الجزء الثالث: 24 فبراير 2024

المحور الأول: فاغنر والداخل الروسي

المحور الثاني: حرب أوكرانيا.. والاستقطاب الدولي (كليبات)

المحور الثالث: بؤر التوتر وتداعياتها الأوكرانية على التوتر في بحر الصين، وارتباطها بحرب غزة

رأي معهد شؤون الأمن العالمي والدفاع – دكتور سيد غنيم

المحور الأول: فاغنر.. والداخل الروسي

انخرطت فاغنر لأول مرة في الصراع الروسي الأوكراني في عام 2014، عندما ضمت روسيا شبه جزيرة القرم وفى الحرب الاوكرانية فى فبراير 2022 عندما شاركت فى القتال فى باخموت ودونباس.

وفى يونيو 2023 قاد (يفغيني بريجوجين) قائد ومؤسس مجموعة فاجنر تمرد ضد القيادة الروسية بعدما اتهم الجيش الروسي بقصف اماكن تمركز قواته عمداً، وقام بالاستيلاء على مدينة(روستوف نا دون) عاصمة المنطقة الجنوبية المتاخمة لدونباس الاوكرانية من اجل معاقبة وزير الدفاع الروسي (سيرغي شويغو) ورئيس الاركان الروسي (فاليري غيراسيموف) ودخلت قوة تتكون من 25.000 مقاتل الى مدينة (روستوف نا دون) دون اى مقاومة تذكر واستولت على مقر القيادة الروسية الجنوبية التى وجهت معظم المجهود الحربى فى اوكرانيا.

شكل رقم (1) يوضح زحف قوات فاجنر نحو موسكو

وتشير التقديرات إلى أن بوتين خلال تسوية الأزمة كان ملتزمًا بالمحددات الآتية:

  • 1- منع حرب أهلية في الإتحاد الروسي.
  • 2- إمكانية نقل وحدات من قوات الدفاع الأوكرانية إلى الاتحاد الروسي لدعم أعمال شركة فاغنر العسكرية الخاصة، وتقديم الدعم لشركة فاغنر العسكرية الخاصة من الخارج.

بريجوجين بدوره، الذي لم يتلق دعم بوتين وممثلي قوات الأمن الروسية، رفض مؤقتًا مواصلة تحقيق الأهداف الطموحة ووجه جهوده للحصول على ضمانات أمنية.

بعد التمرد، حاول بريجوجين أن يعرض القيام بشيء غير عادي من أجل تقديم نفسه كبطل، واستعادة الشعبية في الاتحاد الروسي والعلاقات الجيدة مع بوتين.

كان الهدف النهائي من ذلك هو الحفاظ على السيطرة على شركة فاغنر العسكرية الخاصة وأعمالها.

ومع اقتراب فاجنر من موسكو تدخل الرئيس البيلاروسي لعمل وساطة بين الرئيس الروسي وقائد فاجنر وتوصل الى اتفاق بموجبه سيغادر (يفغيني بريجوجين) الى بيلاروسيا مع قواته مقابل اسقاط الملاحقة القانونية عن قائد فاجنر.

واستند بريجوجين قائد ومؤسس مجموعة فاجنر على ثلاثة ابعاد رئيسية في محاولة الانقلاب على بوتين وهما:

  • 1- البعد السياسي:

حيث نجح (يفغيني بريجوجين) فى منافسة بوتين نفسه وانتزع شريحة كبيرة من شعبيته فى الداخل الروسي وقد اظهر استطلاع رأى أجرته (نافالى الروسية) ان شعبية قائد فاجنر بلغت 37.7% مقابل 42.5% لبوتين ومتقدم على وزير الدفاع نفسه.

  • 2- البعد العسكري:

نجح بريجوجين فى استقطاب قيادات عسكرية روسية كبيرة على حسب خلافتهم الشخصية مع استمرار (يفغيني بريجوجين) فى القاء اللوم على القادة الروس بسبب الانسحابات الروسية المتتالية من الجبهة مقابل تسويق نجاح فاجنر فى السيطرة على باخموت وقد نجح فى كسب ثقة قائد العملية الروسية (سيرغي سوروفيكين) وذلك على حساب وزير الدفاع الروسي ورئيس الاركان والذين اصبحا مكروهين من بعض افراد الجيش الروسي وكذلك على حساب قائد المنطقة المركزية لابين.

