الجمعة 6 نوفمبر 2026

أولًا: المقدمة

تشهد الأزمة الأمريكية الإيرانية مرحلة دقيقة تتزامن فيها التعزيزات العسكرية الأمريكية المتواصلة مع استمرار الاتصالات الدبلوماسية بشأن البرنامج النووي الإيراني، وسط احتمالات متزايدة لاستئناف العمليات العسكرية. وتتناول هذه الرؤية تطور الحشد الأمريكي مقارنة بالمراحل السابقة من الحرب، ودلالاته العملياتية، وخيارات واشنطن بين التصعيد العسكري ومواصلة الضغط والتفاوض، مع تحليل احتمالات الرد الإيراني وتداعياته الإقليمية، وصولًا إلى السيناريوهات المرجحة خلال الأسابيع المقبلة والعوامل المؤثرة في القرار الأمريكي.

ثانيًا: تطور الحشد العسكري الأمريكي

سأطرح مقارنة للحشد الأمريكي في ثلاث مراحل، مع إضافة حاملة الطائرات ثيودور روزفلت ومجموعتها الضاربة إلى الحشد المتوقع، والتمييز بين القوات الموجودة فعليًا والتعزيزات التي لم تصل بعد.

1. يوم 28 فبراير 2026: بداية العمليات العسكرية

  • الأفراد: نحو 40 إلى 50 ألف عسكري أمريكي، وفقًا للتقديرات المتاحة، دون إحصاء نهائي لذلك اليوم.
  • حاملات الطائرات: حاملتان، أبراهام لينكولن وجيرالد فورد.
  • السفن الحربية: نحو 20 سفينة قتالية ومساندة، مع اختلاف العدد حسب حدود المنطقة الجغرافية المستخدمة في الحصر.
  • القوات الجوية: حشد كبير من المقاتلات F-35 وF-22 وF-15 وF-16، إلى جانب قاذفات بعيدة المدى وطائرات الاستطلاع والحرب الإلكترونية والتزود بالوقود.
  • القوات البرية: وجود دفاعي وقوات عمليات خاصة، دون حشد بري واسع لعمليات هجومية داخل إيران.

التقييم: قوة هجومية كبيرة اعتمدت أساسًا على التفوق الجوي والبحري، مع قدرة على تنفيذ ضربات واسعة ومتزامنة ضد الأهداف الإيرانية.

2. يوم 23 أبريل 2026: ذروة الحشد البحري

  • الأفراد: تجاوزت التعزيزات الأمريكية مستوى 60 ألف عسكري خلال تلك الفترة.
  • حاملات الطائرات: 3 حاملات، أبراهام لينكولن وجيرالد فورد وجورج بوش.
  • السفن الحربية: نحو 16 مدمرة، بالإضافة إلى حاملات الطائرات والسفن البرمائية وسفن الدعم.
  • القوات الجوية: أكثر من 200 طائرة تابعة للبحرية، بخلاف الطائرات المنتشرة في القواعد البرية.
  • القوات البرية ومشاة البحرية: تعزيزات من مشاة البحرية وقوات التدخل السريع، مع زيادة القدرة على تنفيذ عمليات برمائية ومهام محدودة على اليابسة.

التقييم: أكبر تجمع لحاملات الطائرات الأمريكية في المنطقة منذ عام 2003، مع قدرات أوسع للضربات الجوية والبحرية، والحصار البحري، وحماية الملاحة، والعمليات البرمائية المحدودة.

