تبدأ العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا أسبوعها التاسع في مواجهة القوات الأوكرانية المدعومة، دون حساب، من الولايات المتحدة وأوروبا بل ومن حلفائهم الأقوياء حول العالم. شهرين من القتال المستمر في ظل تكذيب وتبادل الاتهامات بين الأطراف، ليس بين روسيا وأكرانيا فقط، ولكن أيضاً بين روسيا والغرب بل بين أنصار الجانبين على كافة المستويات، بدءً من التصريحات الرسمية الحرب الإعلامية بين إعلام الدول الرسمي والخاص وحتى الناس العاديين على مواقع التواصل الاجتماعي وعلى القهاوي. ويبقى السؤال الأهم، هل حققت روسيا أهدافها؟

قبل الإجابة على هذا السؤال لابد أولاً أن نجيب على عدة أسئلة، أهمها:

أولاً: ما هي الأهداف الاستراتيجية العامة لروسيا الاتحادية؟

ثانياً: ما هي الأهداف الاستراتيجية السياسية العسكرية الروسية قبل بدء عمليتها العسكرية في فبراير 2022؟

ثالثاً: ما هي الأهداف الاستراتيجية السياسية العسكرية الروسية عند بدء العملية العسكرية؟

رابعاً: ما هي أهداف الولايات المتحدة والناتو المضادة؟

خامساً: ما هي الأهداف الاستراتيجية السياسية العسكرية الروسية بعد مرور شهر على بدء العملية؟

سادساً: ما هي الأهداف الاستراتيجية السياسية العسكرية الروسية الحالية؟

سابعاً: ما هي السيناريوهات المتوقعة حالة عدم تمكن روسيا من تحقيق أهدافها؟

ثامناً: ما هو أهم خطأ وقعت فيه القوات الروسية في عمليتها العسكرية مما يصعب من تحقيق اهدافها؟

أولاً: الأهداف الاستراتيجية العامة لروسيا الاتحادية:

استعادة ثقل روسيا الاتحادية كقوة عالمية مناظرة للولايات المتحدة في عالم متعدد الأقطاب، قادرة على فرض إرادتها السياسية والأمنية وردع الناتو، وضمان بقاء روسيا الاتحادية دولة آمنة مزدهرة. وذلك بتقويض الولايات المتحدة والحد من هيمنتها، وتقويض الناتو وإيقاف توسعه في أوروبا ومحيطها شرقاً، واستعادة روح روسيا القيصرية والاتحاد السوفييتي في دولة روسيا الاتحادية العظمى، والاستفادة من الموارد المتاحة في مجالات النفوذ الروسي المخطط خارج الحدود الروسية وتحديدًا في شرق أوروبا والبلطيق والشرق الأوسط والمتوسط والقرن الأفريقي ووسط آسيا”.

وقد وضع بوتين أهدافًا قصيرة ومتوسطة المدى في إطار التحول لاستعادة مكانة وهيبة روسيا الإقليمية والعالمية لمواجهة النفوذين الأمريكي والأوروبي المتنامين، من خلال: تحقيق الانتشار السريع في شرق أوروبا والبحر الأسود عبر بيلاروسيا وأبخازيا وأوسيتيا الجنوبية و(لوجانسك ودونتيسك في أوكرانيا) ثم جورجيا ومولدوفا، وفي وسط آسيا عبر كازاخستان وأرمينيا وكازاخستان وقيرقيزستان وطاجيكستان، وفي البلقان عبر صربيا، وفي البحر المتوسط عبر سوريا. حيث سعى لاستغلال الثغرات المتكررة في الاستراتيجيات الأمريكية في المجالات ذات الاهتمام بدعم من الموالين لروسيا في شرق أوكرانيا وشبه جزيرة القرم، وحاجة أوروبا للغاز الوارد من روسيا، والمشاكل السياسية والأمنية التي تواجه بلدان وسط آسيا والبلقان والشرق الأوسط. وعمل بقوة بوتين مستخدماً سياسة النفس الطويل والصبر على الأعداء، في محاولة لكسب أكبر عدد من الحلفاء بانتزاعهم من الولايات المتحدة وأوروبا وبما يعظم المناطق العازلة بين روسيا والغرب وعلى رأسهم تركيا والمجر والتشيك، فضلاً عن الاستمرار في مد الغاز لأوروبا، وتعظيم العلاقات الاستراتيجية المتبادلة مع هذه الدول هذه من خلال الاتفاقية السياسية والعسكرية والمشروعات الاقتصادية والاستثمارات المشتركة، وضمان وجود سوق موسع لتكنولوجيا السلاح التكنولوجية النووية الروسية. من جانب آخر، عمل بوتين في الداخل على تعظيم قوى روسيا الاتحادية التكنولوجية والعسكرية والنووية والدبلوماسية وتكنولوجيا الفضاء والأمن السيبراني والإعلامية، في محاولة لتعظيم قوة روسيا الاقتصادية.

