الأربعاء 21 أكتوبر 2026

تثير مواقف البروفيسور جون ميرشايمر، أحد أبرز منظري الواقعية الهجومية في العلاقات الدولية، بشأن الحرب الروسية الأوكرانية إشكاليات علمية تتجاوز الاختلاف حول مسؤولية الغرب عن توسع حلف الناتو، لتشمل مدى اتساق تفسيراته مع المبادئ التي تقوم عليها نظريته، ومدى تطبيقه المعايير التحليلية نفسها على روسيا وأوكرانيا والولايات المتحدة.

فقد ركز ميرشايمر على مسؤولية الغرب عن تهيئة الظروف التي دفعت روسيا إلى الحرب، معتبرًا أن توسع الناتو شرقًا، واحتمال انضمام أوكرانيا إليه، يمثلان تهديدًا جوهريًا للأمن القومي الروسي. ورغم أهمية هذا العامل، فإن تفسيره يثير تساؤلات حول إغفال مسؤولية موسكو عن سلوكها العسكري، والتقليل من دوافع الدول المجاورة لروسيا للبحث عن الحماية الغربية، فضلًا عن الانتقائية المحتملة في تفسير قرارات الأطراف المختلفة.

ولا أهدف من هذا النقد إلى إنكار المخاوف الأمنية الروسية أو تجاهل أخطاء السياسات الغربية، وإنما إلى اختبار الاتساق العلمي لتفسيرات ميرشايمر، والتمييز بين تفسير استخدام القوة وتبريره، وبين المصالح المشروعة للدول وقدرتها الفعلية على فرضها.

أولًا: روسيا دولة طاردة للتحالفات وليست مجرد ضحية لتوسع الناتو

سبق أن اعترضت على تركيز ميرشايمر على المخاوف الروسية من توسع الناتو، دون إعطاء الاهتمام الكافي للأسباب التي دفعت دول جوار روسيا إلى الابتعاد عنها والبحث عن الحماية الغربية. حيث كتبت أن روسيا تنتهج أسلوبًا عدائيًا هجوميًا، وتلجأ إلى احتلال أراضي الدول المجاورة بالقوة وفرض الأمر الواقع، في الوقت الذي انضمت فيه دول عديدة من جوارها إلى التحالفات الغربية طوعًا، وليس نتيجة احتلال الغرب لأراضيها أو إجبارها عسكريًا على الانضمام إليه.

ولو كانت روسيا دولة غير طاردة للتحالفات، وتمتلك نموذجًا سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا جاذبًا، لكان بإمكانها إقناع أوكرانيا وجورجيا ومولدوفا ودول أوروبا الشرقية بالبقاء ضمن الأطر السياسية والأمنية التي كانت تربطها بموسكو، سواء الاتحاد السوفياتي بالنسبة للجمهوريات السوفياتية السابقة، أو حلف وارسو بالنسبة لدول أوروبا الشرقية، أو على الأقل إقناعها بعد تفكك تلك المنظومات بعدم الانضمام إلى الناتو والاتحاد الأوروبي، أو حتى الانفصال عنهما والانضمام إلى تحالفات تقودها روسيا.

لكن موسكو لم تنجح في بناء منظومة تحالفات قادرة على الاحتفاظ بجاذبيتها واستقرارها. بل إن منظمة معاهدة الأمن الجماعي نفسها شهدت انسحاب بعض أعضائها السابقين، وعدم تجديد عضويتهم، فضلًا عن تجميد أرمينيا مشاركتها، بما يعكس محدودية قدرة روسيا على الاحتفاظ بتماسك تحالفاتها الإقليمية.

وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل توسع الناتو هو الذي تسبب في عدائية روسيا، أم أن السلوك الروسي العدائي كان أحد الأسباب الرئيسية التي دفعت دول جوارها إلى الانضمام للناتو؟

والواقع أن العاملين قد يكونان متداخلين، لكن تفسير ميرشايمر يمنح الأول وزنًا أكبر بكثير من الثاني، بما يقلل من أهمية الإرادة السياسية والاستراتيجية المستقلة لدول أوروبا الشرقية.

ثانيًا: المخاوف الأمنية الروسية مقابل المخاوف الأمنية الأوكرانية

تنطلق الواقعية الهجومية من أن الدول تسعى إلى حماية أمنها وتعظيم قوتها في نظام دولي يفتقر إلى سلطة عليا تضمن أمن الجميع. لكن ميرشايمر يمنح المخاوف الروسية من توسع الناتو أهمية مركزية، بينما لا يمنح المخاوف الأوكرانية من روسيا الوزن نفسه، رغم أن أوكرانيا واجهت ضم القرم عام 2014، ثم الغزو الروسي الشامل عام 2022. وإذا كانت المخاوف الأمنية تفسر سلوك روسيا، فمن المنطقي أن تفسر المخاوف نفسها سعي أوكرانيا إلى الانضمام لتحالفات توفر لها الحماية.