كما نجح بريجوجين فى استقطاب العديد من الوحدات الفرعية والجنود الروس مستغلا سخطهم على القيادة الروسية لدرجة انشقاق قوات روسية وانضمامها الى قوات فاجنر من الوحدات القريبة من باخموت.

  • 3- البعد العملياتي:

ما سبق دفع (يفغيني بريجوجين) الى هذه المغامرة المحسوبة نسبياً للدخول بقواته فى روسيا مستنداً على الدعم الشعبي المتزايد له وتخوف بوتين من اندلاع حرب اهلية روسية يمكن ان تستغلها اوكرانيا ويمكن ان تؤدى الى

  • انقسام الشعب والجيش الروسي بين موالين لبوتين ونظامه وموالين لبريجوجين
  • عدم قدرة القوات الروسية عن ادارة الحرب الاوكرانية وحرب داخلية فى مسرح عمليات يصل الى (17.1 مليون كلم) بالإضافة الى تأمين الحدود مع الناتو والولايات المتحدة واليابان
  • استغلال الولايات المتحدة للأحداث ودعم بريجوجين عسكرياً داخل الأراضي الروسية.

تمكن الرئيس الروسي والبيلاروسي من ادارة الموقف لصالحهما، ولكن ظهر ايضاً مدى هشاشة النظام الروسي فى ادارة صراع داخلى كان يمكن ان يؤدى الى حرب اهلية.

المحور الثاني: حرب أوكرانيا.. والاستقطاب الدولي

أدت الحرب في أوكرانيا إلى زيادة الاستقطاب بين مختلف البلدان والجهات الفاعلة الدولية. فمن ناحية، هناك دول تدعم سلامة أراضي أوكرانيا وسيادتها، وتدين تصرفات روسيا. وتشمل هذه الدول الولايات المتحدة والدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي والعديد من الدول الغربية الأخرى. لقد فرضوا عقوبات اقتصادية على روسيا وقدموا الدعم السياسي والعسكري لأوكرانيا.

على الجانب الآخر، هناك دول اتخذت موقفا أكثر تعاطفا تجاه روسيا أو لديها مصالح استراتيجية تتماشى معها. وقد أعربت روسيا نفسها، إلى جانب دول مثل الصين وبيلاروسيا وبعض الدول غير الغربية، عن دعمها للحركات الانفصالية في أوكرانيا أو بررت تصرفات روسيا على أساس تقرير المصير أو حماية السكان الناطقين بالروسية.

وقد تجلى هذا الاستقطاب الدولي بشأن حرب أوكرانيا بطرق مختلفة. وتدهورت العلاقات الدبلوماسية بين روسيا والدول الغربية بشكل كبير، مع طرد الدبلوماسيين، والنزاعات التجارية، وتعليق التعاون في مختلف المجالات. كانت هناك مناقشات وخلافات ساخنة في المنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا (OSCE)  بشأن الصراع وحله.

وقد أثر الصراع أيضًا على الديناميكيات والتحالفات الإقليمية. فقد زادت دول حلف شمال الأطلسي من وجودها العسكري في أوروبا الشرقية كرادع لروسيا، كما سعت أوكرانيا إلى إقامة علاقات أوثق مع الغرب، بهدف الحصول على عضوية حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي. وقد أدى ذلك إلى تفاقم التوترات بين روسيا والقوى الغربية.

كما أثر الاستقطاب المحيط بالحرب الأوكرانية على الرأي العام والروايات الإعلامية. وقد قدمت مختلف البلدان ووسائل الإعلام وجهات نظر متناقضة بشأن الصراع، والتي غالبا ما تعكس مواقف حكوماتها. وقد ساهم ذلك في انتشار المعلومات المضللة والدعاية، مما يجعل من الصعب التوصل إلى فهم مشترك للأحداث وتداعياتها.