ثانياً: أهداف روسيا الاستراتيجية السياسية العسكرية في ديسمبر 2021 وقبل بدء عمليتها العسكرية في فبراير 2022:

في ديسمبر 2021 قامت روسيا بحشد قواتها على حدود أوكرانيا معلنة حدة خطابها تجاه أوكرانيا، بهدف توجيه رسالة ردع في إطار الإعداد لشن عملية عسكرية محدودة على أوكرانيا،  وأعلن بوتين عن مقترح اتفاق أمني شامل مع الناتو، مقابل تحقيق ثلاث مطالب، وهي:

  • تخلي أوكرانيا ودول أخرى عن رغبتها في الانضمام لحلف الناتو وأي تحالف عسكري آخر.
  • وقف جميع الأنشطة العسكرية من قبل الولايات المتحدة والناتو في شرق أوروبا وآسيا الوسطى.
  • انسحاب قوات الناتو من شرق أوروبا وكما كان الوضع قبل عام 1997.

ثالثاً: أهداف روسيا عند بدء العملية العسكرية:

ومع بدء العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا أعلنت روسيا مطالب محددة، ولكن هذه المرة ليست مطالب دولية من الولايات المتحدة والناتو، ولكن من أوكرانيا، وهي:

  • إعلان أوكرانياً رسمياً عدم انضمامها لحلف الناتو أو أي أحلاف عسكرية أخرى.
  • إعلان أوكرانيا الحياد عسكرياً بإلقاء سلاح من اسمتهم بانازيين الجدد في إقليم دونباس شرق أوكرانيا ومناطق أخرى بها.
  • اعتراف أوكرانيا بدولتي لوجانسك ودويتسك دولتان منفصلتان خارج السيادة الأوكرانية.
  • اعتراف أوكرانيا بشبه جزيرة القرم تحت السيادة الروسية.
  • عدم إلغاء تعليم اللغة الروسية في المنظومة التعليمية الأوكرانية.

وهو ما رفضت أوكرانيا كل بنوده عدا المطلب الأول الذي كانت أوكرانيا على يقين من حدوثه في الوقت الراهن أو حتى على المدى القريب، خاصةً وأن أوكرانيا كانت على يقين أيضاً من أن روسيا تعد لغزو أراضيها تنفيذاً لقرار تم اتخاذه مسبقاً سواء قبلت الشروط أو رفضت، أي أن الشروط الروسية كانت تعجيزية ومعروف مقدماً عدم قبولها. حيث كان أمام روسيا أحد خيارين لتنفيذ العملية:

الأول: قيام قوات كل من دونتيسك ولوهانسك بتنفيذ العمليات العسكرية التوسعية بقوات محلية ودعم لوجيستي روسي. وهذا الخيار لا يضمن حسم أعمال القتال، إلا أنه قد يجنب جزئياً وليس كلياً روسيا للعقوبات التي جهزها لها الغرب. وفي ظني، روسيا لم تكن تميل لهذا الخيار أملاً في تنفيذ عملية عسكرية قويية تحسم الموقف.

الثاني: قيام قوات روسية بالتعاون مع القوات الموالية بدونتيسك ولوجانسك بتنفيذ عملية عسكرية سريعة في حدود (72) ساعة، وحتى أسبوع، وبما يضمن سرعة تنفيذ العملية وحسم أعمال القتال، مع وضع خطة لمواجهة وتفادي العقوبات الغربية.

