الإجابة ببساطة لأنه يُنظر إليه على أنه ضد عدو أو تهديد مشترك.. وبلا شك الأنظار هنا تذهب إلى إسرائيل أو إيران أو الحوثيين. والحقيقة أن مشكلة الاتفاق أنه في الواقع ليس ضد عدو أو تهديد مشترك محدد.

ما أقصده هو أن القراءة الأكثر واقعية لاتفاق مكة هي أنه تجميع لمصالح أمنية واستراتيجية متقاطعة، وليس تحالفًا تأسس في مواجهة عدو مشترك. فلكل دولة حساباتها ومصالحها وخصومها، وقد تتقاطع مع الدول الأخرى في بعض الملفات وتختلف معها في ملفات أخرى.

تركيا تنظر إلى الاتفاق كأداة لتوسيع مجالها الاستراتيجي. تحتاج السعودية في الخليج والبحر الأحمر، وتحتاج باكستان في اتجاه إيران وجنوب آسيا، بينما ستكون مصر، إذا انضمت، شديدة الأهمية لحسابات تركيا في شرق المتوسط والبحر الأحمر. أما إسرائيل فهي بالفعل مصدر تهديد ومنافسة مباشرة لتركيا، خصوصًا في سوريا وشرق المتوسط، لكن هذا لا يجعلها تلقائيًا عدوًا مشتركًا للدول الأخرى.

السعودية تنطلق من حساب مختلف. أولوياتها ترتبط بأمن المملكة والخليج والبحر الأحمر، وفي المرحلة الحالية يمثل الحوثيون تهديدًا مباشرًا لها بدرجة أكبر من إسرائيل. ولذلك فإن الاختبار الحقيقي للاتفاق هو مدى تحول الالتزامات الدفاعية إلى مشاركة فعلية عندما يتعرض أحد الأطراف لتهديد لا تعتبره الأطراف الأخرى تهديدًا مباشرًا لها. وهو ما لن يحدث في رأيي.

أما باكستان، فلها مصالح اقتصادية واستراتيجية واضحة، كالاستثمارات والدعم الاقتصادي، وتوسيع أسواق صناعاتها الدفاعية، وزيادة نفوذها في الشرق الأوسط والبحر الأحمر وما وراءه، مع الحفاظ في الوقت نفسه على علاقتها بإيران. ولذلك لا يجب تفسير خطابها السياسي تجاه إسرائيل باعتباره استعدادًا تلقائيًا لخوض حرب ضدها دفاعًا عن السعودية أو تركيا.. هذا لن يحدث. كما أن موقف باكستان من إسرائيل يرتبط بحساباتها الاستراتيجية الخاصة، ومن بينها علاقتها التنافسية مع الهند.

وبالمثل، إذا انضمت مصر، فمن غير الواقعي افتراض أنها ستدخل حربًا ضد إسرائيل لمجرد تعرض تركيا أو باكستان لمواجهة معها، فالقرار المصري سيظل محكومًا بالمصلحة والأمن القومي المصريين.

لذلك، في رأيي، يجب ألا ننخدع كثيرًا بالتصريحات السياسية التركية أو الباكستانية بشأن هوية التهديد. الأهم هو قراءة المصالح الفعلية لكل دولة.

ربما عليك أن تسأل: هل تدعم الولايات المتحدة اتفاق مكة، وإلى أي مدى؟

أتصور أن إدارة ترمب تدعم الاتفاق دعمًا كاملًا، ويمكن تقدير مستوى هذا الدعم بنحو 100%، كما أنها ترغب في انضمام مصر إليه. وأرى أن هذا الموقف الأمريكي يستند إلى ثلاثة اعتبارات رئيسية:

  1. أن قيام إطار أمني وعسكري إقليمي يضم دولًا رئيسية في الشرق الأوسط يتوافق مع استراتيجية الولايات المتحدة القائمة على زيادة مساهمة الحلفاء والشركاء الإقليميين في تحمل أعباء الأمن والدفاع، مع استمرار التنسيق الاستراتيجي مع واشنطن.
  2. أن وجود تركيا وباكستان داخل هذا الإطار، كدولتين حدوديتين مع إيران تريدان بقاء النظام الإيراني، يوفر للولايات المتحدة شريكين إقليميين يمتلكان قدرات عسكرية كبيرة ويمكنهما، بالتنسيق معها، المساهمة في التعامل مع أي فراغ أمني محتمل داخل إيران في حال تعرض النظام لانهيار أو تفكك واسع، أو على الأقل ترويضه في حالة بقائه.
  3. أن توسيع الاتفاق ليشمل مصر من شأنه أن يربط أربع قوى إقليمية مهمة، السعودية وتركيا وباكستان ومصر، ضمن إطار أمني متقارب مع الولايات المتحدة، ويحد في الوقت نفسه من احتمالات انجذاب هذه الدول، ككتلة واحدة، نحو ترتيبات أمنية أو استراتيجية تقودها الصين.

ومن ثم، لا أرى اتفاق مكة، من المنظور الأمريكي، منافسًا للمنظومة الأمنية التي تقودها واشنطن في المنطقة، بل يمكن أن يمثل ركيزة إقليمية مكملة لها، بشرط استمرار التنسيق الاستراتيجي والسياسي والعسكري مع الولايات المتحدة. ولهذا لا أرى إيران أو إسرائيل تهديدًا مشتركًا لاتفاق مكة.

وبالمناسبة، لاحظ دائمًا أن ترمب اعتاد تكرار مدح قائد الجيش الباكستاني عاصم منير والرئيس التركي إردوجان، ولو كان رافضًا لاتفاق مكة أو غيره لحظةً لكان سبّهم في كل موضع.

دكتور سيد غنيم

شارك

administrator

استشاري الأمن الدوَلي والدفاع، رئيس معهد شؤون الأمن العالمي والدفاع، الإمارات العربية المتحدة، وأستاذ زائر في العلاقات الدولية والأمن الدولي في أوروبا وشرق آسيا، (مصري)