أولًا: الموقف:
حسين محبي، المتحدث الرسمي للحرس الثوري الإيراني: أي هجوم أمريكي جديد سيؤدي إلى تغيير “نوعية السلاح وجغرافية الحرب”، مع استهداف مواقع لم تُستهدف سابقًا.
يشير تصريح المتحدث باسم الحرس الثوري بشأن تغيير “نوعية السلاح وجغرافية الحرب” في أي مواجهة أمريكية إيرانية جديدة إلى احتمال تطوير إيران لأسلوب استخدام قوتها الصاروخية أكثر من كونه إعلانًا عن امتلاك سلاح جديد كليًا.
ويرجح أن يقوم هذا التطور على تحسين خصائص بعض الصواريخ والرؤوس الحربية، وزيادة القدرة على إرباك واستنزاف الدفاعات، وتنفيذ هجمات متزامنة على عدد أكبر من الأهداف، مع توسيع جغرافية الضربات إلى قواعد ومطارات وموانئ ومنشآت عسكرية ولوجستية لم تُستهدف سابقًا.
ثانيًا: ملامح التطوير الإيراني المحتمل:
أرجح أن جزءًا مهمًا مما تتحدث عنه إيران يتعلق بتطوير الصواريخ الباليستية الموجودة بالفعل، وبصفة خاصة رؤوسها الحربية ووسائل زيادة قدرتها على تجاوز أو إرباك منظومات الدفاع الصاروخي. وقد ظهر مؤشر على ذلك في الهجوم الإيراني الأخير على قاعدة موفق السلطي الجوية في الأردن، عندما استخدمت إيران نحو 20 صاروخًا باليستيًا، بعضها حمل رؤوسًا أو حمولات انشطارية تنفصل في المرحلة النهائية إلى عدة مقذوفات/أجسام، بما يزيد عدد الأهداف التي يتعين على منظومة الدفاع اكتشافها وتصنيفها والتعامل معها.
وهنا يجب التمييز بين الخاصية الانشطارية والرؤوس المناورة. الخاصية الانشطارية تزيد عدد الأجسام التي تواجه الدفاع في المرحلة النهائية، بينما الرأس المناور MaRV يستطيع تغيير مساره بما يصعب التنبؤ بنقطة وصوله واعتراضه. المتاح حتى الآن يقدم شواهد أقوى على الخاصية الأولى، ولا يكفي للجزم بأن إيران عممت رؤوسًا مناورة متقدمة على ترسانتها.
كذلك لا توجد أدلة كافية على تعميم هذا التطوير على جميع الصواريخ الباليستية الإيرانية. والأدق أنه يمكن تكييفه مع عدة عائلات من الصواريخ، وفقًا لحمولة الصاروخ وتصميمه ونظام توجيهه وخصائص مرحلة إعادة الدخول.
ثالثًا: دلالات هجوم موفق السلطي باستخدام صواريخ إيرانية باليستية مزودة برؤوس انشطارية:
أهمية الهجوم، بجانب عدد الصواريخ، تكمن في حجم القوة الدفاعية التي استُخدمت لمواجهتها. فأمام 20 صاروخًا باليستيًا إيرانيًا، أطلقت القوات الأمريكية ما بين 60–70 صاروخ Patriot، إضافة إلى 12 صاروخ THAAD، أي أن إجمالي الصواريخ الاعتراضية المستخدمة ربما بلغ نحو 72–82 صاروخًا لمواجهة 20 صاروخًا باليستيًا فقط. نعم، نسبة الاعتراض كانت 90%، حيث نجح صاروخان فقط في تجاوز الاعتراض، ولكن حجم وتكلفة صواريخ الاعتراض كان هائلًا نسبيًا.
وهنا من الضروري الفصل بين الاعتراض، والاختراق، والتأثير. فاعتراض 18 صاروخًا من 20 يمثل نجاحًا دفاعيًا كبيرًا. ولكن اختراق صاروخين يعني أن الدفاع لم يمنع جميع التهديدات من الوصول إلى المنطقة المستهدفة. لكن أيضًا الاختراق لا يعني تلقائيًا إصابة الهدف، كما أن إصابة الهدف لا تعني بالضرورة إحداث ضرر عسكري مؤثر أو تعطيله عن العمل، فيبقى بعد الاختراق دقة الإصابة وحجم التأثير.
