس معهد شؤون الأمن العالمي والدفاع
المصادر:
- مصدر علنية.
- مصادر خاصة.