تلقيت السؤال التالي: هل تتوقع شن هجوم كبير من جانب إسرائيل و/أو الولايات المتحدة قبل الانتخابات في كل منهما، أي ما يشبه مفاجأة أكتوبر؟ أم تتوقع هجومًا أمريكيًا بعد انتخابات التجديد النصفي؟ أم أننا مقبلون على فترة أكثر هدوءًا قد تتهيأ فيها الظروف للقبول بالتفاوض؟
الرأي:
أرى أن الفكرة الشائعة بأن الضربات العسكرية الكبرى مؤجلة على الأرجح إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية وانتخابات التجديد النصفي الأمريكية ليست دقيقة بالقدر الكافي. فهي تفترض أن الانتخابات تقيد نتنياهو وترمب، وأن انتهاءها سيمنحهما حرية حركة أكبر، بينما قد تعمل الحسابات السياسية في الاتجاه المعاكس، فكلاهما يحتاج إلى تحقيق إنجاز كبير قبل الانتخابات أكثر مما يحتاج إليه بعدها، لأن القيمة السياسية والانتخابية لأي نجاح تتحقق أساسًا قبل توجه الناخبين إلى صناديق الاقتراع.
وبناءً على المعلومات المتاحة والتصريحات والأحداث المتواترة الحالية والمخططة، أضع أوزانًا تقديرية للسيناريوهات خلال الأشهر القليلة المقبلة عند 45% لهجوم كبير قبل الانتخابات، تبدأه إسرائيل على الأرجح أو يبدأ نتيجة تطور ميداني يجر الولايات المتحدة إليه، و35% لهدوء نسبي يمهد لتفاوض أو تفاهم مرحلي، و20% لانتظار الولايات المتحدة إلى ما بعد انتخابات التجديد النصفي ثم شن هجوم كبير. وهذه النسب ليست احتمالات رياضية دقيقة بالتأكيد، وإنما أوزان تقديرية متحركة يمكن أن تتغير بسرعة وفق تطورات هرمز، وأسعار الطاقة، والخسائر الأمريكية، ومسار التفاوض، وأي تحرك عسكري إسرائيلي كبير.
في الحالة الإسرائيلية، لا أرى أن الانتخابات تمثل عاملًا كافيًا لمنع نتنياهو من التحرك إذا توافرت فرصة عسكرية مناسبة أو تطور أمني كبير. كما أن تحقيق إنجاز عسكري ضد إيران أو حزب الله قبل الانتخابات ستكون له قيمة سياسية أكبر من تحقيقه بعدها. ولذلك قد تكون الفترة السابقة للانتخابات نافذة مهمة للتصعيد الإسرائيلي، خاصة إذا قدرت إسرائيل أن إيران تعيد بناء قدرات عسكرية تعتبرها تهديدًا مباشرًا.
أما بالنسبة لترمب، فالمعادلة أكثر تعقيدًا. فهو يحتاج أيضًا إلى نتيجة يمكن تقديمها باعتبارها نجاحًا قبل انتخابات التجديد النصفي، سواء تمثلت في تراجع إيراني، أو تحسن واضح في حرية الملاحة عبر هرمز، أو اتفاق بشروط أمريكية، أو نجاح عسكري واضح ومحدود الكلفة. لكن الحرب أصبحت في الوقت نفسه عبئًا سياسيًا داخليًا، فقد أظهرت استطلاعات حديثة تراجع تأييده مع تصاعد القلق بشأن تكاليف المعيشة والحرب مع إيران، كما أن التأييد الشعبي للضربات ضد إيران لا يمثل أغلبية واضحة، وبدأت أصوات جمهورية تطالب بإنهاء الحرب سريعًا بسبب تأثير أسعار الوقود قبل انتخابات التجديد النصفي.
ومن ثم، فإن شن ضربة أمريكية كبيرة قبل الانتخابات قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط والوقود، واضطراب الملاحة والتجارة، وسقوط خسائر أمريكية، واتساع المواجهة إلى القواعد والمصالح الأمريكية في المنطقة، فضلًا عن منح الديمقراطيين مساحة أكبر لمهاجمة ترمب واتهامه بإدخال الولايات المتحدة في حرب جديدة في توقيت انتخابي حساس. وهنا تكمن المعضلة الأمريكية، فترمب يحتاج إلى “نصر” قبل الانتخابات، لكنه لا يحتاج بالضرورة إلى “حرب” قبلها.
لذلك أرجح أن يزيد ترمب الضغط على إيران إلى أقصى درجة ممكنة من خلال العقوبات، والضغط البحري، والحشد العسكري، واستمرار العمليات المحدودة، والأهم التهديد الموثوق بضربة أمريكية قوية. والهدف هو إقناع طهران بأن رفض تقديم تنازلات سيقود إلى تصعيد عسكري أكبر، بما يسمح له بالحصول على نتيجة يستطيع تقديمها داخليًا باعتبارها نجاحًا دون تحمل كلفة حرب واسعة. ويدعم ذلك أن الضغط والتفاوض يتحركان بالفعل بالتوازي. فالتصعيد في التهديدات الأمريكية يتزامن مع استمرار التحركات الدبلوماسية المرتبطة بإيران وحرية الملاحة في هرمز، كما أظهرت أسعار النفط حساسيتها لأي مؤشرات على إمكانية حدوث تقدم دبلوماسي.