3. يوم 5 نوفمبر 2026: الحشد الحالي والتعزيزات المنتظرة

  • الأفراد: نحو 50 ألف عسكري موجودين في المنطقة وفقًا للتقديرات المنشورة في أكتوبر، مع تعزيزات بحرية وبرمائية تُقدّر بنحو 10 آلاف عسكري، قد ترفع الإجمالي إلى قرابة 60 ألفًا عند اكتمال وصولها، بشرط عدم سحب قوات أخرى.
  • حاملات الطائرات: جورج بوش وجورج واشنطن موجودتان في المنطقة، بينما تتجه ثيودور روزفلت ومجموعتها الضاربة إليها، مع توقع وصولها بحلول نهاية نوفمبر.
  • السفن الحربية: مجموعات ضاربة تضم حاملات ومدمرات وسفن دعم، مع زيادة مرتقبة بوصول روزفلت والسفن المصاحبة. ولا يتوافر حصر علني موحد ودقيق لإجمالي السفن الموجودة يوم 5 نوفمبر.
  • القوات الجوية: مقاتلات بحرية وبرية، وطائرات استطلاع وحرب إلكترونية وتزود بالوقود، مع إضافة عشرات الطائرات عند وصول روزفلت.
  • القوات البرية ومشاة البحرية: وجود مجموعات برمائية وتعزيزات إضافية، تشمل مجموعة ماكين آيلاند والوحدة الاستكشافية الثالثة عشرة لمشاة البحرية، مع احتمال تداخل انتشارها مع مجموعة بوكسر خلال عملية التناوب.

التقييم: الحشد الحالي كبير، وقد يقترب من مستوى أبريل أو يعادله في بعض مكوناته عند اكتمال التعزيزات. لكن روزفلت قد تحل محل جورج واشنطن، ولذلك لا يمكن افتراض استمرار وجود ثلاث حاملات في المنطقة لفترة طويلة.

4. استنتاجات المقارنة

  1. من حيث الحجم العددي، كان حشد 23 أبريل أكبر من حشد 28 فبراير، بينما يقترب الحشد المتوقع بعد وصول روزفلت من مستوى أبريل، وقد يعادله في بعض العناصر.
  2. من حيث النوعية، كانت قوة فبراير مهيأة أساسًا للضربات الجوية والبحرية. وفي أبريل توسعت قدراتها البحرية والبرمائية، بينما يتميز الحشد الحالي بتعزيز وسائل الدفاع الجوي وحماية المنشآت، إلى جانب استمرار القدرات الهجومية، مع إضافة مهمة الحصار البحري على إيران.
  3. إذا تزامن وجود روزفلت وجورج واشنطن وجورج بوش، فقد يصل عدد أفراد مجموعاتها الضاربة مجتمعة إلى نحو 20 ألفًا، مع ما يصل إلى 150 مقاتلة، بخلاف طائرات الدعم والطائرات المتمركزة في القواعد البرية.
  4. من الضروري عدم جمع جميع التعزيزات المعلنة مع القوات الحالية بصورة آلية، لأن بعضها قد يكون مخصصًا لاستبدال وحدات موجودة. وبالتالي فإن بلوغ 60 ألف عسكري أو تجاوزها يظل مشروطًا بحجم التداخل بين الوحدات القادمة والمغادرة.
  5. من حيث احتمالات استئناف الحرب، فإن الحشد الجاري يعزز القدرة الأمريكية على تنفيذ ضربات واسعة، والاستمرار فيها، والتعامل مع الرد الإيراني. لكنه يصلح أيضًا لمواصلة الحصار البحري والضغط العسكري المصاحب للمفاوضات.
  6. من الناحية العملياتية، تتوقف دلالة الحشد على طبيعة التحركات المصاحبة له، وخاصة زيادة طائرات التزود بالوقود والحرب الإلكترونية، وتعزيز مخزونات الذخائر، ورفع جاهزية الدفاع الجوي، وتغيير انتشار القوات لحمايتها من الرد الإيراني.

ثالثًا: دلالات الحشد العسكري الحالي

  • يقترب الحشد المتوقع بعد اكتمال التعزيزات من مستوى أبريل في بعض مكوناته، مع الجمع بين قدرات الضربات الجوية والبحرية، والحصار البحري، والدفاع الجوي، وحماية القواعد والمنشآت الأمريكية من الرد الإيراني.
  • إذا تزامن وجود حاملات الطائرات الثلاث، فقد يبلغ إجمالي أفراد مجموعاتها الضاربة نحو 20 ألف عسكري، مع ما يصل إلى 150 مقاتلة، بخلاف طائرات الدعم والقوات الجوية المنتشرة في القواعد البرية.
  • يعزز الحشد قدرة واشنطن على استئناف عمليات عسكرية واسعة والاستمرار فيها، لكنه يخدم أيضًا فرض الحصار البحري والضغط العسكري المصاحب للمفاوضات. وتظل طبيعة الانتشار، ومخزونات الذخائر، وطائرات التزود بالوقود والحرب الإلكترونية، وجاهزية الدفاعات الجوية، مؤشرات مهمة على الاستعداد الفعلي لاستئناف العمليات.