ويبدو من الاستعدادات العسكرية الروسية، على الحدود الأوكرانيا ونشر القوات البحرية في البحرين الأسود والمتوسط والمحيط الأطلسي والمناورات العسكرية البحرية المنفردة ومع الصين وإيران في البحار المؤثرة، أن روسيا تمهد لغزو موسع لأوكرانيا من الشمال والشرق والجنوب مما قد يمنح بوتين السيطرة العسكرية الفعلية على العاصمة الأوكرانية كييف والمدن الأوكرانية الكبرى الأخرى، الأمر الذي يتيح لبوتين إمكانية إملاء شروطه لتحقيق كافة أهدافه

ومع أن روسيا كانت تعلم جيداً أنها ستواجه صعوبات كبيرة حالة تنفيذ عملية شاملة في أوكرانيا، حيث أنها تواجه صعوبات اقتصادية كبيرة، كما أن الغزو سيضاعف مشاكلها الاقتصادية بسبب ما ستنفقه في الحرب على أوكرانيا وأيضاً بسبب حجم العقوبات الاقتصادية المنتظر توقيعها عليها بواسطة كل من الولايات المتحدة وأوروبا، غير أن روسيا ستكون مُدانة دولياً، غير أن اقوات الروسية ستواجه معوقات كثيرة كالمواجهة الشعبية كبيرة وصعوبة القتال داخل عمق أرض معادية خاصة في المدن والغابات، أيضاً ستحول الحرب موقف منطقة البحر الأسود لعدم الاستقرار مع زيادة حجم المعارضين لسياسات بوتين خاصة بعد حربه على أوكرانيا عام 2014 والذي تسبب في سقوط الكثير من الضحايا، كما أن أوكرانيا اعتادت نفس الظروف المناخية التي تستغلها روسيا، ومن ثم فإن روسيا تخسر ميزة استغلال الجليد والصقيع في الحرب ضد أوكرانيا التي اعتادت استغلالها في حروبها السابقة.

ومن ثم، كانت الأهداف الاستراتيجية السياسية العسكرية الروسية عند بدء العملية العسكرية تتلخص في الآتي:

  • دولياً:
  • تقويض التهديد العسكري للناتو والولايات المتحدة تجاه المجال الحيوي الروسي في منطقة البحر الأسود والبلقان، وتأكيد فكرة قدرة روسيا الاتحادية على التصدي لإستراتيجية الانتشار التدريجى لحلف الناتو في هذا الاتجاه.
  • إمكانية نقل الحرب بالوكالة إلى مسرح أوروبا الشرقية من غير دول الناتو أو بإحدي دوله الأعضاء إن أمكن، وبما يجعلها أكثر اتساعاً وتعقيداً، دون مواجهة روسية حقيقيةمع الناتو والولايات المتحدة.

على أمل أن يؤدي ما سبق إلى زيادة حالة الانقسام داخل حلف الناتو أو على الأقل تحييده، وكذا الانقسام الأوروبي في داخله، وإحداث انقسام أوروبي أمريكي، وإحراجهم أمام العالم بوضعهم في موقف غير القادر على مواجهة روسيا القوية. وذلك بتشتيت جهود قيادات الناتو ودوله، واستغلال عدم الوحدة على الأهداف والمصالح، والانقسام الإيديولوجي في بعض دوله مثل ألمانيا والتشيك والمجر، وانحراف فرنسا المتكرر عن أهداف الناتو وتزايد توتر العلاقات بين تركيا وفرنسا والولايات المتحدة وجميعهم دولة مهمة بالناتو.

  • في أوكرانيا:
  • تحويل أوكرانيا من منطقة عازلة لصالح المعسكر الغربي، إلى منطقة عازلة لصالح روسيا في صورة نطاق أمن استراتيجي.
  • اسقاط العاصمة كييف، وإعلان سقوط النظام الأوكراني الحاكم أو تنحيه، واستبداله بنظام موالي لروسيا. والتحول إلى حرب بالوكالة بواسطة المتطوعين مع الوقت غرب أوكرانيا تمهيداً لنقلها لدول شرق أوروبا دون مواجهة روسية مع الناتو.
  • استكمال الاستيلاء على العديد من المدن الحيوية وإعلان انفصال بعضها (كييف – خاركيف – مايروبول – خيرسون – ميكولايف – أوديسا) بهدف تفتيت الدولة وتحويلها إلى “لا دولة”، مع احتمال ضم بعض تلك الجمهوريات المنفصلة من جانب واحد إلى روسيا الاتحادية مستقبلاً، وحرمان أوكرانيا من الإطلال على البحر الأسود وجعلها دولة حبيسة، الأمر الذي يقسم ويضعف الدولة الأوكرانية من جانب ويحرمها من كافة المزايا الجيوستراتيجية امن جانب آخر.

