نص الخبر
يترأس صاحب السمو الملكي الأمير خالد بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود، وزير الدفاع، وفد المملكة العربية السعودية إلى الاجتماعات التي ستُعقد اليوم في طهران، عاصمة إيران، بين دول اتفاقية مكة للدفاع المشترك ومسؤولين من الجمهورية الإسلامية الإيرانية، بمشاركة المشير عاصم منير، رئيس أركان الجيش الباكستاني، وإبراهيم كالين، مدير المخابرات الوطنية التركية.
وسيلتقي ممثلو دول اتفاقية مكة للدفاع المشترك بفخامة رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية الدكتور مسعود بيزشكيان، ومعالي أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي.
التعليق
الوفد ذو طابع فني، أي أنه معني بالأمن، والاجتماع يجمع الدول الثلاث الموقعة على اتفاق مكة مع إيران، في ظل تصاعد الهجمات الحوثية على السعودية واحتمالات تجدد المواجهة الأمريكية الإسرائيلية مع طهران.
أولًا: دلالات الاجتماع اليوم في طهران
- دول اتفاق مكة تحاول تجنب تحول الاتفاق إلى تحالف عسكري موجه ضد إيران، وربما تسعى إلى تأكيد ذلك لطهران، مع توظيفه إطارًا للتنسيق الدفاعي والتفاوض السياسي في الوقت نفسه. وهذا ينسجم مع تباين مصالح الدول الثلاث الذي تحدثت عنه من قبل، فتركيا وباكستان ترتبطان بحدود برية مباشرة مع إيران، بينما تقع السعودية في مواجهتها عبر الخليج، وتتعرض لتهديدات أمنية ترتبط بالنفوذ الإيراني في المنطقة.
- باكستان تؤدي دور الوسيط بحكم علاقاتها مع الرياض وطهران وواشنطن، بينما تسعى تركيا إلى تعزيز دورها الإقليمي دون تحمل تكاليف مواجهة عسكرية مباشرة مع إيران. كما أن اختلاف حسابات الدولتين تجاه طهران يمنح هذا التحرك الجماعي قدرًا من المرونة السياسية.
- السعودية لا تتحرك هذه المرة تحت المظلة الأمنية الأمريكية المباشرة، ولا تتحرك منفردة، وإنما مع شريكين هما الأقرب جغرافيًا لإيران، وتتقاطع مصالحهما معها في بعض الملفات وتختلف في ملفات أخرى. وهذا يمنح التحرك السعودي أبعادًا إقليمية إضافية، دون أن يعني التخلي عن الشراكة الأمنية التقليدية مع الولايات المتحدة، وأظن أن واشنطن ستستفيد منه.
- وفي الوقت نفسه، تجمع السعودية بين تعزيز قدراتها الدفاعية والانخراط الدبلوماسي مع طهران، بهدف وقف الهجمات الحوثية، دون الانجرار إلى مواجهة مباشرة مع إيران أو التورط في حرب استنزاف طويلة داخل اليمن. فحماية السعودية عسكريًا هدف يختلف عن حسم الحرب اليمنية، وإن كان بينهما ارتباط وثيق.
- الاجتماع سيختبر مدى تأثير إيران على الحوثيين، ومدى إمكانية استخدام نفوذها للحد من هجماتهم، وبالتالي مدى ما يمكن أن تنتجه المباحثات من تفاهمات أمنية قابلة للتنفيذ. وهنا ينبغي التمييز بين امتلاك طهران نفوذًا مؤثرًا على الحوثيين وقدرتها الفعلية على التحكم في قراراتهم العسكرية.
ثانيًا: أهمية الاجتماع
تكمن أهمية اجتماع طهران في اختبار إمكانية توظيف اتفاق مكة كأداة لإظهار القوة والتفاوض معًا، بما يعزز الدفاع عن السعودية ويسهم في احتواء المواجهة الأمريكية الإسرائيلية مع إيران، دون انخراط الدول الثلاث فيها بصورة مباشرة.
فتركيا وباكستان ملتزمتان بمقتضى الاتفاق بالدفاع عن السعودية، لكن ذلك لا يعني بالضرورة التدخل العسكري ضد الحوثيين داخل اليمن. وإذا تطور الأمر إلى مشاركة هجومية مباشرة، فقد يؤدي إلى توسيع رقعة الصراع وزيادة اشتعاله من مضيق هرمز إلى باب المندب.
وبشكل عام، أعتقد أن اجتماع طهران اليوم يُعد مزيجًا من طمأنة إيران، وردعها في حال فشل هذه الطمأنة، وتواصل من الولايات المتحدة (بصيغة إنذار نهائي)، ووعود اقتصادية، وإطار إقليمي. كل ذلك في ضوء التهديد الإيراني والحوثيين، بما في ذلك العراق.
ثالثًا: الموقف المصري
ظهر جليًا الآن أن عدم انضمام مصر إلى اتفاق مكة حتى الآن يمنحها حرية حركة استراتيجية، ويجنبها التزامات عسكرية قد تتعارض مع حساباتها تجاه إيران واليمن، دون أن يمنعها من دعم السعودية عسكريًا عبر ترتيبات ثنائية.
وقد يكشف اجتماع طهران الوجه الآخر للمسألة، فإذا تحول اتفاق مكة من إطار للدفاع المشترك إلى آلية مؤثرة في صياغة التفاهمات الأمنية الإقليمية، فقد تخسر مصر فرصة المشاركة المباشرة في قرارات تمس أمن الخليج والبحر الأحمر، وبالتالي أمنها القومي.
إلا أن النقطة الإيجابية هي أن عدم مشاركة مصر في اجتماع طهران بصفتها عضوًا في اتفاق مكة يحافظ على استقلالية موقفها تجاه إيران، ويجنبها الارتباط بمخرجات تفاوضية لم تشارك في صياغتها، أو تحمل تبعات إخفاقها. كما يتيح لها الاحتفاظ بهامش أوسع للتحرك الدبلوماسي مع مختلف الأطراف، وربما القيام بدور وسيط مستقل إذا تعثرت المفاوضات، دون أن تُحسب على طرف في ترتيبات قد تتطور إلى مواجهة عسكرية. ومن ثم، قد تخسر مصر بعض التأثير من داخل الاتفاق، لكنها تحتفظ بحرية الحركة والتأثير من خارجه، بشرط أن تستثمر هذه المساحة سياسيًا.
دكتور سيد غنيم
صورة الغلاف: طهران وبرج ميلاد، تصوير: جوليا مودلين (CC BY 2.0).