صحيح أن اختلاف موازين القوى يفرض قيودًا على حرية حركة الدول الأصغر، لكن الاعتراف بهذه القيود لا يعني إلغاء مصالحها الأمنية أو اختزال قراراتها في إرادة القوى الكبرى. وهنا تظهر مشكلة في تطبيق النظرية، عندما تصبح المخاوف الأمنية الروسية أساسًا لتفسير استخدام القوة، بينما تُعامل المخاوف الأوكرانية باعتبارها نتيجة للتأثير الغربي أكثر من كونها استجابة لتهديد روسي.

ثالثًا: نفي الأطماع التوسعية الروسية رغم ضم الأراضي الأوكرانية

رفض ميرشايمر تفسير الأزمة باعتبارها نتيجة مشروع توسعي روسي يستهدف إعادة بناء الإمبراطورية، واستمر في التشكيك في وجود أدلة كافية على أن بوتين كان يعتزم احتلال أوكرانيا بالكامل. لكن روسيا ضمت القرم عام 2014، ثم أعلنت ضم أربع مناطق أوكرانية أخرى عام 2022، رغم عدم سيطرتها الكاملة عليها.

ولا يشترط إثبات السلوك التوسعي أن تكون الدولة قد خططت لاحتلال دولة مجاورة بالكامل؛ فالاستيلاء على أجزاء من أراضيها وضمها بالقوة يمثل توسعًا إقليميًا، بصرف النظر عن حجم الأراضي المستهدفة. ومن ثم، فإن نفي وجود خطة روسية لاحتلال أوكرانيا بالكامل لا يكفي لنفي وجود أهداف توسعية روسية.

رابعًا: منع توسع الناتو والنتائج الاستراتيجية العكسية للحرب

يرى ميرشايمر أن أحد الدوافع الرئيسية للحرب الروسية هو منع اقتراب الناتو من الحدود الروسية، لكن الحرب نفسها أدت إلى انضمام فنلندا والسويد إلى الحلف، وتعزيز الوجود العسكري الغربي في أوروبا الشرقية، وتوسيع التعاون العسكري بين الغرب وأوكرانيا.

وهنا ينبغي التمييز بين دوافع القرار ونتائجه؛ فقد تكون موسكو قد سعت بالفعل إلى منع توسع الناتو، لكن النتائج تكشف عن سوء تقدير استراتيجي روسي أسهم في تحقيق عكس ما كانت تستهدفه. وإذا كان ميرشايمر ينتقد الغرب بسبب تجاهله النتائج المتوقعة لسياساته، فمن المنطقي تطبيق المعيار نفسه على القيادة الروسية، ومساءلتها عن النتائج التي ترتبت على قراراتها.

خامسًا: عقلانية القوى الكبرى وسوء الحسابات الروسية

تعتمد الواقعية الهجومية على تفسير سلوك القوى الكبرى وفق حسابات القوة والأمن والمصلحة، لكنها لا تفترض عصمتها من الخطأ. ومع ذلك، يركز ميرشايمر بدرجة كبيرة على أخطاء الحسابات الغربية، بينما يمنح وزنًا أقل لاحتمال سوء التقدير الروسي عند اتخاذ قرار الغزو.

فقد بدأت روسيا عملياتها العسكرية عام 2022 بقوات لم تتمكن من تحقيق الأهداف السياسية والعسكرية الأولية، وواجهت مقاومة أوكرانية ودعمًا غربيًا واسعًا، ما فرض عليها تعديل عملياتها وأهدافها الميدانية. وإذا كانت القيادة الروسية قد أساءت تقدير قدرة أوكرانيا على المقاومة، أو حجم الاستجابة الغربية، فإن ذلك يمثل عاملًا أساسيًا في تفسير الحرب، وليس مجرد تفصيل عملياتي.

والسؤال هنا: لماذا تُفسَّر القرارات الغربية باعتبارها أخطاء استراتيجية، بينما تُفسَّر القرارات الروسية أساسًا باعتبارها استجابات عقلانية للتهديدات؟

سادسًا: ميرشايمر عام 1993 وميرشايمر بعد عام 2014

في دراسته المنشورة عام 1993 بعنوان «الحجة لصالح الردع النووي الأوكراني»، دافع ميرشايمر عن احتفاظ أوكرانيا بقدرة ردع نووية، انطلاقًا من احتمال تعرضها لعدوان روسي يهدد استقلالها. وكان منطقه آنذاك أن روسيا تمثل مصدر تهديد محتملًا، وأن أوكرانيا تحتاج إلى قدرة مستقلة لردعها.