زيادة حالة الانقسام داخل الناتو أو على الأقل تحييده، وكذا الانقسام الأوروبي، وإحداث انقسام أوروبي أمريكي، وإحراجهم أمام العالم بوضعهم في موقف غير القادر على مواجهة روسيا القوية. وذلك بتشتيت جهود قيادات الناتو ودوله، واستغلال عدم الوحدة على الأهداف والمصالح، والانقسام الإيديولوجي في بعض دوله مثل ألمانيا والتشيك والمجر، وانحراف فرنسا المتكرر عن أهداف الناتو وتزايد توتر العلاقات بين تركيا وفرنسا والولايات المتحدة وجميعهم دولة مهمة بالناتو.

  • نزع السلاح الأوكراني بكافة مستوياته وإحلال قواتها المسلحة بقوات حماية روسية تحت مسمى “قوات حفظ السلام” في العمق الاستراتيجي الروسي الجنوبي الغربي.
  • فصل شرق أوكرانيا عن غربها وذلك بتحقيق المهمة النهائية للجبهة بالاستيلاء على الخط المار بالمدن (كييف – تشيركاسي – كيروڤوجراد – أوديسا)، وتأمين طريق كييڤ/ أوديسا العرضي الرئيسي.

ويتم ذلك من خلال الاستيلاء على المدن الرئيسية الروسية والاستيلاء عليها، وإعلان سقوط النظام الأوكراني الحاكم وهي (المناطق ذات السيادة الأوكرانية في لوجانسك ودونيتسك شرقاً، وأيزيوم وسومي وخاركيف وكييف شمالاً وماريوبول وماليتوبول وخيرسون وميكولايف وأوديسا جنوباً. وذلك بتدمير/ شل الآلة العسكرية الأوكرانية والسيطرة على مفاصل الدولة في أسرع وقت ممكن.

رابعاً: هدف الولايات المتحدة والناتو في العملية العسكرية:

القضاء على الطموحات الروسية والتصدي لنفوذها المتشعب وكسر شوكة قوتها العسكرية، وبما يمكن من اسقاط النظام الروسي الحاكم، مستغلة الحرب الجارية بتدفق الدعم العسكري اللوجيستي والاستخباراتي لأوكرانيا والذي يتراوح بين (3 إلى 10 مليار دولار شهرياً)، وانهاك اقتصاد روسيا بالعقوبات القاسية والحصار والعزلة الاقتصادية، بجانب حملات إعلامية غربية مركزة تستهدف دعم الروح المعنوية للجيش والشعب الأوكراني، وتهييج الرأي العام العالمي والأمم المتحدة والمجتمع الدولي ضد بوتين ونظامه الحاكم والجيش الروسي، وبما يضع روسيا في محل رد الفعل عسكرياً على الأرض، ودبلوماسياً أمام الأمم المتحدة والمنظمات الدولية، وذلك من خلال خطوات إجرائية قانونية تعيق روسيا من تحقيق أهدافها.

خامساً: الأهداف الاستراتيجية السياسية العسكرية الروسية بعد مرور شهر على العملية العسكرية؟

  • دولياً:
  • حشد الرأي العام والمجتمع الدولي لإدانة تكثيف التواجد العسكري للناتو والقوة العسكرية الأوروبية في الدول المحيطة بروسيا في البلطيق والبحر الأسود وعلى الحدود الغربية الأوكرانية، والتي زادت ارتباطاً بالعملية العسكرية في أوكرانيا.
  • تنفيذ كافة الإجراءات والتدابير لتصدير الإزعاج وعدم الاستقرار لأوروبا.
  • في أوكرانيا:

تركيز الجهود على مثلث ماريوبول وميليتوبول وميناء بيرديانيسك ثم ميناء هينيتشيسك لاستكمال السيطرة على بحر أزوف، مع استمرار استهداف ميكولايف وأوديسا والتمسك بخيرسون جنوباً، وخاركيف وإيزيوم شمالاً.