رابعًا: المساران العسكري والدبلوماسي

  • تواجه واشنطن خيارين رئيسيين: استئناف العمليات العسكرية ضد إيران، أو مواصلة الحصار والعقوبات والضغط العسكري بالتوازي مع المفاوضات، مع إمكانية الجمع بين المسارين.
  • يشير تقديم إيران مقترحًا نوويًا عبر قطر، مشروطًا بتلبية مطالبها السبعة، إلى استمرار المسار التفاوضي. وفي المقابل، تُبقي واشنطن خيار الضربات المحدودة للأهداف النووية أو توسيع الهجمات لتشمل منشآت الطاقة مطروحًا.
  • يتوقف القرار الأمريكي على تقدير ترمب لتكلفة العمل العسكري مقارنة بتكلفة عدم تنفيذه، ومدى إمكانية تحقيق أهداف سياسية وعسكرية محددة. وقد تدفع تداعيات الانتخابات الأمريكية والإسرائيلية نحو التصعيد أو ضبطه، بحسب الحسابات السياسية لكل طرف.
  • لا يعني استهداف المنشآت النووية الإيرانية القضاء على كامل المواد النووية أو المعرفة الفنية. كما تظل احتمالات تخزين اليورانيوم المخصب، أو نقله أو تخفيفه أو إخضاعه للرقابة قائمة ضمن أي تسوية، دون افتراض اللجوء إلى السلاح النووي الأمريكي.

خامسًا: احتمالات الرد الإيراني والتداعيات الإقليمية

كنت قد كتبت في يوليو الماضي، مع ضربة الـ13 يومًا التي نفذتها القيادة المركزية الأمريكية ضد سلسلة القتل البحرية الإيرانية، ما أقوله دائمًا: الولايات المتحدة تتعامل مع إيران كما لو كان الأمريكيون جراحي قلب وأعصاب، بينما إيران جسد على وشك الموت، يعملون على قطع أعصابه وشرايينه تدريجيًا حتى يفقد قدرته على المقاومة.

أما الجديد الذي استنتجته، فهو أن الإيرانيين يدركون ضرورة أن يكون ردهم محسوبًا ومخططًا جيدًا، وعليهم أن يبتكروا أهدافًا جديدة تحقق نوعًا جديدًا من المفاجأة الاستراتيجية، وتُعد أوراق ضغط متجددة ومتتابعة يستخدمونها عند الحاجة، ومنها باب المندب، واستهداف الكابلات البحرية، وضرب القواعد العسكرية ومراكز البيانات وغيرها. ومن ثم، في تقديري، يرتب الإيرانيون خياراتهم التصعيدية بصورة متدرجة ومنظمة، كما يفعل الأمريكيون في إدارة عملياتهم. ويمكن توقعها كالآتي:

  • قد يشمل الرد الإيراني استهداف القواعد الأمريكية والمنشآت النفطية في الخليج وإسرائيل، مع احتمال تفعيل جبهات إقليمية أخرى، خاصة في لبنان واليمن.
  • وتكمن الخطورة في تطور طبيعة الأهداف، حيث قد تستهدف إيران مراكز البيانات والمنشآت والبنية التحتية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والمفاعل النووي في الإمارات ودول الخليج، إلى جانب المقدرات النفطية وكابلات الإنترنت تحت سطح البحر، فضلًا عن الامتداد إلى إغلاق مضيق باب المندب.
  • يُرجح أن يؤدي التصعيد إلى اضطراب الملاحة في مضيق هرمز والبحر الأحمر وباب المندب، وارتفاع تكاليف التأمين والنقل والطاقة، مع احتمال توقف بعض المسارات مؤقتًا. أما الإغلاق الكامل والمتزامن والمستمر للمضيقين، فيظل مرتبطًا بقدرات إيران والحوثيين وفاعلية العمليات العسكرية المضادة.
  • تؤثر مواقف دول الخليج وحدود التنسيق الأمريكي الإسرائيلي، خاصة بشأن أهداف العمليات ونهايتها، في نطاق أي مواجهة جديدة وتداعياتها.