لكن منذ أزمة 2014، أصبح تركيزه منصبًّا على ضرورة حياد أوكرانيا، ورفض انضمامها إلى الناتو، وتحميل الغرب المسؤولية الأساسية عن الأزمة. ولا يمثل الموقفان تناقضًا حتميًا، لأن الحياد والردع يمكن أن يجتمعا نظريًا. لكن المقارنة تكشف تحولًا في ترتيب الأولويات التحليلية؛ ففي عام 1993 كان التهديد الروسي لأوكرانيا محور الاهتمام، بينما أصبح التهديد الغربي لروسيا محور تفسيره اللاحق.

وهذا التحول يستحق تفسيرًا علميًا واضحًا، خصوصًا أن المخاوف الأوكرانية التي تحدث عنها عام 1993 لم تتراجع، وإنما تعززت بفعل التدخلات العسكرية الروسية اللاحقة.

سابعًا: الانتقائية في الاستدلال على نوايا بوتين

تظهر إشكالية منهجية أخرى في تفسير ميرشايمر عندما يشكك في اعتبار تصريحات بوتين بشأن التاريخ والهوية الروسية الأوكرانية دليلًا على وجود أهداف توسعية، بينما يمنح تصريحاته المتعلقة بالمخاوف الأمنية من الناتو وزنًا كبيرًا في تحديد دوافع الحرب.

والواقع أن تصريحات القادة السياسيين يجب ألا تُقبل أو تُرفض بصورة انتقائية، وإنما ينبغي اختبارها في ضوء السلوك الفعلي والقرارات السياسية والقدرات العسكرية والنتائج الميدانية. ولا يعني ذلك أن جميع تصريحات بوتين متناقضة أو أن أهدافه لم تتغير بمرور الوقت، وإنما أن تحديد دوافع الحرب يستلزم الجمع بين الاعتبارات الأمنية الروسية، والتصورات التاريخية والسياسية للقيادة الروسية تجاه أوكرانيا، والأهداف الإقليمية التي كشفت عنها العمليات العسكرية. ومن ثم، فإن الاستناد إلى المخاوف الأمنية الروسية وحدها لا يقدم تفسيرًا كافيًا لمجمل القرارات الروسية.

ثامنًا: اختبار الصين وتايوان ومدى اتساق النظرية

يمكن اختبار اتساق تفسير ميرشايمر من خلال تطبيق المنطق نفسه على الصين وتايوان؛ فإذا كان اقتراب تحالف عسكري غربي من روسيا يفسر استخدام موسكو للقوة ضد أوكرانيا، فهل يؤدي اقتراب الولايات المتحدة عسكريًا من تايوان إلى تفسير استخدام الصين القوة ضد الجزيرة بالمنطق نفسه؟

ومن منظور الواقعية الهجومية، يمكن بالفعل تفسير المخاوف الأمنية الصينية والروسية ضمن إطار نظري واحد. لكن الاختبار الحقيقي لا يتعلق فقط بتفسير دوافع القوى الكبرى، وإنما بمدى الاعتراف بالمخاوف الأمنية للطرف الأضعف، والتمييز بين تفسير استخدام القوة وتبريره. ومع مراعاة اختلاف الوضع القانوني والسياسي لتايوان عن أوكرانيا، فإن المقارنة تطرح سؤالًا أوسع حول حدود حق القوى الكبرى في فرض ترتيبات أمنية على محيطها الإقليمي بالقوة.

تاسعًا: ضغوط ترمب على أوكرانيا وتناقض المعايير في تفسير المصالح

تكتسب الانتقائية المحتملة في تفسير ميرشايمر أهمية إضافية عند مراجعة تصريحاته الأخيرة بشأن الضغوط الأمريكية على أوكرانيا لوقف استهداف منشآت الطاقة الروسية. ففي حواره مع توم سويتزر بتاريخ 18 أكتوبر 2026، قال ميرشايمر: «يحاول ترمب ممارسة ضغوط شديدة على الأوكرانيين لدفعهم إلى وقف استهداف البنية التحتية للطاقة داخل روسيا»، موضحًا أن دوافع ترمب ترتبط بالاعتبارات الاقتصادية، خصوصًا إمدادات الديزل وأسعاره وتأثيرها في الاقتصاد العالمي. وأضاف: «الأوروبيون والأوكرانيون وقطاعات واسعة من مؤسسة الأمن القومي داخل الولايات المتحدة يصطفون ضد ترمب».