بشكل عام، كانت حرب أوكرانيا عاملا مهما في الاستقطاب الدولي، وتقسيم البلدان على طول خطوط جيوسياسية، وأدت إلى توتر العلاقات بين القوى الكبرى. إن حل الصراع والحد من الاستقطاب سوف يتطلب بذل جهود دبلوماسية، ومفاوضات، واستعداد لإيجاد أرضية مشتركة بين الأطراف المعنية.

المحور الثالث: بؤر التوتر وتداعياتها الأوكرانية على التوتر في بحر الصين، وارتباطها بحرب غزة

والواقع أن التوترات في بحر الصين الجنوبي والصراع الإسرائيلي الفلسطيني، بما في ذلك الوضع في غزة، كانت لها بالفعل تداعيات على أوكرانيا.

  • 1- بحر الصين الجنوبي:

وهي منطقة تشهد توترًا جيوسياسيًا كبيرًا، ويرجع ذلك أساسًا إلى المطالبات الإقليمية المتنافسة من قبل العديد من الدول، بما في ذلك الصين وفيتنام والفلبين وماليزيا وتايوان. وكانت الصين حازمة في مطالباتها، فقامت ببناء جزر صناعية ومنشآت عسكرية في المنطقة، الأمر الذي أثار مخاوف الدول المجاورة والمجتمع الدولي.

التداعيات على أوكرانيا: إن الوضع في بحر الصين الجنوبي له آثار مباشرة محدودة على أوكرانيا. ومع ذلك، فإن أوكرانيا، باعتبارها دولة شهدت نزاعات إقليمية وضم روسيا غير القانوني لشبه جزيرة القرم في عام 2014، تشترك في بعض أوجه التشابه مع الدول المشاركة في النزاعات الإقليمية في بحر الصين الجنوبي. وقد أعربت أوكرانيا عن دعمها لمبادئ القانون الدولي والحل السلمي للنزاعات، كما دعت إلى حرية الملاحة واحترام سيادة الدول وسلامتها الإقليمية، بما في ذلك بحر الصين الجنوبي.

  • 2- الصراع الإسرائيلي الفلسطيني (حرب غزة 2023-2024):

لقد كان الصراع بين إسرائيل والفلسطينيين، بما في ذلك الوضع في قطاع غزة، قضية معقدة وطويلة الأمد. وينطوي الصراع على عوامل سياسية وتاريخية ودينية مختلفة، وقد أدى إلى تكرار حلقات العنف والتوترات.

التداعيات على أوكرانيا: كان للصراع الإسرائيلي الفلسطيني والحرب في غزة تداعيات مباشرة محدودة على أوكرانيا. ومع ذلك، أعربت أوكرانيا، مثل العديد من البلدان الأخرى، عن قلقها إزاء تصاعد العنف والخسائر في أرواح المدنيين. وقد دعت أوكرانيا إلى حل سلمي للصراع، واحترام القانون الإنساني الدولي، وحماية المدنيين. كما قدمت الحكومة الأوكرانية مساعدات إنسانية للفلسطينيين المتضررين من النزاع.

من المهم أن نلاحظ أنه في حين أن بؤر التوتر هذه قد يكون لها آثار غير مباشرة على أوكرانيا، فإن التركيز الأساسي للحكومة الأوكرانية والمجتمع الدولي يظل على الصراع المستمر في شرق أوكرانيا، حيث يواصل الانفصاليون المدعومين من روسيا زعزعة استقرار المنطقة. ويظل حل هذا الصراع وضمان سلامة أراضي أوكرانيا يشكل أولوية قصوى بالنسبة لأوكرانيا والمجتمع الدولي.

معهد شؤون الأمن العالمي والدفاع:

  • فريق خبراء أوروبا والقسم العسكري
  • فريق الباحثين المشاركين

لواء دكتور سيد غنيم

زميل الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية

رئيس معهد شؤون الأمن العالمي والدفاع

أستاذ زائر بالناتو والأكاديمية العسكرية ببروكسل

 

المصادر:

  • مصدر علنية.
  • مصادر خاصة.
شارك

administrator

استشاري الأمن الدوَلي والدفاع، رئيس معهد شؤون الأمن العالمي والدفاع، الإمارات العربية المتحدة، وأستاذ زائر في العلاقات الدولية والأمن الدولي في أوروبا وشرق آسيا، (مصري)