سادسًا: السيناريوهات المرجحة

  • استئناف العمليات العسكرية: قد تمثل الفترة من منتصف نوفمبر إلى منتصف ديسمبر 2026 نافذة محتملة لاستئناف الضربات، إذا اتخذ ترمب القرار السياسي، مستفيدًا من اكتمال التعزيزات العسكرية والفترة السابقة لتولي الكونغرس الجديد مهامه في يناير 2027.
  • استمرار الضغط والتفاوض: قد تواصل واشنطن الحصار البحري والعقوبات والتهديد العسكري، مع اختبار المقترح النووي الإيراني. وقد يؤدي إحراز تقدم تفاوضي إلى تأجيل العمليات العسكرية إلى عام 2027، حين تواجه الإدارة قيودًا ورقابة برلمانية أكبر.
  • التصعيد العسكري المبكر: يظل احتمال تنفيذ ضربات قبل اكتمال التعزيزات قائمًا إذا تعثرت المفاوضات أو وقع تطور عسكري يستدعي ردًا أمريكيًا عاجلًا.

سابعًا: الاستنتاجات

  1. يشير تطور الحشد الأمريكي إلى إعادة بناء قدرة عسكرية كبيرة تقترب من ذروة أبريل، مع تعزيز القدرات الهجومية والدفاعية والبحرية، بما يتيح تنفيذ عمليات واسعة أو استمرار الضغط والحصار لفترة أطول.
  2. يُرجح استمرار التفاوض تحت الضغط العسكري خلال المدى القريب، مع ارتفاع احتمال استئناف الضربات إذا تعذر التوصل إلى تفاهم بشأن البرنامج النووي والشروط الإيرانية.
  3. قد تكون الضربات المحدودة أكثر قابلية للاحتواء من استهداف واسع لمنشآت الطاقة، لكن أي عملية عسكرية تحمل خطر رد إيراني يتجاوز الأهداف الأمريكية إلى إسرائيل والمنشآت الخليجية والممرات البحرية.
  4. يمثل اكتمال التعزيزات الأمريكية خلال نوفمبر عاملًا مهمًا في توسيع الخيارات العسكرية المتاحة لترمب، دون أن يشكل وحده دليلًا على اتخاذ قرار الهجوم أو تحديد موعده.
  5. قد تؤثر نتائج الانتخابات الأمريكية واقتراب انعقاد الكونغرس الجديد في حسابات توقيت العمليات، مع استمرار قدرة الرئيس على اتخاذ قرارات عسكرية وفق صلاحياته القانونية.
  6. تظل نتائج الاتصالات الدبلوماسية، وحدود التنسيق الأمريكي الإسرائيلي، ومواقف دول الخليج، ومدى استعداد إيران لتقديم تنازلات نووية، أهم المتغيرات التي ستحدد اتجاه الأزمة.

معهد شؤون الأمن العالمي والدفاع:

  • فريق خبراء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
  • القسم العسكري.

لواء دكتور سيد غنيم
زميل الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية
رئيس معهد شؤون الأمن العالمي والدفاع
www.igsda.org

المصادر:

  • مصادر خاصة.
  • مصادر علنية.
شارك

administrator

استشاري الأمن الدوَلي والدفاع، رئيس معهد شؤون الأمن العالمي والدفاع، الإمارات العربية المتحدة، وأستاذ زائر في العلاقات الدولية والأمن الدولي في أوروبا وشرق آسيا، (مصري)