  • تهيئة الظروف لربط روسيا بالمدن الرئيسية جنوب أوكرانيا مروراً بجنوب إقليم الدونباس وحتى شبه جزيرة القرم وبما يعزل أوكرانيا تماماً عن بحر أزوف ويؤكد السيطرة التامة لروسيا على مضيق أزوف، ويحرم أوكرانيا من بناء أي سد مائي يحرم القرم من المياه.
  • استمرار محاولات اسقاط العاصمة كييف، وإعلان اسقاط النظام الأوكراني الحاكم أو تنحيه، واستبداله بنظام موالي لروسيا.
  • استكمال الاستيلاء على العديد من المدن الحيوية وإعلان انفصال بعضها (خيرسون – زابرزيدجيا – ماريوبول – …) بهدف تفتيت الدولة وتحويلها إلى “لا دولة”، مع احتمال ضم بعض تلك الجمهوريات المنفصلة من جانب واحد إلى روسيا الاتحادية مستقبلاً، وحرمان أوكرانيا من الإطلال على البحر الأسود وجعلها دولة حبيسة، الأمر الذي يقسم ويضعف الدولة الأوكرانية من جانب ويحرمها من كافة المزايا الجيوستراتيجية من جانب آخر.

ولتحقيق هذه الأهداف من المنتظر أن تعمل القوات الروسية على:

  • تركيز الصواريخ والأسلحة الزكية على مخازن الذخيرة والمؤن والوقود والمعدات الطبية والأسلحة الأوكرانية.
  • استهداف مدينة أوديسا بنيران الصواريخ أرض/ أرض وسطح/ أرض الموجهة من القطع البحرية الروسية في بحر أزف.
  • تركيز الجهود للاستيلاء على مدينة ماريوبول وسرعة اسقاطها وخفض الروح المعنوية للقوات الأوكرانية، ثم إعادة إعمارها وفرض السيادة الروسية عليها.
  • فرض السلطة الروسية على مدن (خيروسن – ميليتوبول – بريادنيسك)، وجميعها جنوب شرق أوكرانيا، مع دفع مرتبات الموظفين بالعملة الروسية الروبل.
  • استمرار استهداف ميكولايف وأوديسا والتمسك بخيرسون والأراضي المستولى عليها بميكولايف.
  • إصلاح خطوط السكك الحديدة خاصة الجنوبية ثم الشمالية لتسهيل نقل الإمدادات اللوجيستية.
  • الإصرار على عدم انسحاب أي قوات روسية من شرق وجنوب شرق أوكرانيا وتعزيز كافة النجاحات.

سادساً: الأهداف الاستراتيجية السياسية العسكرية الروسية الحالية؟

  • دولياً:
  • حشد الرأي العام والمجتمع الدولي ضد الولايات المتحدة والناتو على تصوير الغزو الروسي لأوكرانيا على إنه عدواناً غربياً ضد روسيا في مواجهة إصرارها على غزو أوكرانيا وزيادة الخسائر الروسية وذلك أمام الشعب الروسي. وكذا إدانة تكثيف التواجد العسكري للناتو والقوة العسكرية الأوروبية في محيط روسيا.
  • تنفيذ كافة الإجراءات والتدابير لتصدير الإزعاج وعدم الاستقرار لأوروبا.
  • في أوكرانيا:

“تحقيق نصر حاسم في اقرب وقت ممكن بال الاستيلاء على منطقة دونباس بأكملها وجنوب أوكرانيا وتطهيرها من القوات الأوكرانية لتوفير جسر بري إلى شبه جزيرة القرم، وذلك بحد اقصى قبل يوم 74 عمليات (الموافق 09 مايو 2022، عيد النصر الروسي). وتأمين اتصال إقليم دونباس بماريوبول وخيرسون جنوباً، الأمر الذي يؤدي لعزل شرق أوكرانيا عن غربها مع تأمين كافة المدن الساحلية حتى خيرسون قبل يوم عيد النصر الروسي الموافق 09 مايو 2022، مع الاستعداد للوصول إلا أوديسا في مرحلة لاحقة، مع احتمال التحرك لإعلان مدينة خيرسون وربما مدن أخرى جمهوريات منفصلة إسوة بلوجانسك ودونياستك”.

مع الوضع في الاعتبار أن السيطرة الروسية على جنوب أوكرانيا توفر لروسيا قدرة مستقبلية على شن هجوم أوديسا (العاصمة الاقتصادية الأوكرانية)، ثم مدينة بالانكا داخل الحدود الملدوفية والواقعة على مسافة 60 كم من مدينة أوديسا، أو تجاه “تيراسبول – Tiraspol” عاصمة دولة مولدوفا والواقعة على مسافة 104 كم من أوديسا، أو تجاه مدينة “ترانسنيستريا – Transnistria” المولدوفية والواقعة شمال العاصمة مباشرة، وعلى مسافة 160 كم من أوديسا. وجميعها تقع شرق مولدوفا على الحدود الأوكرانية مباشرة.