وهنا تظهر مشكلة كلفة الاعتراض:
إذا كانت تكلفة صاروخ Patriot PAC-3 في حدود 4–5 ملايين دولار تقريبًا، فإن استخدام 60–70 صاروخًا يعني تكلفة تقدر بنحو 240–350 مليون دولار. أما صاروخ THAAD فتتجاوز تكلفته 12 مليون دولار، وقد تصل وفق بعض التقديرات إلى نحو 15 مليون دولار، وبالتالي فإن استخدام أكثر من 12 صاروخًا يضيف ما لا يقل عن نحو 144–180 مليون دولار. وبذلك يمكن تقدير تكلفة الصواريخ الاعتراضية المستخدمة في مواجهة واحدة فقط بنحو 400–530 مليون دولار تقريبًا، دون احتساب تكلفة تشغيل الرادارات ومنظومات القيادة والسيطرة والإنذار المبكر والطائرات والدعم اللوجستي.
لكنني لا أرى أن المشكلة الأساسية مالية فقط. الأهم هو معدل استهلاك الذخائر الاعتراضية. فإذا تطلب التعامل مع 20 صاروخًا باليستيًا استخدام أكثر من 70 وربما نحو 80 صاروخًا اعتراضيًا، فإن استمرار هذه المعادلة خلال حرب طويلة يضغط على مخزونات PAC-3 وTHAAD وعلى القدرة الصناعية على تعويضها. ومن هنا يكون الهدف الإيراني الاستمرار في استنزاف الدفاعات الأمريكية المضادة للصواريخ.
رابعًا: “تغيير جغرافية الحرب”:
وهو ما لفت نظري في التصريح الإيراني، فمنظومات “Patriot – THAAD” لا يمكن توزيعها بالكثافة نفسها على جميع القواعد والمطارات والموانئ والمنشآت العسكرية واللوجستية الأمريكية والحليفة المنتشرة على مساحة جغرافية هائلة في المنطقة.
ولذلك أرجح أنه إذا بدأت جولة جديدة، فقد تحاول إيران عدم التركيز فقط على القواعد ذات الحماية الكثيفة، وإنما توسيع بنك أهدافها باتجاه مواقع تقل فيها كثافة بطاريات “Patriot – THAAD” أو يقل فيها عدد الصواريخ الاعتراضية المتاحة. بمعنى آخر، بدلًا من محاولة اختراق أقوى نقطة في شبكة الدفاع الأمريكية، يمكن لإيران البحث عن أضعف نقاط الشبكة.
خامسًا: الجمع بين الخاصية الانشطارية والتوسع الجغرافي:
هنا تحديدًا أرى جوهر التطور المحتمل في الاستراتيجية الإيرانية. فإذا استطاعت إيران الجمع بين الرؤوس الانشطارية، والهجمات المتزامنة، وتعدد اتجاهات الاقتراب، وتوسيع عدد المواقع المستهدفة، فإنها تجبر الولايات المتحدة وحلفاءها على توزيع قدراتهم الدفاعية على مساحة أكبر.
وبالتالي تصبح المشكلة الأمريكية: كم بطارية “Patriot – THAAD” يجب نشرها؟ وأين؟ وكم صاروخًا اعتراضيًا يجب تخصيصه لكل موقع؟ وهل تستطيع الولايات المتحدة الاحتفاظ بالكثافة الدفاعية نفسها إذا تعرضت عدة قواعد ومنشآت في دول مختلفة لهجمات متزامنة؟
وهذه معادلة مختلفة جذريًا عن مهاجمة قاعدة أمريكية واحدة شديدة التحصين.
سادسًا: التصور الأمريكي المحتمل للمواجهة:
يرجح أن تعتمد الولايات المتحدة على دفاع ضد الصواريخ متعدد الارتفاعات، مع إعطاء الأولوية لحماية القواعد الجوية ومراكز القيادة والرادارات والمنشآت اللوجستية والأصول ذات القيمة العملياتية الأعلى، وقبول مستوى أكبر من المخاطر بالنسبة للأهداف الأقل أهمية.
كما يرجح زيادة الاعتماد على الإنذار المبكر والاستطلاع الفضائي والجوي لتحديد منصات الإطلاق قبل استخدامها، وربط منظومات الدفاع الأمريكية والإقليمية في شبكة إنذار وتتبع موحدة تسمح بتوزيع مهام الاعتراض وتجنب إطلاق عدد أكبر من الصواريخ الاعتراضية على الهدف نفسه.
وقد تعمل واشنطن كذلك على تخصيص “Patriot – THAAD” أساسًا للتهديدات الباليستية الأكثر خطورة، واستخدام وسائل اعتراض أقل تكلفة ضد المسيّرات وصواريخ كروز كلما أمكن، مع زيادة الانتشار المتحرك للبطاريات وإعادة توزيعها وفق اتجاهات التهديد.
إلا أن “الهجوم” سيظل جزءًا رئيسيًا من الاستراتيجية الأمريكية في مواجهة إيران، من خلال استهداف منصات الإطلاق والرادارات ومراكز القيادة ومخازن الصواريخ وسلاسل الإمداد، بهدف خفض عدد الصواريخ التي تصل أصلًا إلى مرحلة الاعتراض.
دكتور سيد غنيم