وفي حواره مع أندرو نابوليتانو بتاريخ 13 أكتوبر 2026، قال إن «الدولة العميقة» لا تزال ملتزمة بإلحاق أكبر قدر ممكن من الضرر بروسيا، رغم أن ترمب يتحرك في اتجاه مختلف.

وتثير هذه التصريحات أربع ملاحظات:

الأولى: يفسر ميرشايمر ضغوط ترمب باعتبارات اقتصادية أمريكية، وهو تفسير يمكن فهمه في ضوء تأثير أسعار الطاقة على الاقتصاد العالمي. لكنه لا يمنح الاعتبارات العسكرية الأوكرانية المتعلقة باستهداف البنية التحتية الداعمة للمجهود الحربي الروسي الوزن نفسه؛ فالضربات الأوكرانية تستهدف، ضمن أهدافها، إضعاف قدرة روسيا الاقتصادية واللوجستية على مواصلة الحرب.

الثانية: إذا كانت المصالح الاقتصادية الأمريكية تفسر الضغوط على أوكرانيا، فمن المنطقي إخضاع القرارات الروسية لتحليل متعدد الأبعاد يشمل المصالح الاقتصادية والسياسية والتوسعية، بدلًا من التركيز شبه الحصري على المخاوف الأمنية من الناتو.

الثالثة: يستخدم ميرشايمر تعبير «الدولة العميقة» لوصف قوى داخل النظام الأمريكي تعارض توجه ترمب، لكن هذا التعبير لا يكفي بذاته لإثبات وجود مركز قرار موحد قادر على فرض سياسة محددة. فهناك اختلاف جوهري بين وجود مؤسسات أمن قومي ذات مصالح وتقديرات متباينة، وبين افتراض امتلاكها إرادة موحدة وسلطة مستقلة قادرة على تعطيل قرارات الرئيس.

الرابعة: إذا كان ميرشايمر يعترف بتأثير المؤسسات والمصالح الاقتصادية والسياسية الداخلية في قرارات ترمب، فمن المنطقي تطبيق المنهج نفسه على بوتين، من خلال دراسة تأثير المؤسسات الروسية والنخب العسكرية والاقتصادية والحسابات السياسية الداخلية في قراراته، بدلًا من تفسيرها أساسًا باعتبارها استجابات عقلانية للتهديدات الخارجية.

ومن وجهة نظري، لا تكمن المشكلة في اعتراف ميرشايمر بتأثير أسعار الطاقة أو مؤسسات الأمن القومي الأمريكية في السياسة تجاه أوكرانيا، وإنما في عدم التوازن بين العوامل التي يمنحها أهمية عند تفسير السلوك الأمريكي، وتلك التي يمنحها أهمية عند تفسير السلوك الروسي والأوكراني. كما أن تفسير ضغوط ترمب باعتبارات اقتصادية لا يعني بالضرورة أنها لا تمثل تقييدًا لقدرات أوكرانيا العسكرية، أو أنها لا تخدم المصالح الروسية في الوقت نفسه؛ فقد يجتمع الدافع الاقتصادي الأمريكي مع الأثر العسكري الذي تستفيد منه روسيا.

عاشرًا: لماذا يتبنى ميرشايمر هذه التفسيرات؟

أرجّح أن السبب الرئيسي يتمثل في تمسك ميرشايمر بإطاره النظري، واقتناعه بأن توسع الناتو هو السبب الحاسم للحرب، ما قد يدفعه إلى إعطاء الأدلة المؤيدة لأطروحته وزنًا أكبر من الأدلة المناقضة لها. ويضاف إلى ذلك تركيز الواقعية الهجومية على حسابات القوى الكبرى، وميله إلى نقد السياسة الخارجية الأمريكية باعتبارها مصدرًا رئيسيًا لاختلال التوازن الدولي.

ومن وجهة نظري، فإن الأمر أقرب إلى انحياز نظري ومنهجي، وربما انحياز تأكيدي، منه إلى انحياز حزبي متعمد أو تأييد شخصي لروسيا. ولا تتوافر أدلة كافية للجزم بدوافع سياسية أخرى وراء مواقفه.

دكتور سيد غنيم

صورة الغلاف: جون ميرشايمر في تشاتام هاوس. تصوير: تشاتام هاوس (CC BY 2.0).

شارك

administrator

استشاري الأمن الدوَلي والدفاع، رئيس معهد شؤون الأمن العالمي والدفاع، الإمارات العربية المتحدة، وأستاذ زائر في العلاقات الدولية والأمن الدولي في أوروبا وشرق آسيا، (مصري)