ولتحقيق هذا الهدف ستعمل القوات الروسية على تنفيذ الاتي:

  • الاستمرار في أعمال الاستطلاع باستخدام وسائل الاستطلاع وجمع المعلومات (البشرية والتكنولوجية) داخل إقليم “دونباس” وعلى كامل المسرح مع التركيز على الشرق والجنوب، لتحديد واكتشاف حجم وتكوين وقدرات تجمعات القوات ووسائل النيران الأوكرانية في المدن المتواجدة في نطاق المهمة المباشرة في الأساس.
  • استخدام حجم مناسب من النيران الذكية دقيقة الاستهداف (والمكلفة للغاية) لتدمير القوات والأسلحة والمعدات الأوكرانية داخل إقليم دونباس بشكل جراحي دقيق ومركز.
  • استخدام حجم هائل من نيران الصواريخ والقوات الجوية والمدفعية متعددة المدى لتدمير القوات الأوكرانية خارج دونباس خاصةً تلك المحتمل تدخلها في الإقليم، فضلاً عن حجم آخر من النيران الزكية دقيقة الاستهداف لتدمير مستودعات الأسلحة والذخائر الأوكرانية تحت الأرض.
  • استغلال المعلومات المتحصلة عليها ونتائج نيران القوات الجوية والصواريخ والمدفعية، والاستمرار في الهجوم مع التركيز على المنتصف، وتدمير العدو في المواجهة، والاستيلاء على الخط المار بالمدن (حد يمين إيزيوم وسلوڤيانسك وكراماتورسك – حد منتصف قسطنتيفيكا ودونيتسك – حد يسار ڤلوڤاخا وماريوبول)، بنهاية يوم 64 عمليات، 28 أبريل 2022، كمهمة مباشرة للجبهة.
  • خلال هذه المرحلة، (يجب أن تواصل القوات الروسية الهجوم في الاتجاه الجنوب الشرقي من إيزيوم، وغرباً من كريمينا وبوباسنا، وشمالًا من مدينة دونيتسك عبر أفدييفكا. وستستمر المدفعية والصواريخ والقوات الجوية الروسية في قصف منشأة “مصنع آزوفستال” الذي يقاتل من داخله باقي القوات الأوكرانية المعزولة في ماريوبول، وقد يعلن المسؤولون الروس النصر في ماريوبول حتى قبل إخلاء آزوفستال بالكامل).
  • وباستغلال القوة الدافعة للهجوم تقوم القوات الروسية باستكمال التقدم وتطوير الهجوم غرباً وتدمير القوات الأوكرانية في مواجهتها والاستيلاء على الخط المار بالمدن (حد يمين خاركيڤ وسلوبوجينسكي – حد منتصف غرب إيزيوم وسلوڤيانسك وكراماتورسك – حد يسار ميناء بيريادنسك)”، وذلك بنهاية يوم 74 عمليات، 08 مايو 2022، كمهمة تالية للجبهة.

استكمال التقدم والهجوم غرباً والاستيلاء على الخط المار بالمدن (حد يمين غرب خاركيف – حد منتصف بولتافا دنيبرو وزبرزاجيا – حد يسار خيرسون)”، وذلك بنهاية يوم 84 عمليات، 18 مايو 2022، كمهمة نهائية للجبهة.

  • الاستمرار في منع الإمدادات الغربية لأوكرانيا في المرحلة الحالية، خاصةً الإمداد بالدبابات والطائرات المتطورة التي تمنحها القدرة على تنفيذ ضربة مضادة شاملة. وكذا منع الغرب من امداد أوكرانيا بوسائل النيران، خاصةً المدفعية والصواريخ والمقذوفات الموجهة المضادة للدبابات ووسائل الدفاع الجوي والدرونز ووسائل القيادة والسيطرة الحديثة، أو حرمان القوات الأوكرانية من استلام تلك الأسلحة والمعدات بأي وسيلة ممكنة.
  • ضمان امتلاك القوات الروسية في مسرح العمليات تشكيلات قتالية متجانسة لديها قدرات قتالية عالية ذات قادة وأفراد مدربين تدريب عالي على أساليب قتال غير نمطية تتميز بالقدرة على المناورة والتنفيذ اللامركزي.