لكن ترمب يجد نفسه هنا بين نارين: حاجته إلى إبقاء التهديد العسكري قويًا بما يكفي لدفع إيران إلى التراجع، مع تجنب حرب واسعة قد تضر به وبحزبه انتخابيًا، واحتمال أن تتخذ إسرائيل قرارًا بتنفيذ ضربة كبيرة ضد إيران وفق حساباتها الخاصة، فتجد واشنطن نفسها أمام تداعيات عسكرية يصعب البقاء خارجها. ولذلك قد يبدأ أهم مسار لانجرار الولايات المتحدة إلى ضربة كبيرة قبل الانتخابات بقرار إسرائيلي أو بتطور ميداني ناتج عنه، وليس بقرار أمريكي مخطط له مسبقًا.
أما إيران، فلا أرى أنها تريد حاليًا حربًا شاملة، لكنها لا تريد كذلك الظهور بمظهر الطرف الذي خضع للضغط الأمريكي. ولذلك ستواصل على الأرجح إبقاء باب التفاوض عبر الوسطاء مفتوحًا، بالتوازي مع استخدام هرمز وأدوات الضغط العسكرية والإقليمية لرفع تكلفة السياسة الأمريكية، والاحتفاظ بقدرتها الصاروخية لمنع توسيع الحرب ضدها.
وتكمن الخطورة الأساسية في أن التصعيد الكبير قد لا يبدأ بقرار سياسي محدد سلفًا، وإنما بحادث يغير الحسابات بسرعة، مثل سقوط عدد كبير من العسكريين الأمريكيين، أو إصابة سفينة حربية أمريكية، أو محاولة إغلاق فعلي لهرمز، أو هجوم إيراني واسع على إسرائيل، أو ضربة إسرائيلية كبيرة ضد إيران. ولذلك أرى أن الفترة الممتدة حتى الانتخابات والأسابيع القليلة التالية لها تمثل نافذة الخطر الرئيسية، وليس فقط مرحلة ما بعد الانتخابات.
وهنا يحضرني إعلان ترمب عقد اجتماع مع قادة دول الخليج، اليوم الثلاثاء 22 سبتمبر 2026 في نيويورك، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، وحسب مصادرنا، يهدف ترمب من الاجتماع إلى بحث الخطوات التالية تجاه إيران، في وقت تبدو فيه دول الخليج قلقة من التصعيد الكبير ومن تعرض منشآتها لرد إيراني. وعن نفسي، أزعم أن الهدف من الاجتماع هو حشد موقف خليجي موحد حول تسوية أو ترتيبات جديدة لهرمز، وعرض خيارات ترمب الثلاثة تجاه إيران وهي (محو إيران بضربة قاضية – تركها تتعفن اقتصاديًا – إجبارها على توقيع اتفاق بشروط ترمب)، وضمنيًا يهدف ترمب إلى إقناع دول الخليج بالمشاركة في شن ضربة قاضية ضد إيران، ما يضفي شرعيةً ووزنًا لقرار يخشى ترمب تحمل مسؤوليته، وفي نفس الوقت يجر دول الخليج أكثر إلى صفه ضد محاولات إيران الوصول إلى صيغة نهائية لترتيبات العبور في مضيق هرمز بتوقيع دول الخليج جميعًا وليس عُمان فقط.
وفي المقابل، أعطي سيناريو الهدوء النسبي والتفاوض 35%. والمقصود ليس انتهاء المواجهة أو الوصول سريعًا إلى تسوية شاملة، وإنما انخفاض مستوى الضربات الكبيرة مع استمرار الضغط الاقتصادي والعسكري والبحري والمفاوضات غير المباشرة، وصولًا إلى تفاهمات مرحلية بشأن هرمز والعقوبات والهجمات والنشاط العسكري الإيراني. وقد تتحرك الضغوط العسكرية والتفاوض بالتوازي؛ فإذا حصلت واشنطن على تنازلات إيرانية يستطيع ترمب تقديمها باعتبارها نجاحًا، فسيكون ذلك أقل تكلفة سياسيًا واقتصاديًا من حملة عسكرية واسعة. ولهذا أخفض وزن سيناريو انتظار ترمب لما بعد انتخابات التجديد النصفي ثم شن هجوم كبير إلى 20%. فنتائج الانتخابات قد لا تمنحه حرية حركة أكبر، وقد تؤدي الخسائر الجمهورية إلى زيادة القيود السياسية والتشريعية على الإدارة، وبالتالي لا يمثل اليوم التالي للانتخابات تلقائيًا بداية نافذة عسكرية أمريكية أكثر ملاءمة.
دكتور سيد غنيم