سابعاً: أهم خطأ وقعت فيه القوات الروسية في عمليتها العسكرية مما صعب من تحقيق اهدافها؟

بجانب سوء تقدير الموقف الدولي والإقليمي وموقف العدو، والأداء المتردي للقوات على الأرض، وغيرها من الأخطاء إلا انني أرى أن أهم خطأ وقعت فيها القيادة العسكرية الروسية هو “عدم تحديد الهدف الاستراتيجي السياسي العسكري الروسي بعناية ودقة متناهيتين، وبما يقلص من احتماليات تغييره أو تعديله أثناء الحرب تحت أي ظروف، وهو ما يتطلب إجراءات محددة عديدة ترتبط بمراحل التخطيط والتنفيذ خاصة أسلوب استخدام القوات والتخطيط الدقيق استعداداً لمجابهة المواقف الطارئة أثناء التنفيذ.

ثامناً: ما هي السيناريوهات المتوقعة حالة عدم تمكن روسيا من تحقيق أهدافها؟

خلال نقاشاتنا المغلقة التي شارك فيها اللواء أ.ح. ياسر هاشم والباحث المساعدين أحمد عادل وجهاد فتحي ومحمد عامر، توصلنا للآتي:

  • السيناريو الأول: استمرار القتال مع البقاء على الأوضاع الحالية (الإستنزاف) ورد الفعل الأول المتوقع من روسيا وأمريكا:

يبنى هذا السيناريو على أساس بقاء الوضع العسكري على ما هو عليه، دون نجاحات كبيرة في أعمال القتال أو فشل وانسحابات روسية كبيرة تنازلاً عن الأراضي المكتسبة. ويتوقع عودة روسيا لنفس اسلوبها فى المرحلة السابقة قبل الحرب، بدعم الانفصاليين واحتمال الزج بمرتزقة لدعمهم، مع تحويل الصراع إلى صراع منخفض الحدة في صورة حرب أهلية أوكرانية، ومحاولة ضم مناطق أخرى من التى استولت عليها سواء لشبه جزيرة القرم أو للإقليمين الانفصاليين (لوجانسك ودونيتسك)، وتبرير ذلك بنجاحها فى تدمير قدرات أوكرانيا العسكرية. وفي هذه الحال، ومع إطالة العملية العسكرية وظلت تراوح حول خطوط القتال الحالية واستمرت روسيا فى سياسة القصف على مدن العمق الاوكرانى مما يؤدى بخسائر مدنية فادحة فى الجانب الاوكرانى، ومع استكمال التنظيم والتنسيق والحشد من جانب الناتو فى دول بولندا ورومانيا والمجر وسلوفاكيا، من المرجح أن يعلن الناتو منطقة حظر جوى جزئى لغرب اوكرانيا يمتد من نقطة الحدود الثلاثية بين اوكرانيا وبيلاروسيا وبولندا وصولا الى مدينة اوديسا على ساحل البحر الاسود، وهو احتمال يصعب تنفيذه للغاية في ظل إصرار الولايات المتحدة والناتو على تجنب المواجهة مع روسيا، إلا انه يبقى رد فعل غربي قائم طبقاً للموقف.

  • السيناريو الثاني: استمرار القتال مع البقاء على الأوضاع الحالية (الإستنزاف) ورد الفعل الثاني المتوقع من روسيا وأمريكا:

إلا ان هناك من يرى أن قدرة روسيا على حشد حلفاء عسكريين، سواء من قوات صديقة أو شركات خاصة، قد وصلت حدها الأقصى (في نطاق العملية الأوكرانية)، والدليل على ذلك، عدم مقدرة القوات الروسية على تحقيق أهدافها الأولية في كييف، أو حتى استكمال تأمين الجمهوريتين الانفصاليتين وأخذ وقت طويل للغاية لتطهير مدينة ماريوبول. ومن ثم، في حالة عدم استطاعة تأمين الجمهوريتين المنفصلتين بالاسلحة التقليدية، قد تضطر روسيا لإستخدام اسلحة أكثر تطوراً وتأثيراً، وربما قد تلجأ لاستخدام ما هو أشد خطورة كالأسلحة النووية التكتيكية، خاصة أن بوتين لن يقبل التسليم بعدم تحقيق الحد الأدنى من أهدافه في العملية العسكرية في أوكرانيا وهو تطهير وتأمين منطقة دونباس.

وهذا السيناريو سيؤدي لعقوبات دولية أشد قسوة على روسيا، مما قد يدفع بوتن لانتهاج سياسة “الهروب للأمام”، وذلك من خلال حسم مسألة تأمين كامل شريط أوكرانيا على البحر الأسود بنفس نمط اسلحة التدمير الشامل، مما يجعله غير قادر على اغتنام أى مكاسب من التحركات السابقة، فيضطر للهروب للأمام أكثر ويهاجم مولدوفا، وتدريجياً سيضطر لمواجهة الناتو والولايات المتحدة، وهو ما يمكن اعتباره السيناريو الأسوأ. وهذا السيناريو مبني على فشل جزئي للقوات الروسية في تحقيق مهامها العسكرية في تأمين إقليم دونباس.

  • السيناريو الثالث: التهدئة ومحاولة انجاح المفاوضات:

قيام الكتلة الأوروبية (بدون الولايات المتحدة وبريطانيا) بفتح خط تهدئه مع بوتن للعمل على تسكين الوضع على ما هو عليه تجنباً للوصول لمواجهة مباشرة مع روسيا، وهو ما قد يحقق لبوتين بعض من حفظ ماء الوجه، وفي نفس الوقت سيحافظ على العقوبات الغربية على روسيا لإبقائها ورقة مازالت مؤثرة خلال أي مفاوضات لاحقة، وهو سيناريو يصعب تحقيقه، حيث لن تسمح الولايات المتحدة بذلك، لكونه يعني عزلها عن الموقف وافساد ما حققته من ترابط أمريكي أوروبي غير مسبوق.

  • السيناريو الرابع: إنهيار النظام الروسي الحاكم:

ضعف قوة بوتين تدريجياً في السيطرة على الوضع الداخلي في روسيا خاصة مع استمرار استنزاف قوة روسيا وتضييق الحصار عليها، بما يعرضها للانهيار في توقيت معين خارج سيطرة بوتين، مما قد يسهل الإطاحة به، سواء بالإغتيال أو الإعتقال، مما يأخذ خط المفاوضات للصالح أوكرانيا والغرب، وهو احتمال شديد الصعوبة خاصة مع ارتفاع شعبية بوتين في الداخل خلال شهر مارس وذلك نتيجة للإحصاءات الروسية المنشورة حالة صدقها، فضلاً عن إحكام وبوتين ونظامه الحاكم السيطرة على مفاصل الدولة والقيادات الشعبية وكافة المؤسسات وأهمها الجيش والشرطة الروسية.

  • السيناريو الخامس: هزيمة القوات الروسية عسكرياً:

أما السيناريو الخامس والأخير، فهو مبني على نجاح أوكرانيا في استقبال واستخدام كافة الدعم العسكري والمالي المتزايد من الولايات المتحدة وأوروبا، وبما يمكن القوات الأوكرانية من التمسك بالأراضي غير المحتلة في دونباس. بل واحتمال تزويد القوات الأوكرانية بأسلحة هجومية متطورة بحجم كبير، مع استمرار تضييق الحصار المفروض على روسيا اقتصادياً وسياسياً وبما يمكن القوات الأوكرانية من التحول للهجوم في بعض القطاعات وخلق ثغرات كبيرة بين تشكيلات القوات الروسية في إقليم دونباس وعزله عن الجنوب المحتل، خاصة تلك التي تحرم القوات الروسية من القدرة على الاتصال والتعاون بينها بالقوات والنيران. وكذا قد تمكن هذه الأسلحة القوات الأوكرانية من تدمير الجسور الجاري إنشائها بين القرم وخيرسون وخطوط الكواصلات بين دونباس وخيرسون، وأيضاً استهداف وحدات عسكرية واقتصادية في المدن لروسية الحدودية. وخطورة هذا السيناريو أنه سيؤدي لانحراف جذري في مسير العمليات وبما قد يدفع روسيا لاستخدام أسلحة نووية أو على الأقل أسلحة فتاكة.

دكتور سَــــيْد غُنــــيْم
زميل أكاديمية ناصر العسكرية العليا
رئيس معهد شؤون الأمن العالمي والدفاع – أستاذ زائر بالناتو والأكاديمية العسكرية ببروكسل

Share:

administrator

PhD, MG(Ret.), Chairman IGSDA (UAE), Visiting Scholar in International Relations & International Security in several countries, (Egyptian)